Saturday 05/11/2011/2011 Issue 14282

 14282 السبت 09 ذو الحجة 1432 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

وقفت طفلة الخمس سنوات والتي تميزت ببشرة داكنة جدا في حيرة أمام عدم رغبة الأطفال الآخرين في اللعب معها في الروضة .. تراكضت حولهم والفتيات الصغيرات الأخريات يدفعنها أو يتجاهلنها وبحدة أحيانا. اقتربت منها... كان واضحاً على محياها أنها (ميتة تبي تلعب معهم) قالت معليش معليش.. سأسامحهم بس

يخلوني ألعب. ذهبت للمعلمة سألتها ما المشكلة؟ لماذا لا يقبل الأطفال هذه الطفلة: أجابت المعلمة سريعا: اتركيها بس اتركيها... هالسودا وبيئتها تعبانة بعد؟!

في مادة علم الاجتماع التربوي التي أدرسها لطالبات البكالوريوس ولتطبيق مفهوم القولبة والشعور بالفوقية الثقافية أخذت طالباتي للروضة التابعة للجامعة وكنا قد صورنا كافة الأطفال في الفصل (بعد أذن أهاليهم بالطبع وتم إعادتها للأطفال في نهاية التجربة) ووضعناها على ورق مقوي وبدأت طالباتي يأخذن الأطفال واحدا واحدا لسؤالهم حول من يفضلون أن تكون صديقتهم بحسب الصور الموجودة في اللوحة ولم ندهش حين عدنا لقاعة المحاضرة وبدأنا نحلل نتائج التجربة: الأطفال الأقل حظا للقبول بين الأطفال والأقل شعبية هم الأطفال ذوي البشرة السمراء أو من تظهر عليهم سمات البدانة أو القصر أو لابس نظارة في هذا السن المبكر... إلخ، بمعني أن أي اختلاف عن المألوف يؤدي إلى العزل غير المباشر للطفل بين أقرانه في الفصل.

من علم الأطفال في هذه السن المبكرة صنع هذه التمايزات العنصرية واللاإنسانية؟ كيف استطاع أطفالنا تكوين هذه التحزبات ضد صاحب البشرة السمراء أو الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة أو حتى المختلفي الأشباه مثلا: شعر أكرد أو عيون شرقية ممدودة أو طفل سمين... إلخ، من الاختلافات الجسمية والعرقية والاقتصادية والاجتماعية التي نوع الله بها البشر عند خلقهم.

إنها هذه المعلمة التي نقلت بأسلوبها اللاتربوي هذا التوجه العنصري إلى الصغيرات من حولها.. إنه هذا الأب الذي يعامل العمال الأجانب بدونية وباستهزاء. إنه حارس المدرسة الذي يصرخ في السائقين الأجانب ليبعدهم كالذباب ويسمح لزوج فلانه السعودي بتجاوز القوانين والوقوف أمام باب المدرسة مباشرة في انتظار زوجته مغلقا الشارع أو جزءا كبيرا منه دون أن يوجه له غير الابتسامات؟!

في كتاب القراءة للصف الرابع (وربما تغير هذا العام مع تطوير المناهج) تتحدث قطعة القراءة عن السياحة الداخلية وفوائدها للوطن والمواطن ومن بين كل المناطق السياحية في المملكة يتعصب صاحب المقالة الذي يبدو أنه من منطقة القصيم ليشيد بهذه المنطقة وهذه المنطقة فقط... فالقصيم هي أبرز الجهات السياحية في الصيف متناسيا أبها والباحة وتنوعاتها المناخية الخلابة أو هو مصيف المملكة التقليدي القديم الطائف بورده ورمانه وهداه كل ذلك يتسلل لعقل الطالب كمنهج خفي يؤكد على أهمية منطقة دون أخرى حتى لو تضمنت المعلومة تزويرا جغرافيا واضحا في فروق درجة الحرارة الواضحة صيفا ما بين بريدة وأبها أو الجوف أو تبوك أو الطائف.

ما أعنيه هنا أن التنوع الثقافي أو تسمى أحيانا التعددية الثقافية من القضايا الهامة التي فرضت نفسها علينا في بناء الدولة الحديثة حين خرجت الدول من عباءة القبيلة إلى عباءة الدولة المترامية الأطراف جغرافيا والمتنوعة عرقيا ودينيا وأيديولوجيا فهي ذات علاقة مباشرة بإرساء مفاهيم عديدة منها المواطنة والعدالة والديمقراطية في ظل التعدد والتنوع بمختلف أشكاله.

يقول المفكر عبدالله البليهي في تغريدته التي نشرها في توتير بتاريخ 26- 10- 2011:

الثورة الجذرية التي نحتاجها نحن العرب ونحن المسلمين هي الثورة العامة العارمة ضد الطائفية والمذهبية والانغلاق الثقافي فبدون ذلك لن يتغير شيء.

التنوع الثقافي ليس فكرة ثقافية أو فلسفية تناقش في الكتب والمنتديات الثقافية بل هو وكما نلمس باستمرار حدث يتقاطع مع حياتنا اليومية في كل الممارسات التي نعيشها أو يعيشها من حولنا فحين تسأل إحداهن صديقتي الحجازية: أنتِ سعودية ؟ فمن هو السعودي أذن؟

هل هو من يسكن في نجد ويتحدث باللهجة المحلية لهذه المنطقة ومنحه الله بالطبع تقاطيع وجوههم وأشكال عيونهم؟ أما إن أكون شيعية وأسكن القطيف أو أحلي شعري ببعض تراث جازان أو أرسم بالحناء بعض الخطوط تحت ذقني أو تبدو أصولي من جاوه (من خلال ملامحي الخارجية) إلى غير ذلك من التفاوتات والتنوعات التي تحفل بها مناطق المملكة على اتساعها الجغرافي المهول فكل ذلك عوائق ثقافية ستقف في وجه قبولي الاجتماعي والمهني وحتى على مستوى التعامل في الشارع العام باعتباري لا أحمل السمات الأكثر قبولا في الثقافة المحلية.

حين تتصرف المعلمة بشكل فض ولا إنساني مع طفلة صغيرة تبحث عن القبول والانتماء فهل يعني ذلك أنها معلمة شريرة وعنصرية إما أننا وضمن ثقافتنا المحلية نحمل ملامح التعصب ورفض التنوع لكل أشكال الاختلافات القائمة بحيث منعنا عن هذه المعلمة أن تدرس أثناء إعدادها في الكلية مفاهيم التنوع بين طالباتها وكيف تتعامل معها وتحترمها وتنميها.. على العكس يلعب معلمونا في الغالب مثلهم مثل العاملون في باقي الأجهزة واستجابة للمقبول الثقافي في تأكيد هذه التمايزات والتحزبات ونقلها لمن يدرسونهم ببساطة لأننا لم نتح لهم مناخا يناقش بشفافية هذه التمايزات ويسأل عن حلها وكيفية تجاوزها.

اليوم وفي ظل الدولة المدنية الحديثة لا نملك إلا أن نعود ونناقش جذور الكثير من الأفكار التعصبية والعرقية التي تتبناها الثقافة المحلية محكومة بإحساسها الزائف بالتفوق وبالفعل فقد وجدت دراسات عديدة منها دراسة (اسبار 2008) (دراسة البكر ووشيفر 2009) أن لدي الشباب السعودي شعورا بأنهم يتفوقون ثقافيا على الشعوب الأخرى مما قد يؤدي إلى صعوبة لدينا في القدرة على التعامل مع الشعوب والأقليات الأخرى في ظل عولمة اليوم.

عالمنا هنا زاخر بكل التحزبات العرقية والعنصرية والجنسية وأول الغيث أننا بدأنا نتحدث عنها بصوت عال ونتداولها وتتطلبها المؤسسات الأكاديمية العالمية كأحد معايير التميز الأكاديمي في أي برنامج تراجعه لإقراره حسب المعايير العالمية وذلك لخلق مواطنين عالميين يخففون من شغف العالم بالاختلاف والحروب بسبب الفوارق الثقافية والدينية.

 

التنوع كمعيار للحياة المدنية الحديثة
د. فوزية البكر

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة