Saturday 05/11/2011/2011 Issue 14282

 14282 السبت 09 ذو الحجة 1432 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

كانت آخر فصل في حياة معمر القذافي وفي مسرحية حكمه السياسي مؤثراً لدرجة أنه استطاع أن ينال بعض الأسف على تلك المشاهد الوحشية، وشخصية القذافي في حكمها الطويل مثلت بشفافية مفرطة حالة الحاكم العربي في أزمنة الاستبداد، فقد عبّر عن رؤيته الدونية واحتقاره المشين لشعبه، وكان صريحاً لدرجة الوقاحة، عندما وصف الثوار على حكمه الشمولي بالجرذان، وعندما أزاح الستار في خطبه عما يجول في خاطره من أفكار غريبة، وكان مثيراً للانتباه حين توقع بقرب نهايته، وكان قد حذر الحكام العرب في مؤتمر القمة الشهير عن الدور سيأتيهم الواحد تلو الآخر..

كذلك أظهرت نفسيته المضطربة خوفه وهلعه من استبداد الجماهير، عندما تطرق إلى ذلك في رواية له بعنوان: القرية القرية الأرض الأرض وانتحار رجل الفضاء، (ما أقسى البشر عندما يطغون جماعياً..!! يا له من سيل عرم لا يرحم من أمامه..!! فلا يسمع صراخه.. ولا يمد له يده عندما يستجديه وهو يستغيث.. بل يدفعه أمامه في غير اكتراث! إن طغيان الفرد أهون أنواع الطغيان، فهو فرد في كل حال.. تزيله الجماعة، ويزيله حتى فرد تافه بوسيلة ما.. أما طغيان الجموع، فهو أشد صنوف الطغيان، فمن يقف أمام التيار الجارف!؟.. والقوة الشاملة العمياء!).

ويكمل: (كم هي قاسية في لحظة الغضب، تآمرت على هانيبال وجرعته السم، وأحرقت سافونارولا على السفود، وقدمت بطلها داونتون للمقصلة وحطمت فكي روبسبير خطيبها المحبوب وجرجرت جثة موسيليني في الشوارع.. وتفلت على وجه نيكسون وهو يغادر البيت الأبيض بعد أن أدخلته فيه وهي تصفق!! متنقلاً إلى وصفه حاله وما تعده له الجماهير التي أفنى حياته في خدمتها ورعاية شؤونها بقوله: (فبماذا أطمع أنا البدوي الفقير التائه، في مدينة عصرية مجنونة،، أهلها ينهشونني كلما وجدوني.. هذه الجموع التي لا ترحم حتى منقذيها، أحس بأنها تلاحقني.. تحرقني.)..

كانت نهايته كما توقعها، فقد قتلته الجموع في مشهد تراجيدي، وما حدث من الجماهير الغاضبة هو ردة فعل متوقعه ضد الهوس المفرط بالتسلط، فالاستبداد والدكتاتورية تزداد كلما ارتفعت درجة الذعر عند الحاكم من بطش الجماهير، وعادة ما تعاني تلك الشخصية المستبدة من بارانويا وشك مرضي يصل أحياناً إلى التخطيط في قتل المعارضين وسجن الذين يشك المستبد في ولائهم، وكلما تقدم به العمر تزداد مخاوفه وأوهامه واستبداده، لتتحول البلاد إلى سجن كبير، وتصبح الإعدامات مشهداً يومياً وعادياً في حكم الزعيم.

ولو تأملنا حياة الذين حكموا من خلال الاستبداد فسنجدهم يشتركون في أوهام الهوس في تعذيب المعارضين وقتلهم، وفي تلك الحالة التي تتصف بالبارانويا والشك المرضي في شعوبهم وفي أقرب الناس إليهم، وعادة ما تنتهي تلك الأزمنة إلى الفوضى التي تؤدي في نهاية الأمر إلى تنامي ثقافة الانتقام، والتي قد تنتهي بمشاهد مثل مصرع موسيليني وتشاوشسكي والقذافي، وتختلف سيكولوجية الشعوب من يوم إلى آخر، ففي يوم تجدهم يتصرفون كالمساكين، وفي يوم آخر تنقلب نفسياتهم إلى ثوار يطلبون الانتقام ويتلذذون بلحظاته إلى أقصى حد..

لم يكن القذافي مجنوناً أو، مريضاً نفسياً، بل كان يمثل نموذجاً صارخاً لحالة السياسة العربية، فتاريخ العرب الحديث يكاد يخلو من شخصية في قامة المهاتما غاندي أو عقلية الرئيس نيلسون مانديلا أو شارل ديغول أو جورج واشنطن..، فقد كان الهوس بالسلطة والتسلط عاملاً مشتركاً بين أغلب زعماء العرب، وتبدو حالة بعض الزعماء العرب المعاصرين مؤسفة للغاية عندما يتصرفون ببدائيه وسذاجة وأنانيه، وعندما تتحول حياتهم إلى أمنيات تقدم المنافع الحسية والملذات على الإنجاز التاريخي، وعندما يصبح ذلك الزعيم المهيب مثل الطفل المدلل الذي يرغب في امتلاك كل شيء، يغيب الإنجاز التاريخي عن لوحة الشرف التي تحفظ أسماء الزعماء التاريخيين في سجل لا يُنسى مهما طال الزمن..،

أتساءل ماذا لو أسس القذافي عندما تسلم الحكم في 1969 ميلادي دولة حديثة لها دستور وتحكمها القوانين والديموقراطية، ثم سلمها في عمليه ديمقراطية سلمية إلى خلفه كما فعل مانديلا، وراقب نموها وتطورها عبر العقود، هل ستكون نهايته مثلما شاهدناها، أم سيكون خالداً في ذكرى ووجدان كل مواطن ليبي إلى الأبد.

 

بين الكلمات
استبداد الفرد وطغيان الجموع..
عبدالعزيز السماري

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة