Saturday 05/11/2011/2011 Issue 14282

 14282 السبت 09 ذو الحجة 1432 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

متابعة

      

ذهبت إلى مكة المكرمة 1371هـ عبر رحلة برية شاقة عبر الفيافي والمهامة والمفاوز والرمال، وكان الطريق صعباً، حيث لا طرق معبدة ولا استراحات على الطريق وما زالت تلك الأمكنة نقاطاً حية في الذاكرة، وكانت المدة عشرة أيام، ومررت بمعالم وصوى لم يعد الطريق يمر بها.

وفي صيف ملتهب وبعد رحلة في أحشاء الصحراء ومكابدة طرقها ووعورة السفر وعناء الترحال من مكان إلى مكان، حيث انطلقنا من المجمعة مروراً بالوشم والسر والدوادمي والمويه وركبة وعشرة والسيل الكبير، وكنت أقول لرفاق الرحلة جزاؤكم عند الله موفور وسعيكم لديه مشكور، ووصلنا مكة بعد سفر عشرة أيام وزالت حرارة الطبيعة أمام حرارة الإيمان، وشعرت بالبهجة وأنا أدخل مكة المكرمة مهبط الوحي ورأيت أفواجاً من الناس يأتون من كل فجٍّ عميق يدعون الله بقلوب ملؤها الرجاء، وما كان الحجاج كثيرين، ولهذا فلا ازدحام في الطواف ولا مضايقة عند بئر زمزم.

وبعد أداء مناسك العمرة ذهبت للتجوّل في أنحاء مكة المكرمة وفي كل بقعة من بقاعها أثر وتاريخ، حيث غار حراء مهبط الوحي ودار الأرقم وغار ثور، وغيرها من الأماكن التي درج على ترابها هداة البشرية ورموز البطولة والإيمان؛ وستظل مكة المكرمة مناراً للأمة فقد انبثق منها النور ونزل من سمائها الفرقان لقد تتابع الوحي فيها ثلاث عشرة سنة وولد فيها النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- في بيت من بيوتها وكنت أقول ما أسعدني اليوم في مكة التي ظلت مقصد المؤمنين في حجهم من عهد إبراهيم يقصدها الحجاج فيرونها وادياً بين سلاسل جبال متصل بعضها ببعض، ولقد رأيت سفوح هذه الجبال فقد عمرت بالمساكن.. كل هذه الذكريات تملأ النفس فخراً واعتزازاً؛ ثم ذهبنا إلى منى فعرفات فمزدلفة، ولم يكن الانصراف من عرفات شاقاً لقلة الحجاج، واشترينا هدي التمتع من جالب غنم مرّ بالقرب من منزلنا في منى.. وهكذا أكلمنا نسكنا حتى طواف الإفاضة. وفي منى كان الناس مشغولين بأداء المناسك من رمي الجمرة والذهاب إلى مكة للطواف، وكانت مناهج العيد تغمر القلوب بالراحة والطمأنينة، وبعد زوال شمس اليوم الثالث كان الاتجاه إلى مكة بعد رمي الجمار.

وإنّ الحديث عن الحرمين الشريفين في عيون المبدعين والمثقفين كافة لا يضاهيه أيّ حديث لأنه ميدان شريف ثر العطاء.. وكيف لا يكون كذلك وأفئدة الناس تهوي إليهما من كل فجّ عميق ليشهدوا منافع لهم، فهو موضوع يتسم بالسعة وثراء المادة والشمول، يحتاج إلى دراسات عديدة تبرزه في صورة أكثر وضوحاً.

فما من أديب أو رحالة أو شاعر ومبدع إلا هو مشتاق إلى رؤية هذه البقاع، يسلط الضوء على جانب من تلك الجوانب الروحية والحضارية، ولذا نجد كمّاً زاخراً بالأعمال الثقافية والأدبية من عرب وعجم، كلٌّ راصد لرحلته وشوقه لهذه البقاع من حجاج وعمار وزوار يسألون الله من فضله.. ولكل وافد إلى هذه الديار خلفيته الثقافية التي ينطلق منها في الحديث عنها، ويصف المشاهد وطرق الحج والمشاعر والعادات والتقاليد والتاريخ والجغرافيا من خلال أدب الرحلة وتصوير رؤيته لهذه البقاع الطاهرة.

والقارئ لآثار الرحالة والأدباء والشعراء والمبدعين يجد فيضاً نفيساً زاخراً يبرز الحرمين الشريفين ومكة المكرمة والمدينة المنورة بما يثير كوامن النفس، وذلك مؤشر لعظمة المكان وروحانيته وعبقريته.

إنَّ (مكة المكرمة والمدينة المنورة) تحتل في ذاكرة المبدعين أوسع المساحات.. وكيف لا تكون وهي منطلق الإسلام ومهبط الوحي ومهوى أفئدة المسلمين وزاخرة بأحداث غيرت وجه التاريخ، وستظل مادة حية للحديث والإبداع والنور، ولآثارها وربوعها على اختلافها حضور في الأدب والتاريخ قديماً وحديثاً، وكل من يستعرض التاريخ يدرك ويحس بدورها في الشعر والأدب.. يقول أحد الشعراء من أبناء مكة حسين عرب:

والمحاريب والمشاعر كون

ناطق بالتقى وبالإيمان

وستظل أفئدة الناس تهوى إلى الحرمين الشريفين، وستظل رؤية الأدباء والرحالة والمبدعين لتلك البقاع الطاهرة تحتل المكانة الراقية في منارة المعارف الإلهية والرسالة الخالدة.

عضو جمعية التاريخ والآثار بجامعات دول مجلس التعاون

 

رحلة الحجّ بين الأمس واليوم
عبد الله حمد الحقيل

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة