Monday 14/11/2011/2011 Issue 14291

 14291 الأثنين 18 ذو الحجة 1432 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

الوقفة الأولى:

انتهت أيام العيد الأضحى، وانتهت معها تأدية حجاج بيت الله الحرام مناسكهم بيسر وأمن وعافية. ويطيب لكاتب هذه السطور أن يهنئ الجميع على ما تحقَّق لهم من آمال كانوا يتطلَّعون إليها بشوق

عظيم، كما يطيب له أن يضم صوته إلى الملايين من المسلمين في الدعاء إلى الله واسع المغفرة والجود أن يقبل من الحجاج حجهم، ويقبل من جميع المسلمين أعمالهم الصالحة. وإذا كان المواطن السعودي يشكر الله شكراً جزيلاً على توفيقه لقيادة هذا الوطن العزيز للقيام بما تم فيه من إنجازات في مختلف مجالات الحياة وفي مختلف مناطق المملكة فإنه يقدر التقدير الأوفى للقيادة الموفقة.

على أن الإنجازات، التي لا تضاهى، هي تلك التي تمت في الحرمين الشريفين؛ خدمة لأهلها ومن أمَّهما من المسلمين، حجاجاً ومعتمرين، وقد بدأت هذه الإنجازات في عهد موحد هذا الوطن، الملك عبدالعزيز، تغمده الله برحمته ورضوانه. وتوالت الإنجازات في عهد أبنائه الكرام، الذين تولوا القيادة من بعده خير خلف ليخر سلف، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه؛ توسعة عمرانية عظيمة، وتنظيماً هادفاً إلى راحة الجميع، ومحققاً واضحاً لذلك. وما تحقق في موسم حج هذا العام بالذات كان قمة في التنظيم، وإنجازاً رائعاً يوجب الشكر والتقدير لقيادة هذا الوطن، ولا سيما من تولى منهم مباشرة تحقيق هذا الإنجاز، كما يوجب الثناء والتقدير لكل من أسهم في الإنجاز، تابعين للدولة أو متطوعين من الفتيان والفتيات.

الوقفة الثانية:

وهذه الوقفة تتعلق بقضية فلسطين.. قضية أمتنا؛ عرباً ومسلمين. وهذه القضية بدأ استعصاء حلها حلاً عادلاً منذ أن أصبح نفوذ الصهاينة داخل الولايات المتحدة الأمريكية بالذات متغلغلاً في مراكز حياتها الأساسية، سياسياً واقتصادياً وإعلامياً. والمتابعون لما جرى من أحداث يعلمون الدور الكبير، الذي قامت به القيادة الأمريكية، في جعل عدد من الدول؛ رغبة في ثوابها أو رهبة من عقابها، تُصوِّت في الأمم المتحدة لقبول الدولة، التي أعلن الصهاينة قيامها على أرض فلسطين، عضواً في المنظمة الدولية. ويعلم أولئك المتابعون للأحداث ما جرى بعد قيام الكيان الصهيوني من دعم أمريكي غير محدود لذلك الكيان؛ سياسياً واقتصادياً وعسكرياً. ولقد رأى الجميع مدى تغلغل النفوذ الصهيوني في أمريكا عندما شاهدوا حماسة التأييد التي ظهر بها أعضاء الكونجرس؛ تصفيقاً وقياماً واحتراماً، لمجرم الحرب نتنياهو عند إلقائه الخطاب عليهم؛ وهي حماسة لم يَمرَّ عليّ أنها أبديت لرئيس أمريكي، ناهيك عن أن تكون أبديت لغيره.

على أن الحديث في هذه المقالة؛ وهو حديث مختصر، عما حدث ويحدث متزامناً مع أيام الأضحى هذا العام. ومن ذلك ثلاثة أمور كلها تُبيِّن أن مواقف قادة أمريكا تجاه قضية أمتنا.. قضية فلسطين.. لا تَتغيِّر؛ سواء كان الواحد منهم ينطلق من منطلق عدائي لهذه الأمة رسَّخه إيمان متصهين، أو كان يَتصرَّف العاجز عن مواجهة النفوذ الصهيوني المتغلغل في عصب الحياة الأمريكية. أحد الأمور الثالثة موقف القيادة الأمريكية من محاولة الصلح بين قادة فتح وقادة حماس؛ إذ وصف الرئيس الأمريكي أن الصلح بينهما نكسة للسلام؛ وذلك أن منظمة حماس أحد طرفيه. والثاني موقف القيادة الأمريكية من قبول فلسطين عضواً في اليونسكو.. وقد اتضح هذا الموقف العدائي في وقوف أمريكا ضده، ومحاولة حشد آخرين بشتّى الوسائل للوقوف معها ومع الصهاينة في ذلك الموقف العدائي. ولما فشلت في تلك المحاولة، وقَرَّرت أكثرية أعضاء الوفود قبول فلسطين عضواً في المنظمة قَرَّرت أمريكا؛ إمعاناً في العداوة، قطع معونتها السنوية لتلك المنظمة الثقافية العلمية. أما الأمر الثالث فموقف القيادة الأمريكية من الاعتراف بدولة فلسطين للفلسطينيين على أرضهم المحتلة من قِبل الصهاينة لتكون عضواً في الأمم المتحدة. والقيادة الأمريكية المظهرة تأييدها للصهاينة وعداوتها لأمتنا؛ راضية أو مضطرة، واقفة بكل ما تستطيع من قوة ووسائل ضد ذلك الاعتراف، ومُصرَّة على ما يناقضه وهو وجوب رضوخ الفلسطينيين -ومن ورائهم العرب والمسلمين- لقبول ما جعله ويجعله الكيان الصهيوني أمراً واقعاً على أرض فلسطين حيث يمضي تهويد الأرض - بما فيها القدس المحتضنة للمسجد الأقصى - سرعة كبيرة.

الوقفة الثالثة:

وهذه الوقفة تتصل بقضية العراق. وهي وإن كانت عن العراق فإن ما حدث على أرض ذلك القطر الذي كان جزءاً من الأمة العربية إلى أن اعتدت عليه، واحتلته، قيادة أمريكا المتصهينة حينذاك بالتعاون مع القيادة البريطانية المعادية لأمتنا عام 2003م. ومن المؤسف جداً أنه وجد من قيادات هذه الأمة وشخصياتها من تعاون مع الدولتين المذكورتين في العدوان والاحتلال. وفي هذه الأيام أعلنت أمريكا أنها ستسحب قواتها العسكرية المختلفة في نهاية هذا العام، ودخل انسحابها مرحلة التنفيذ. وقد قالت القيادة الأمريكية: إن انسحاب قواتها من العراق يجيء نتيجة تحقيق الأهداف التي كانت مخططة ومرجوة التحقيق. وما قالته تلك القيادة عن تحقيق الأهداف قول صحيح في نظر كاتب هذه السطور المحدود النظر. وما قاله ويقوله آخرون عن فشل أمريكا فيما قامت به بعيد عن الصحة إذا تأمله المرء تأملاً دقيقاً. ذلك أن الحديث عن نجاح العمل وفشله ينبغي أن يعرف الهدف من القيام بذلك العمل. ومن الواضح أن هدف القيادة الأمريكية الأساسي، في عدوانها على العراق واحتلال بلاد الرافدين، كان خدمة الكيان الصهيوني. ولقد اعترف السيد جيمس بيكر، وزير خارجية أمريكا في عهد بوش الأب، أن تحطيم قوة العراق العسكرية، عام 1991م، كان خدمة لإسرائيل. ذلك أن تلك القوة -كما قال- كانت الخطر الإستراتيجي الحقيقي على الدولة الصهيونية. وتحطيم تلك القوة كان خدمة كبيرة لها. ثم جاء رئيس أركان القوات الأمريكية ليعترف بأن احتلال العراق، سنة 2003م، كان هدفه الأكبر مصلحة إسرائيل. وما حدث للشعب العراقي - نتيجة تحطيم قوته عام 1991م، ثم احتلاله عام 2003م- من تقتيل وتدمير ذهب ضحيتهما أكثر من مليون عراقي ونزوح من يزيد عددهم على ذلك إلى بلدان أخرى، ومن نهب لتراث العراق وثروته.. كل ذلك واضح كل الوضوح. على أن أفظع أمر ارتكبه المحتلون للعراق نشر الفتنة الطائفية والعرقية بين سكانه، وما نتج عن هذا الأمر من نفوذ إيراني يكاد يكون مسيطراً على مجرى الأحداث؛ ولا سيما في غير منطقة الأكراد من العراق، ومن شبه انفصال تام للمنطقة الكردية بحيث يتصرف المتنفذون من الأكراد فيها تصرفاً يكاد يكون تصرف الدولة المستقلة.

وكنت قد أشرت إلى شيء من ذلك في أبيات من قصيدة عنوانها: «نهر من العجب»؛ قائلاً:

من يكابرْ في تجاهله

حيْف أمريكا على العربِ

فهو جافٍ عند أمته

موجبات الدين والنّسبِ

مثلُ من قد باع موطنه

لذوي الطيغان كالجلبي

ومنها:

والذي قد مسَّ مهجته

لوثةٌ من فاتك الوَصَبِ

لا ترى عيناه ما ارتكبت

من صنوف البطش والسلَبِ

دولةٌ ساداتُها جعلوا

ذُلَّنا نوعاً من الطربِ

وإذا ليمتْ على صَلَفٍ

ثار بركاناً من الغضبِ

يا زماناً بات ممطره

إذ همى نهراً من العَجَبِ

 

وقفات بعد انقضاء أيام العيد
د.عبد الله الصالح العثيمين

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة