Saturday 26/11/2011/2011 Issue 14303

 14303 السبت 01 محرم 1433 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الثقافية

 

قال من الحيل ما هو طاعة وما هو محرّم.. وأكد أنّ بعض الاحتياط وسواس:
رئيس هيئة الرقابة والتحقيق الدكتور صالح العلي: الذريعة كما يجب سدّها يجب فتحها.. وقاعدتها من أعظم قواعد التشريع الإسلامي

رجوع

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الجزيرة - سعيد الدحية الزهراني

بأمثلة وشواهد عديدة يقابلها استنادات وإحالات منهجية.. بحث الدكتور صالح بن سعود آل علي رئيس هيئة الرقابة والتحقيق، الذرائع والحيل عبر بحث منهجي نال به الباحث درجة الماجستير في الفقه عام 1394هـ وخرج في كتاب مطبوع هذا العام 1432هـ.

آل علي الحاصل على درجة الدكتوراه في الفقه وأصوله من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، تطرّق في كتابه الجديد (الذرائع والحيل وموقف الشريعة الإسلامية منه) إلى عدد من المحاور ذات الصلة بمتغيري البحث (الذرائع والحيل) مثل الاحتيال، كما أكد على أنّ قاعدة سدّ الذرائع من أعظم قواعد التشريع الإسلامي، إلاّ أنه شدّد أيضاً على عدم جواز التمادي والمبالغة بالقول بسدِّ الذرائع من غير دليل ولا مستند، مبيناً أنّ على المجتهد ألاّ يقول بسد ذريعة، إلاّ بعدما يتأكد لديه أنها تفضي إلى شر محقق أو كثير الوقوع.

وأوضح الدكتور آل علي في مقدِّمة الكتاب، أنه لما كان موضوع الذرائع والحيل لم يفرد ببحث وافٍ ومستقل؛ يبرز معالمه ويوضح قواعده، ويجلو غموضه، ويحدد مواضع الاتفاق ومواضع الاختلاف فيه؛ اللهم إلاّ إشارات عابرة ومتناثرة في ثنايا الكتب وبطون الأمهات منها، إلى جانب أنّ الأمة في هذا العصر - ولا سيما المثقفون منها ثقافة خاصة - هم أحوج ما يكونون اليوم إلى تبصيرهم بمحاسن هذه الشريعة الخالدة، ووفائها باحتياجات العصر ومتطلّبات الحياة، وإيجادها الحلول المناسبة لمشاكل الأمة، وشمولها لما يعنُّ لها في مختلف المجالات.. أخذ في الكتابة في موضوع الذرائع والحيل وما يتصل بها مما هو وثيق الصلة بها.

وقد اشتمل على مقدِّمة وتمهيد وثلاثة أبواب وخاتمة:

حيث ضم المبحث الأول: الاجتهاد فيما لا نص فيه: من خلال مصادره أو طرقه وحجيتها، وما يترتب على استخدامها في الاستنباط من اعتبار ثمرتها أحكاماً شرعية.. مشيراً إلى معنى الاجتهاد ومنزلته من الشريعة ومواقف الناس إزاءه، مقسماً إلى: اجتهاد لاغ يجب إطراحه وأن يضرب به عرض الحائط، وإلى: اجتهاد صحيح أقرّته الشريعة واعتبرته مصدراً من مصادر تشريعها، ودعمت ذلك بالاستدلال من الكتاب والسنّة.

ثم استعرض إجمالاً مصادر التشريع فيما لا نص فيه، ومن ذلك: المصدر الأول: القياسُ مبيناً تعريفه وأمثلته وأركانه، وخلاف العلماء في الاحتجاج به بعد تحرير محل النزاع، وأدلة كل فريق والقول الراجح بدليله.. موضحاً أنّ مذهب الجمهور في اعتبار القياس هو الحق الذي لا مراء فيه، وأنّ ما ذهب إليه أهلُ الظاهر من نفي القياس هو مذهب لا يصح الاعتداد به.

والمصدر الثاني: الاستحسان: وقد أورد المؤلف جملة من تعريفات الأصوليين له، وأن للعلماء في الاحتجاج به رأيين: رأي اعتبره مصدراً من مصادر التشريع فيما لا نص فيه، ورأي أنكره واعتبر الحكم به حكماً بالهوى والتشهي.

منتهياً إلى أنّ الخلاف بين الفريقين هو خلاف لفظي، وأن بين الفريقين اتفاقاً لا اختلافاً.

والمصدر الثالث: المصالح المرسلة:

وقد بيّن تعريفها وأمثلة لها، ومذاهب العلماء في الاحتجاج بها، والمذهب الراجح منها بعد تحرير محل النزاع، مؤكداً على أنّ المصالح المرسلة معتبرة فيما لم يشهد الشرع له بإلغاء ولا باعتبار؛ موضحاً أنّ هذا المذهب هو الوسط بين من جفا وبين من غلا؛ بين من جفا وسد هذا الباب وأظهر الشريعة قاصرة عن استيعاب مصالح العباد، وعن مسايرة التطورات التي تجدُّ للأمة بين الفينة والفينة؛ وبين من غلا في استعمال المصلحة مطلقاً فيما فيه نص وفيما لا نص فيه؛ كالطوفيِّ، لأنّ هذا قد فتح باباً للقضاء على النصوص، وجعل حكم النص أو الإجماع عرضة للنسخ بالرأي وحكماً بالهوى، وهو ما تأباه الشريعة أيما إباء.

والمصدر الرابع: العرف أو العادة:

وقد بيّن فيه أنّ العادات أو الأعراف قد اعتبرتها الشريعة ولم تقطع النظر عنها؛ بل جعلتها أصلاً من أصولها العامة بشروط وضوابط يسير المجتهد على منوالها؛ فلا يُفْرِط ولا يُفرِّطُ.

مشيراً إلى أنّ الشريعة حينما اعتبرت العرف مصدراً من مصادر التشريع فيها، برهنت على سعتها وشمولها واستيعابها لكل ما يهم الناس في الدارين.

أما المبحث الثاني: فقد تضمّن الكلام فيه حول بناء الشريعة على مصالح العباد، ومقاصد الشريعة وأقسامها، وتعارض المصالح والمفاسد.

وظهر من هذا المبحث أن الشريعة مبنية على مراعاة مصالح العباد في العاجل والآجل؛ فليس ثمة أمر أو نهي إلاّ وقد اشتمل على جلب مصلحة أو تكميلها، أو درء مفسدة أو تقليلها، وأن المقاصد ترجع إلى حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال والعرض، ولذلك اعتُبرت هذه الأصول واعتدَّ بها في جميع الشرائع.

وانتهى المؤلف في هذا إلى أنّ الشريعة الغرّاء لما راعت هذه المصالح في أحكامها، علمنا أنّ الذرائع تُسدُّ إذا كان سدُّها يحقق مصلحة أو يدرأ مفسدة؛ لأنّ هذا متمشٍّ مع ما ترومه الشريعة حسبما يُستقرأ من جميع أحكامها.

وبعد هذا التمهيد: تطرَّق الباحث إلى صلب البحث، وهو الذرائع والحيل على النحو التالي:

الباب الأول: وضم سبعة فصول:

الفصل الأول: خُصَّ للكلام عن الذريعة ومعناها في اللغة وفي الاصطلاح، ونطاقها وما تشتمل عليه، مرجحاً أن الذريعة إذا أطلقت عند جمهور الأصوليين فإنما يقصد بها ذلك النوع الذي هو مباح يؤدي إلى مفسدة، وقد أيّد الباحث رأيه هذا بشواهد من كلام العلماء وبما احتجوا به من أدلة، ثم فرّق بعدها بين سدّ الذريعة والمصلحة المرسلة.

أما الفصل الثاني: فيتناول أقسام الذريعة عند ابن القيم، وأقسامها عند القرافي، وأقسامها عند الشاطبي، موازناً بين هذه المسالك الثلاثة، وقد اختار المسلك الذي نحاه أبو إسحاق الشاطبي لمبرّرات ذكرها بعد أن ناقش كلا من الإمامين ابن القيم والقرافي في مسلكه.

ثم الفصل الثالث: عقده المؤلّف للتفريق بين قاعدة سدّ الذرائع، وقاعدة ما لا يتم الواجب إلاّ به، فهو واجب، وذكر فيه النسبة بين هاتين القاعدتين والمجال الذي تعمل فيه كل منهما.

والفصل الرابع: وضمّنه موضوعاً ذا مساس بالذرائع وسدِّها، وهو موضوع الاحتياط؛ متى يكون من سدِّ الذرائع ويُحمد، ومتى يكون بدعة وَوِسْواسًا فيُذم.

وقد ذكر في هذا الفصل شُبه الموسوسين وفندها الواحدة تلو الأخرى، وبيّن أنّ وسواسهم هذا مرفوض؛ وإن سمّوه احتياطاً؛ ولهذا تعرّض إلى بحث موجز عن السنّة والبدعة والفرق بينهما.

ثم الفصل الخامس: استعرض فيه معنى الحيلة في اللغة والاصطلاح، ونطاق الحيلة، والمعنى الذي يعنيه الفقهاء من لفظ الحيلة، وقد أوضح في هذا المبحث أن من الحيل ما هو طاعة وقربة، ومنها ما هو مباح، ومنها ما هو محرم.

الفصل السادس: وتحدث فيه عن أقسام الحيل من حيث الإباحة والتحريم، وكون الحيلة قربة وطاعة أو معصية وإثماً، كما تناول بالتفصيل المعاريض ومعناها، والفرق بينها وبين الحيل، ومتى يُحمد كل منهما ومتى يُذم.

أما الفصل السابع: فقارن فيه بين الذريعة والحيلة، وبين سدّ الذرائع وإبطال الحيل.

لينتقل بعد ذلك إلى الباب الثاني وقد اشتمل على ثلاثة فصول:

الفصل الأول: وضمّ الحديث عن أقسام الذرائع وحكم كل قسم، وبيان المتفق عليه وأدلته والمختلف فيه بعد تحرير محل النزاع؛ فذكر آراء الإمام الشافعي وابن حزم من جهة، والجمهور من جهة أخرى؛ مع بيان أدلة كل فريق ومناقشتها، الراجح في هذا ووجه الترجيح.

وقد أسهب في بحث هذا الموضوع وتجليته، وخرج بنتيجة مفادها: (أنّ الأئمة متفقون على القول بسدّ الذرائع في الجملة؛ إلاّ أنّ منهم المقل ومنهم المكثر)؛ كما بيّن أنّ الراجح ما ذهب إليه الجمهور، وعلى رأسهم إمام دار لهجرة مالكُ بنُ أنسٍ رحمه الله: من أنّ الذرائع إذا غلب إفضاؤها إلى مفسدة أو أكثر؛ فإنه يتعيّن سدُّها وحسمها.

ثم الفصل الثاني: وقد خصصه لبيان أقسام الحيل، وحكم كل قسم مبيناً المتفق عليه والمختلف فيه بعد تحرير محل النزاع؛ ومفصلاً القول في تحقيق مذهب أبي حنيفة في الحيل، وقد تناول المؤلف هذا المبحث من خلال المحاور التالية:-

1- هل صحيح أن لأبي حنيفة كتاباً في الحيل؟

2- وهل تصح نسبة الكتاب الموسوم بـ(المخارج في الحيل) لمحمد بن الحسن الصاحب الثاني لأبي حنيفة؟

3- وإذا كانت النسبة صحيحة فما نوع تلك الحيل الواردة في الكتاب المذكور، وهل هي من الحيل الممنوعة؟

4- وهل يختلف الحنفية وبخاصة متقدموهم عن غيرهم من الفقهاء في تقسيم الحيل إلى مشروعة ومحظورة؟

5- وهل تجويز الحنفية لنكاح المحلِّل بالشروط التي ذكروها يُلزمهم القول بالحيل المحرمة؟

وفي الأخير توصل المؤلف إلى أنّ أئمة المذهب الحنفي لم يتعمدوا القول بجواز الحيل المحظورة، وأنهم لم يختلفوا عن غيرهم من فقهاء الأمة في منع الحيل المحرمة، وإنما الذي اشتهروا به هو التوسع في باقي الحيل المباحة؛ قائلاً:- (لا شك أنّ التوسع في الشيء قد يحدث بعض الأخطاء ويسبب بعض العثرات، ولكن هذا لا يعني بالضرورة انفرادهم بذلك، أو أنهم تمادوا حتى زلت قدم بعد ثبوتها).

كما بيّن المؤلف أنّ من أسباب اشتهار الحنفية بالقول بالحيل المحظورة؛ هو أنّ بعض المنتسبين للمذهب - قد يكونون أدعياء عليه - قد قالوا أو أفتوا بجواز أنواع من الحيل ونسبوها إلى المذهب الحنفي تغريراً وتزويراً؛ وذلك لتقبل وتستساغ، وهذا لا يلزم منه تجويز الأحناف لهذه الحيل.

أما الفصل الثالث: فتضمّن بعض الأحكام المتعلّقة بالذرائع والحيل، وقد اشتمل على خمسة مطالب:

المطلب الأول: أنّ الذريعة كما يجب سدُّها يجب فتحها.

المطلب الثاني: أنّ الوسيلة إلى المحرّم قد تكون غير محرّمة، ولكن المحرّم لا يكون وسيلة إلى مباح.

المطلب الثالث: أنّ المقصد إذا سقط اعتباره سقط اعتبار وسيلته.

المطلب الرابع: وقد ضمّنه المؤلف ما قيل منسوباً للإمام مالك من أنّ بعض المندوبات تترك خوفاً من فهم الوجوب من فعلها.

مبيناً أنّ هذا الرأي مرجوح، وأنّ ترك بعض المندوبات خوفاً من فهم العامة وجوبها هو تخلٍّ عن سنّة ورد النص بها، وعدول عن سنّة ندب الشارع إليها إلى اجتهاد مجرّد، لهذا رأى المؤلف أن يُطرح ويُلغى لأنه لا اجتهاد في موضع النص.

المطلب الخامس: ذكر فيه أنه لا يجوز التمادي والمبالغة بالقول بسدِّ الذرائع من غير ما دليل ولا مستند.

وبيّن أنّ على المجتهد ألاّ يقول بسدِّ ذريعة إلاّ بعدما يتأكد لديه أنها تفضي إلى شر محقق أو كثير الوقوع.

أما الباب الثالث فذكر فيه بعض التطبيقات العملية لسد الذرائع وإبطال الحيل.

ويشتمل على أحكام تقوم على هاتين القاعدتين، ومن ذلك: حماية الشريعة لحمى التوحيد، وحسم كافة الوسائل الموصلة إلى الشرك وإفساد العقيدة، وقطع الوسائل المؤدية إلى استباحة الدماء والأموال والأعراض والعقول، ومن ذلك: قطع وسائل الزنا كالتبرج والغناء والصور الخليعة.

أيضا قطع وسائل الربا: وبيان بيوع الآجال، وبعض صور العينة وآراء العلماء في العينة المشهورة تحليلا أو تحريماً، وبيان دليل كل فريق بعد مناقشة الأدلة والراجح من أقوالهم، مع تحقيق حديث أبي إسحاق السبيعي وامرأته العالية.

كما تعرّض إلى مسألة التورُّق وما جرى فيها من خلاف والرأي المختار فيها، وقد انتهى إلى أنّ الراجح في بيع العينة هو التحريم، مبيناً أنّ تحريم بيع العينة هو المتفق مع مرامي الشريعة وأهدافها، وهو اللائق بها والمتمشي مع غاياتها النبيلة التي تستأصل الشر من جذوره وتقطع دابر الفساد قبل استشرائه.

- التسعير: وقد ذكر متى يمتنع ويكون جوراً وظلماً، ومتى يشرع ويكون من سدِّ الذرائع، وبيّن آراء العلماء حياله، مرجحاً الرأي القائل بالتفصيل: من أنّ التسعير لا يجوز إذا باع التجار وأهل السوق بأسعار معتدلة لا نَهَمَ فيها ولا جشع.

أما حين يتلاعب الناس بالأسعار وتشيع الفوضى في أسواق المسلمين ويحدث الاضطراب بالأثمان، فإنّ التسعير حينئذ يكونُ مطلوباً.

ويتعيّن على الحاكم والحالة هذه، أن يضع سعراً لكل سلعة حصل فيها رفعُ السعر أكثر من المعتاد، والحاكم بتسعيره هذا يجد من الشريعة ركناً يأوي إليه وسنداً يعتمد عليه، ومن ذلك قاعدة سدِّ الذرائع التي تضافرت الأدلة على اعتبارها والعمل بها.

- احتكار ما يحتاج إليه الناس: وقد ذكر في هذا الموضع خلاف العلماء فيما يحرم فيه الاحتكار وأدلتهم في ذلك، وقد رجح أنّ الاحتكار محرّم في كل ما تدعو إليه حاجة الناس، كما أوضح أنّ تحريم الاحتكار هو من باب سدِّ الذرائع الذي جاءت الشريعة به لتخليص المجتمع المسلم من أوضار الجشع.

أيضاً تناول الباحث عزل المصابين والموبوئين بعاهات معدية، وانتهى إلى أنّ الشارع الحكيم منع مخالطة هؤلاء عن الأصحاء من النساء والأطفال وغيرهم، سدّاً لذريعة سريان هذا المرض المعدي إلى أولئك لئلا تعم البلوى وينتشر الوباء ويصاب المسلمون وذراريهم بأبدانهم، مما يهدد بانقراضهم أو تشويههم أو إضعافهم.

مبيناً أننا بعزلنا هؤلاء الموبوئين إنما نأخذ بالأسباب ونعتمد على الله، ونفر من قدر الله إلى قدر الله.

كما تعرّض إلى مسائل جاءت الشريعة بها سداً للذرائع ومن ذلك:

دفع الحاجات للمضطر، وقتل بعض معصومي الدماء إذا تترس بهم الكفار، وبيع السلاح أيام الفتن، وبيع العنب للخمّار، وكذا كل بيع أعان على معصية.

وكذلك ذكر استناد القاضي إلى علمه، وقد رجح في هذه المسألة قول من يمنع القاضي من أن يقضي بعلمه، قائلاً: (سبب اختياري لهذا هو الخوف من القاضي أو الخوف عليه؛ الخوف من قضاة السوء من أن يستغلوا ما وُلُّوا بالحيف والجور، أو الخوف على قضاة العدل من أن تلوك أعراضهم ألسنة قالةِِ السوء ومحبي التشكيك في عدالتهم وعدالة الشريعة التي بها يحكمون).

وأورد نماذج من الحيل والمعاريض الجائزة، ونماذج من الحيل المحرّمة، وحيل اليهود التي لُعنوا وعُذبوا بسببها.

وبيّن الباحث أنه لولا اعتبار سدِّ الذرائع لكان المجتهد في حيرة من أمرها، وتردّد في معرفة حكمها؛ لأنّ ظاهرها الإباحة وباطنها وما تؤدي إليه مفسدة قد تؤدي بالأمة إلى مواطن الهلاك ومهاوى الردى، مضيفاً: (إنّ الحاكم الصالح ذا العلم الواسع بأسرار الشريعة ومقاصدها والبصيرة النافذة والرأي السديد والعقل الراجح: ليجد من سدِّ الذرائع بعض ما يصلح الأمة ويقوّم به ما أعوجّ من سلوكها؛ ويأخذ بها نحو الجادة المستقيمة، ويحملها على السير في اتجاه سليم محمود العواقب.

إنّ الحاكم الصالح إذا رأى شيئاً من المباحات قد اتخذه الناس وسيلة إلى مفسدة، أو أنه بسبب فساد الزمان أصبح يفضي إلى مفسدة أرجح مما قد يفضي إليه من المصلحة؛ فإنّ له منع هذا المباح وحظره على الناس، وهو بعمله هذا إنما يحكم بشرع الله، ويعمل بقاعدة من قواعد شريعته، ويسير إلى هدف من أسمى أهدافها).

وحول الحيل أيضاً يقول الباحث: إنّ تحريم الحيل يجعل من المرء رقيباً على نفسه، فلا يحتال ولا يخادع ولا يتهرّب ولا يراوغ؛ لأنّ الذي أوجب الواجب عليه وحرّم المحرّمات، هو المطلع على السرائر والرقيب على مكنونات الصدور ومغيبات الأمور الذي يعلم السر وأخفى.

فإذا ما اجتُنبت الحيل وقُطع دابر وسائل الشر وسُدّت ذرائع الفساد؛ فإنّ أحكام الشريعة الخالدة ستبقى كما هي وكما أرادها الله منّة على العباد ورحمة بالأمة، وستظل هذه الشريعة مصدر إشعاع، ومنار هداية، ومبعث خير تهدي الحائرين وترشد التائهين، وتنير السبيل للسالكين، ما بقي في الوجود قلب ينبض وعين تطرف، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها.

 

رجوع

طباعةحفظ 

 
 
 
للاتصال بناجريدتيالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة