ارسل ملاحظاتك حول موقعنا

Sunday 08/01/2012/2012 Issue 14346

 14346 الأحد 14 صفر 1433 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

أن يصدر وسط هذا الخضم من الأخبار والأحداث والصراعات.. بقليلها الذي يُفرح، وكثيرها الذي يشتت العقل، ويؤرق الوجدان، ويعتصر القلب حزناً على ما قد كان.. كتاب - عن دار نشر عربية معتبرة - من مائتي صفحة فارغة بيضاء ليس به سوى «عنوان» على ظهر غلافه الأول: (كيف تكسب المال بأقل مجهود)؟.. و»رجاء»

على ظهر غلافه الأخير: بـ(أن تكون الفكرة وصلت بوضوح)..! فإنه أمر جلل دون شك، لا يجرؤ عليه.. إلا قلة من أبرز كتاب الظرف والسخرية من أمثال (شو) غربياً و(الجاحظ) عربياً.. في سالف العصر والأوان، أو الفاغومي المصري المعاصر (أحمد فؤاد نجم) أو الساخر الراحل العظيم (محمود السعدني)، أو الساخران (الجيزانيان) علي العمير ومحمد عبدالواحد.. أو الطائفي الضاحك اللاذع ثامر الميمان، أما أن يفاجئنا إعلامينا الشاب الظريف (تركي الدخيل).. بهذا الكتاب (الأبيض) أو (الصامت) فإن ذلك يعني أنه كان بحق الحصان الأسود في (مضمار) الظرف والسخرية، الذي تجاوز - أو حازى.. على الأقل - بظرفه وسخرياته (التي بدأها بعنوان عموده الصحفي الجميل والمتميز «قال.. غفر الله له».. فإن انتهيت من قراءته تمنيت أن يغفر الله له، وألا يغفر لمن كان يتحدث عنه) كل من سبقوه من الظرفاء الساخرين الكبار.. من لقمان يونس إلى أمين رويحي ومن بعدهما ممن ذكرت، وأن عالم الكتابة والفكر بهذا الكتاب (الصامت) والفارغ الصفحات.. بألف خير وخير، رغم اعتراض المعترضين عليه أو من اتهموا كاتبه بـ»تغرير» القراء والاستيلاء على أموالهم بـ(الباطل) دون وجه حق، لأنهم دفعوا - من أموالهم - لـ»يقرأوا» كتاباً.. لا ليتأملوا صفحات فارغة بيضاء!! دون أن يتذكر هؤلاء وأولئك بطبيعة اختياراتهم المعصوبة الفكر والعينين.. ما عُرف بـ»المسكوت عنه» من الكلام غير المباح وهو كثير: جليل بعضه.. وخطير أكثره، وهو ما باعه لهم - فيما أحسب - زميلنا الساخر الشاب تركي الدخيل، تماماً.. كما باع من قبل البروفيسور «شريدان سيمون» بـ»ذكاء» عنوان كتابه الصامت: (الأمور التي تشغل تفكير كل رجل).. آلاف آلاف النسخ منه، إلى درجة أن أصبح معه أكثر الكتب مبيعاً في بريطانيا والولايات المتحدة في عام صدوره.. رغم أن تلك (الأمور) معروفة ومسكوت عنها عند كل الرجال وزوجاتهم (!!) ولكن الإشارة إليها في عنوان الكتاب.. كان كافياً لإثارة الكثير من الضحكات والغمزات، والقليل من البهجة، والكثير من الامتعاض بين الأزواج والزوجات..!!

* * *

لقد فتح لي صدور هذا الكتاب للزميل العزيز الشاب (تركي الدخيل) الذي أراه في لندن وباريس.. بأكثر مما أراه في الرياض وجدة، والذي مازلت أتهرب من استضافته لي في برنامجه التلفزيوني الأسبوعي الشائق (إضاءات) على قناة العربية.. أبواب تذكري على اتساعها حول المقالات والقصص والمسرحيات و(النُكات) الصامتة أو البيضاء، والتي كان أولها وأجملها.. ما رواه لي الأستاذ الصديق (أحمد محمود) رئيس تحرير جريدة المدينة السابق، عندما قدم إلى مكتبه ذات صباح كاتب مسرحي - كما أخبره مدير مكتبه - يسعى إلى نشر أحد أعماله المسرحية.. فرحب به الأستاذ محمود، ودعاه إلى الجلوس.. لكنه رأى باعتبار أن الشأن الذي سيحدثه فيه هو شأن ثقافي أدبي، أن يدعو على عجل رئيس القسم الثقافي بالجريدة.. وقد كان آنذاك المرحوم الأستاذ جلال أبو زيد، ليشاركهما.. اللقاء والتعرف على هذا الكاتب المسرحي الجديد، في وقت كان العثور فيه على كاتب مسرحي.. أندر من العثور على غراب أبيض..!!

بعد لحظات التعارف بين الأطراف.. أخذ الأستاذ أبو زيد يتدفق في التعبير عن إعجابه وسعادته بـ»وجود» كاتب مسرحي، استطاع أن يتجاوز إحباطات غياب المسرح عن حياتنا.. بل ويكتب (نصاً مسرحياً) يسعى به إلى الجريدة لـ»نشره» على أمل أن يأتي اليوم الذي يتم تقديمه فيه على خشبة المسرح، ليتدخل الأستاذ محمود.. طالباً من كاتب المسرحية إطلاعه على نصها، وقد أخذت تدور في رأسه عشرات الأسئلة عن «المسرحية» وموضوعها وإمكانية نشرها من عدمه، وكاتب المسرحية.. يسلمه ملفاً متوسط الحجم يحتوي على فصولها الثلاث، فأخذ الأستاذ محمود يقلب صفحات الملف متلهفاً لتفاجئه كلمة (الفصل الأول).. ولكن دون أن تتبعها كلمة واحدة لا على تلك الصفحة ولا على غيرها.. إلى أن وصل إلى صفحة (الفصل الثاني)، ليتكرر معه ما حدث عند تقليبه لصفحات الفصل الأول، ثم ليتكرر ذلك مع صفحات (الفصل الثالث).. حيث وضع الأستاذ محمود الملف جانباً.. وهو يسأل بشيء من الحنق والسخرية: وأين المسرحية.. يا أستاذ؟ أين المشاهد.. وأين الحوار؟

ليقول كاتب المسرحية: لا يوجد شيء من ذلك يا أستاذ..!!

- كيف تكون مسرحية بدون حوار وكلمات..؟

ليجيب كاتبها قائلاً: لأنها مسرحية.. «صامتة»!!

لينفجر ثلاثتهم ضحكاً، ويعتبر الأستاذان محمود وأبو زيد.. أن ما حدث، ليس بأكثر من طرفة من طرائف حياتهما في الصحافة!.؟

لكن الأحد والأمتع وربما الأجمل دون شك في سياق الكتابات البيضاء بصفحاتها الفارغة.. هو في تلك (النكتة) التي أطلقها الساخر المصري الأشهر الأستاذ محمود السعدني.. يرحمه الله مساء استضافته في صالون الأستاذ إحسان عبدالقدوس.. عندما قال: إن المخبرين ألقوا القبض على رجل يقوم بتوزيع منشورات في الشوارع.. حيث اقتادوه إلى أحد مراكز الشرطة، فسأله مأمور المركز عن ماهية هذه الأوراق التي يقوم بتوزيعها بين الناس..؟

فرد قائلاً: (منشورات.. يا بيه)..!!

قال المأمور: وتعترف بأنها منشورات..؟!

فقال: نعم، ليأمر بحجزه في المركز حتى تتم إحالته إلى «النيابة» في اليوم التالي، وعندما وصل إلى سراي النيابة.. مخفوراً، سأله وكيل النيابة بعد أن اطلع على مذكرة «المركز»: هل تعرضت إلى أي تعذيب - حتى تعترف بـ(اعتراف) خطير كهذا، بأنك كنت توزع منشورات في الشوارع وبين الناس..؟

قال: لا.. لم أتعرض لأي قدر من التعذيب.

فسأله وكيل النيابة: إذن.. كنت توزع منشورات، وتعترف بذلك..؟

قال: نعم.. وأعترف بذلك.

فدهش وكيل النيابة وهو يتميز غيظاً.. ليقول له: أرني المنشورات التي كنت توزعها، فقدم له كمية لا بأس بها من الأوراق.. أخذ يطالعها وكيل النيابة، ليفاجأ بأنها صفحات بيضاء لا توجد بها كلمة واحدة.. فسأله: ولكن هذه أوراق بيضاء فارغة.. لا كلمة فيها..؟

فقال: نعم.. يا بيه (أكتب إيه واللا إيه)..!

لينفجر حضور (الصالون).. ضحكاً!!

* * *

على أن هذا الاسترجاع الضاحك لتلك الصفحات البيضاء الفارغة.. لا ينفي أهميتها وقيمتها الفعلية، فهي.. كـ «الصمت» بين المتحاورين والمتجادلين في أي شيء من شؤون الحياة.. وباتساعها، الذي يمثل (رأياً ثالثاً).. ربما يقع - على وجه التقريب عند البعض أو التأكيد عند بعضهم الآخر - في وسط المسافة بين التأييد والمعارضة، إلا أنه يمثل أيضاً بوابة من بوابات النجاة لـ»دهاة» الكُتَّاب وأذكيائهم.. ممن اعتمدوا حكمة ذلك الحكيم القائلة: (لا ينسب إلى ساكت.. قول)..!! وهو ما كانه زميلنا الشاب العزيز (تركي الدخيل) عند إصداره هذا الكتاب الصامت الفارغ.. الذي أحسن اختيار عنوانه وموضوعه عن (المال) وكسبه بـ(أقل مجهود).. بعيداً عن أي «محاسبة» محتملة أو أي «مؤاخذة» متوقعة لو أنه اختار «عنواناً» و»موضوعاً» آخر لـ»الكتاب»، على أنني - وفي كل الأحوال - أحمد الله لزميلنا الشاب تركي الدخيل.. مع استقبالي لكتابه الجديد بأن غيب الموت منذ سنين طويلة كاتبنا المبدع والفنان الأستاذ عزيز ضياء، الذي أقام محكمة أدبية (في قالب مسرحي) نشرت على صفحة كاملة من صحيفة البلاد في حينه.. لمحاكمة (العواد) وكتابه خواطر مصرحة.. لـ»معرفة» ما بداخل رأس (العواد) عند كتابته لذلك الكتاب المطبوع لأكثر من طبعة، فكان أن أصدر قاضيها حكمه النهائي بـ»كسر» جمجمة العواد لمعرفة ما بداخلها، فماذا كان سيفعل قاضيه لو أنه اطلع على كتاب (الدخيل) الفارغ الصفحات وأبيضها.. وبماذا كان سيحكم عليه قياساً على حكمه السابق بـ»كسر جمجمة» العواد؟!

* * *

ليبقى - بعد هذا وقبله - لإعلامينا الساخر الضاحك والجميل (تركي الدخيل).. جرأته أو سخريته، في استحضاره لـ»فكرة» تعبئة الصفحات الفارغة البيضاء.. ثانية أو ثالثة، وإصدارها في كتاب لا يحمل إلا «عنواناً» على غلافه الأول، و»رجاءً» على غلافه الأخير.. بـ(أن تكون الفكرة قد وصلت)..!

وإذا كنت لا أعرف كثيراً أو قليلاً عن حجم مبيعات إصداره هذا الأبيض والفارغ الصفحات (كيف تكسب المال بأقل المجهود).. إلا أنني أتوقع نجاحاً ساحقاً له، وسأغبطه حتماً .. عندما تتزاحم عليه دور النشر وهي تسعى للفوز بـ»إصدار» كتابه الثاني..!! نظراً لحاجة الناس عموماً، وليس المثقفون وحدهم.. لهذا النوع من الكتب الصامتة الشجاعة والجريئة والمفتقدة!!وفي كل الأحوال.. يتوجب عليَّ أن أرفع عقالي أو قبعتي لأخي (تركي الدخيل)، فقد أهدى عامنا الذي ودعناه (2011) طرفة ثقافية مدوية، ذات مغزى بارع موح ترقى معه لأن تكون( طرفة العام) الثقافية بلا جدال..!!

dar.almarsaa@hotmail.com
 

«الصمت».. عندما يصدر في كتاب..؟
د.عبدالله مناع

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة