ارسل ملاحظاتك حول موقعنا

Thursday 12/01/2012/2012 Issue 14350

 14350 الخميس 18 صفر 1433 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

بعد أن تبلورت فكرة المقال في ذهني.. وكتبت العنوان الذي اخترته ليكون البوابة لما سأسطر في هذه الزاوية اليوم.. وبعد أن أخذت وضعي المعتاد حين الكتابة، وعقدت العزم على الشروع في النص، عنّ في خاطري وأن أترنم بهذا العجز من بيت أبي فراس الحمداني الذي يقول:

ومن مذهبي حبُّ الديار لأهلها

وللناس فيما يعشقون مذاهب

أو قول الحارث بن حلزة:

فعُلِّقْتها شمطاءَ شاب وليدها

وللناس فيما يعشقون مذاهب

أقول.. عنّ لي وأن استدر الأفكار، سؤال قديم يتجدد.. ترى ما هو العشق وما الفرق بينه وبين الحب والهيام والهوى والولع والوجد والشغف والغرام، والصبابة والوله و...؟، أغراني السؤال في العودة إلى مكتبتي بعد انقطاع طويل، وساقني تقليب الصفحات إلى كم هائل من النصوص والحكايات، تعجبت أن في تراثنا العشقي 104 اسم للعشق، واستوقفتني تلك الأمراض الجسدية التي يسببها هذا الداء القلبي الفتاك، كا استسقاء البطن، والسل الذي يحيل إليه اسم « الجوى».. يقول محمد بن جعفر بن الزبير، سمعت رجلاً من بني عذرة عند عروة بن الزبير يحدثه، فقال عروة: يا هذا بحق أقول لكم إنكم أرق الناس قلوباً، فقال الرجل: نعم، والله لقد تركت بالحي ثلاثين قد خامرهم السل وما بهم داء إلا الحب).

وأعجبني بصدق تفريق الكتاب في هذا الباب بين أهل التمام من العشاق وأهل التقصير، إذ تتحول مظاهر التغير كما يذكر ابن داود إلى شواهد حية على المحبة، حتى تصير قيماً منشودة بها يتميز العاشق الحقيقي عمّن يدعي العشق وهو ليس من أهله، ومن هذه الأحوال التي تحولت إلى قيم يفاخر بها الشعراء العاشقون - كما ذكر أحد الباحثين -:

البكاء، حتى صار بكاء الرجل العاشق أمرا محمودا وصفة اعتزاز وافتخار مع أنه في الأصل سبب لانتقاص الرجولة عند العرب كما هو معلوم، ومن العشاق من اعتبر شدة الوجود سبب لاحتباس العين من البكاء، ولذا لا يعتبر البكاء في قاموسهم قيمة عليا من قيم العشق بل ربما كان هذا العاشق في أول خطوة من خطوات طريق الحب الطويل الذي ينتقل فيه من مرحلة إلى أخرى، ويستشهدون هنا بقول الشاعر الخبير.

فلا حب حتى يلصق العظم بالحشا

ولا وجد حتى لا يكون بكاء

نحول الجسم..

يقول أبو الطيب صاحب الظرف والظرفاء في باب «الحث على كتمان السر»: (... فأما أهل الدعاوى الباطلة الذين ليست لهم أجساد بناحلة، ولا ألوانهم بحائلة، ولا عقولهم بذاهلة، فهم عند ذوي الفراسة يكذبون، وعند ذوي الظرف لصحتهم يوبخون..)، ونقل عن العباس بن الأحنف قوله (بينما أنا أطوف بالبيت، إذ بثلاث جوار أتراب، فلما أبصرنني قلن: هذا العباس، ودنت إلي أحداهن فقالت يا عباس، أنت القائل:

ماذا لقيت من الهوى وعذابه

طلعت علي بلية من بابه

قلت: نعم، فردت: كذبت يا ابن الفاعلة، لو كنت كذلك كنت كأنا، ثم كشفت عن أشاجع مٌعراة من اللحم، وأنشأت تقول:

ولما شكوت الحب قالت كذبتنِي

فمالي أرى الأعضاء منك كواسيا

فلا حب حتى يلتصق الجلد بالحشا

وتخرس حتى لا تجيب المناديا

عدم البوح بسر العشق الذي صار ناراً تتلظى تجنباً لإفراغ طاقته النارية؛ إذ إن البوح إفراغ وهذا ينقص من قيمة الوجد التي تقود إلى الجنون وتحرق الجسد وقد تؤدي للهلكة إن هي طالت.

الموت، فالموت عشقاً صار قيمة عليا في التراث العربي، والحديث عن هذه القيمة يطول، ولذا أتركه لمقال الأسبوع القادم، على أن أعود لمقالي الذي تولد منه هذا الحديث العرضي الماتع بعد ذلك بإذن الله، وإلى لقاء والسلام.

 

الحبر الأخضر
«وللناس فيما يعشقون مذاهب» (1 - 3)
د.عثمان بن صالح العامر

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة