ارسل ملاحظاتك حول موقعنا

Thursday 12/01/2012/2012 Issue 14350

 14350 الخميس 18 صفر 1433 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

قال أبو عبدالرحمن: مَلَلْتُ من البحوث المطوَّلة في موضوع واحد، ولن أنصرف عن ذلك إن شاء الله تعالى، ولكن أحببتُ أن أريح نفسي ونفس القارئ بابتسامات علمية وفكرية وجمالية متنوعة أجعلها استراحةً خلال البحوث المطوَّلة؛ فتارة استمرارٌ مع دواوين الدكتور خوجة، ثم استراحة مع الابتسامات، ثم إنهاءٌ للفواصل، ثم استراحة مع الابتسامات، ثم بحث مُطوَّل، وهكذا، وجعلت الخانة اليسرى صفراً هكذا (1-0)؛ لأنني لا أعلم أمد انتهاء هذه الابتسامات.

ذو الحس الجمالي يطرب لبواعث الجمال أين كانت، وفي الشعر خاصة قد يتصارع في نفس المتذوِّق الإعجابُ إحساساً بالجمال وانقباضٌ بسبب حسٍّ أخلاقي (ولاسيما الشعر الذي يخدش كرامة الإنسانية كقصيدة (موميات) لإيليَّا أبو ماضي)؛ فأنت بالحس الإنساني ترحم الموميات، وتنقبض من الإسراف في تقبيحهنَّ.. ومع هذا تطرب للجمال الذي لا يرحم، وهناك حسٌّ ديني وتجريبي؛ فهاته العجائز لا ذنب لهن في حدوث الشيخوخة، والتقبيح متعلِّق بخلقة الله لهن، وكل من طال عمره من ذكر أو أنثى سيشيخ؛ فيكون مثلهن.. وقصيدة إيليَّا أبو ماضي جميلة، وهي من جمال القبح الذي لا يرحم بدافع الحس الديني والإنساني، وهن عجائز ضعيفات لقيهن في فندق كبير؛ فقال:

راحت تقعقعُ حولي

فكادَ عقلي يطيرُ

ولاذَ قلبي بصدري

كأنَّهُ عصفورُ

لاحتْ له في الأعالي

بواشقٌ وصقورُ

ثم قال:

ورحتُ أسألُ ربي

وهو اللطيفُ الخبيرُ

أين الحسانُ الصبايا

إنْ كان هذا النشورُ؟

ليتَ الحضورَ غيابٌ

والغائبينَ حضورُ

بل ليتَ كلَّ نسيجٍ

براقعٌ وستورُ

فقد أضرَّ وآذى

عينيَّ هذا السفورُ

ثم قال:

كأنما الفمُ منها

مقطَّبٌ مزرورُ

كيسٌ على غير شيء

من الحِلي مصرورُ

كأنما هو جرحٌ

مرَّت عليه شهورُ

يا طالبَ الشهد أقْصِرْ

لم يبقَ إلا القفيرُ

كأنما الوجهُ منها

قد عضَّهُ الزمهريرُ

كالبدر حين تراه

يُعينك الناظورُ

تبدو لعينيك فيه

برازخٌ وبحـورُ

وأنجُدٌ ووهادٌ

لكنه مهجورُ

مثل المِسنِّ ولكن

لا ماء فيه يمورُ

ما للبعوضة فيه

قوتٌ بل التضويرُ

ولا يؤثِّر فيه

نابٌ ولا أُظفورُ

ولليدين ارتعاش

وللعظام صريرُ

أما العيون فغارت

ولا تزالُ تغورُ

مغاورٌ بل صحارى

بل أكهفٌ بل قبورُ

والخصر عفواً وصفحاً

كانت لهنَّ خصـورُ

هنَّ السَّعالي ولكن

سُعالهنَّ كثيرُ

حديثهنَّ انتفاضٌ

وضحكهنَّ هريرُ

ومشيهنَّ ارتباكٌ

وتارةً تقديرُ

يغضبنَ إن مال ظلٌّ

وإن شدا شُحرورُ

وإن تهادت غصونٌ

وإن تسارَى عبيرُ

وإن تمايل عشبٌ

وإن تماوج نورُ

فكلُّ شيء قبيحٌ

وكل شيء حقيرُ

وكيف يفرح قلبٌ

رجاؤه مدحورُ

ما للرمادِ لهيبٌ

ما للجليد خريرُ

من حولهنَّ الأقاحي

والورد والمنثور

وهنَّ مكتئباتٌ

كأنهنَّ صخورُ

لا يبتسمن لشيء

أما لهنَّ ثغورُ

بلى لهنَّ ثغور

وإنما لا شعور

كأنما الحسنُ في الأرض

(م) كلُّه تزويرُ (1)

قال أبو عبدالرحمن: من عناصر الجمال ههنا الإلحاح على جزئيات اللوحة التصويرية؛ فلم يترك شاردة ولا واردة مع دِقَّة التصوير في جزئيات اللوحة، وَبُعْدِ مَطْلَبِها على الذهن إلا من شاعر لمَّاح، ومطاوعة القافية من غير تنقير.. ومن يُغنِّي بشعره وهو واسع الثقافة وتفكيره وتخيُّله خصيبان فإن القوافي تنقاد له؛ وإنما يَدِبُّ الملل في جماليات القصيدة عندما تتكرر الصور بألفاظ أخرى من غير دافع يقتضي ذلك؛ فعلى سبيل المثال أبدع الشاعر آخرَ القصيدة في دقة وصفه غَيْرة العجائز (ومَن سَرَّه بنوه ساءته نفسُه)، ثم أعاد جزئيات اللوحة منذ قوله: (من حولهن الأقاحي)، وما مضى أجمل مما أعاده.

قال أبو عبدالرحمن: العامي في نجد ابن الفطرة والحسِّ الإنساني، ولكن الشعر العامي أسرف في هجاء العجائز بغريزة الحب للماضي الأنيق؛ فكان أكثرهم يطرب لسماع هذا الشعر، بل كان بعضهم منذ خمسين عاماً يتحرَّى برنامج البادية من إذاعة الكويت ليسمع غناء عبدالله فضالة في هجاء العجائز، وقد شبَّه إحداهن بحمار يموح بذيله، وجعلهن رُسَل إبليس.. ومآل أمهاتنا وأخواتنا وبناتنا وعماتنا وخالاتنا إلى الشيخوخة إن طالت أعمارهن؛ فَلْنَحدَّ من الجمال الفني الذي أصفه بجمال القبح الخلقي، ولنكرِّم دورهن في الحياة، والله يرحم ويحب صغيراً وَقَّر كبيراً، وكبيراً رحم صغيراً.

***

التمسك بالمعهود الشرعي - من فروع استصحاب الحال - ركن ركين يجب التمسك به حتى يقوم الدليل على خلافه، وهو من الردِّ إلى الله ورسوله عند التنازع.. والأصل في أوامر الشرع ونواهيه أن تُحْمَلَ على العموم والفور حتى يأتي ما يقتضي غير ذلك، وأكتفي ههنا بالتمسك بعموم الدليل، وأن تطالب من يخصَّ شيئاً من العموم بالبرهان، وتلزمه ببرهان العموم.. وأُمَثِّل لذلك بالعادة السِّرِّية التي يسمونها الخَضْخَضة، وجَلْدَ عميرة، والتجليخ بالمعجمتين، والحلج بالحاء المهملة والجيم؛ فقد أباحها الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى وطالب مُحرِّمها بالدليل، وذكر ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى الخلاف في ذلك في بدائع الفوائد حتى أنه ذكر خلافاً في فعلها بالبطِّيخة!!.. وانتصر لذلك الإمام الشوكاني في رسالته بلوغ المنى في حكم الاستمناء بالمجلد السابع من الفتح الرباني رحمهم الله جميعاً.

قال أبو عبدالرحمن: صح بالبرهاني القطعي من القرآن الكريم حِفْظُ الفروج إلا عن الأزواج وملك اليمين؛ فصح بهذا أن الفروج تُحفظ ولا تُستعمل إلا فيما أباحه الله من الأزواج وملك اليمين؛ فمن نكح يده فقد استعمل فرجه نكاحاً في غير ما أباحه الله؛ فلنبق على هذا الأصل، ونطلب مِـمَّن أباح العادة السرية البرهان على ذلك، ونمنعه من مطالبتنا بالبرهان على خصوصها؛ لأن عندنا برهان عموم لم يُخصِّصْه مُخصِّص، وليس عند القوم إلا اجتهاد فلان وفلان؛ فلا يُدْفع عموم القرآن باجتهاد فلان وفلان بلا نص شرعي.. وأما أن العادة السرية أخف من الزنى واللواط فذلك حق، وهما من الكبائر، وهذا لا يعني انتفاء حرمة العادة السرية، وليس كل مُـحرَّم يكون من الكبائر، وأما الضرورة فلا وجْه لها؛ لأن الشهوة تذهب بالتفكير والإنزال ضرورةً، وتذهب بالاحتلام، وتذهب بأسباب تحصين الفرج بالمباح، وتذهب بالدعاء بإلحاف طلباً للعصمة.. ومن بُلي بها فليعتقد أنه فعل مُـحرَّماً ولا يجوز له أن يستبيحها، كما أن اعتقاد الحرمة يمنع من الديمومة.. وليس من تمسَّك بالبرهان العام بحاجة إلى تعليلات طبِّية كالعُنَّة؛ بل يكفيه عموم النص الذي هو تنزيل من هو أعلم بما هو أصلح لعباده.. والرسول صلى الله عليه وسلم أوصى مَن لم يستطع الباءة بالصيام؛ فإنه له وِجاء، ولم يوصه بنكاح يده وتقذيرها، ولا بتقذير النعمة كنكاح بطيخة مشقوقة.. وأوصى بالتعفُّف، وبيَّن أن من يتعفَّف يُعِفُّه الله.. وأمرنا صلى الله عليه وسلم أن نَكْلَفَ من الأمر ما نطيق، وأما النهي فلم يَنْهنا ربنا سبحانه وتعالى عن شيء في تركه هلاكنا، ولن يموت مَن لم ينكح يده.. وأما إذا جاءت ضرورة من خارج قدرة الإنسان تضطره للمحرم فذلك هو الضرورة تُقدَّر بقدرها؛ فعند المجاعة إن اضطُّر إلى الميتة فلا يأكل إلا ما يَردُّ جوعتَه، ولا يحمل منها إلا للجائعين من رعيته ولا يدَّخر؛ فإن اضطر إلى ذبح أخيه المسلم وأكله فذلك محرَّم عليه، متعمِّد لقتل نفس بلا حق، متوعَّد أشد وعيد.. بل يجب عليه أن يرضى بقدر الله ويموت محتسباً؛ فإن صبر هو عن الميتة - وإن لم يُصَبِّر رعيته -، ومات محتسباً: فهو غير محسن بتركه الرخصة، وهكذا من أُجبر على الكفر وترْكِ تطبيقِ دين ربه فالخير له الصبر وأن يموت شهيداً؛ فإن لم يستطع فليكن قلبه مطمئناً بالإيمان.

***

الشعر مِن الفنون الجميلة بلا ريب، وقيمة الجمال وِجْدان في القلب يعني اللذة والسرور، وتُعرف دوافعه من مواصفات ما هو خارجي جلب هذا السرور فسميناه جميلاً.. واللذة الجمالية ذات خصِّيصة تجعلها أخص من عموم كل ما هو لذة وسرور؛ فالرزق المفاجئ على سبيل المثال يجلب سروراً غامراً، ولمعاينته لذة، ولكن سرور الجمال ولذته يأتيان من منظور أو مقروء أو مسموع، والمنفعة في كل ذلك ليست باعثاً للإحساس الجمالي بيقين، ولكنها قد تأتي نتيجة، وأقل النتائج الترويح عن النفس بعد تعب وملل؛ إذن المعيار الجمالي غير معيار الحق والخير؛ لأن الجمال علاقة بين بهجة النفس ومواصفات ما هو جميل من غير باعث عقلي أو خلقي.. إلا أنه يغلط مَن يظن أن الجمال منفصل عن قيمتي الحق والخير لعدد من الأمور:

أولها: أنك لا تحس بالجمال حتى تعقل لذته الباعثةَ الإحساسَ وإن لم يكن العقل في البداية باعثاً للإحساس بالجمال الطبيعي أو الفني؛ لأنك تحس بالجمال مفاجأة من غير تفكير.. ولكنَّ قيمتَيْ الحق والخير تتفاعلان بعد استقرارك على ما أحسسته من جمال؛ فتفهم الموضوع الذي أثار الجمال، وتُميِّز عناصره التي بعثت الجمال حقاً.. وتتعاون القيمتان مع شعور القلب في تحديد مستوى هذه اللذة الجمالية.

وثانيها: أن من يلتمس الجمال بمعاييره يلتمس الجمال الأرقى الذي تتناغم معه النخبة ذات المستوى المتفوِّق ثقافة وفكراً، ولا يلتمسه من إحساس العامي الناقص الثقافة؛ وإنما يُصطَفى من إحساس العامي الجمالي ما زكَّته التجربة البشرية؛ لأن ممارسة الحياة تجارِبُ من مصادر الثقافة، وهي من الدلائل على قُدرة فكرية.. ولا يُلتمس الجمال من مُـجَدِّف أو فاحش أو غير سويٍّ إذا قام البرهان على أن إحساسه الجمالي منبعث من هذه الأوشاب.

وثالثها: أن الجمال الأرقى من أجْل تكوين الشخصية الزكيَّة، وتنشيط الموهبة؛ إيماناً بأن القيم الثلاث لا ينفصل بعضها عن بعض؛ لأنها لبناء الإنسان بأن يكون قرير العين في نفسه، نافعاً البشرية مسلَّحاً بالإيمان، ومسلَّحاً بأقوى ما يقدر عليه جهده البشري في حياته: من تنويع المعرفة وعدم الزهد في تكثيرها.. وتعهُّد العقل في تفكيره وَفْق التجربة من الفرد ومن البشر حول كيفية تكوُّن إدراكه، وكيفية إدراكه نفسه، ومدى قدرته على الإدراك، ونوعية إدراكه أهو على الوجوب أو الامتناع أو الاحتمال وهل هو إدراكُ جزئيٍّ أو كلي؟.. ومن بناء الإنسان أن يتعهد إحساسه بمعارفه وتفكيره؛ وحينئذ يجد الجمال في حسِّ غير السوي إحساساً مؤلماً بالقبح، وستجد الإحساس بالجمال في حسٍّ قاصرِ الثقافة والتفكير إحساساً بالبرودة.. هذا عندما يكون إحساس أولئك بالجمال إحساساً بما هو قبيح أو بارد بسبب تلك الأوشاب، ولا يكون ذلك إلا في نماذج معَيَّنة؛ لأن أهل تلك الأوشاب لن يُحْرموا بفطرتهم وممارستهم من الإحساس بالجمال في الطبيعة، وإحساس الجمال في الفن، والمصادفات السعيدة في إبداعه.. ومن تكوين الفرد شخصيته بالمعايير التي أسلفتها تتَّسع وتبْعُد آماله وتطلُّعاته؛ فيُضَاعِفُ خطواته ليبلغ منتهى ما جعله الله للمخلوق من بلوغ درجات من الكمال، ولديه فكر يمتحن طموحه بالأرجح والأنفع، ومن الرجحان تقديم منفعة الآجل الغزيرة على منفعة العاجل المحدودة الزائلة.

***

ممَّا جعله الله لاجتهادنا في اختيار الدعاء في السجود - بعد اختيار الأدعية الصحيحة الجامعة -؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بالإكثار من الدعاء في السجود؛ فَقَمِنٌ أن يُستجاب لنا، فَتُقدِّم في دعائك في سجودك (بعد تسبيحك الرب جل جلاله وتمجيده) ما هو ألصق بهمِّك، وقد تنسى الدعاء المأثور وتدعو بدعاء صحيح المعنى، وكلا الأمرين جَرَّبتُهما وانتفعتُ بهما؛ فإذا خفتُ عقاب الرب في لحظتي الراهنة من خطيئة زلقتُ فيها أكثرت من الدعاء الصارف للغضب مثل: (اللهم إني أسألك رضاك والجنة، وأعوذ بك من سخطك والنار)، ومثل - وبعضهم يظن أنه لا يقال إلا في فراش النوم: (أعوذ بكلمات الله التامات من غضبه وعقابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون)، وهو أيضاً يدفع الوسوسة في الصلاة.. وأحياناً أكون في صراع مع خطيئة لا أريدها كالرياء وحبِّ الشهرة ورفع الرؤوس - مع أن هذا لا يُؤلمني كثيراً في غير البحوث الشرعية؛ فأكرر دعاءً صحيح المعنى لاب ببالي بعض المرات لما غاب الدعاء المناسب عن ذهني، وهو (اللهم قِني السيئات برحمتك وقدرتك يا أرحم الراحمين إنك على كل شيء قدير)، وقد جربت أثر تكرار هذا الدعاء وبركته.. وتملكتُ بعد ضيقٍ في السكن قصراً فسيحاً تضيع فيه ذريتي الكثيرة، وكانوا يشْكُون ضيق الصدر، ويَحُنُّون للسكن القديم الضيِّق بسلطانة ما عدا مكتبتي مكان نومي فإنني لا أُخْليها من الدعاء والتلاوة، ومرة قلقتُ في نومي، وكان مما يقلقني ضيق صدر بعض الأولاد، وغابت عن ذهني نصوص السكينة، فألهمني الله هذا الدعاء: «اللهم أنزل علينا السكينة في أنفسنا وفي ولدنا وفي أهلنا وفي مالنا وفي سكننا.. اللهم ادفع وامنع وارفع عنا عين كل حاسد وشر وكيد كل شيطان وساحر» فوجدت لهذا الدعاء أثراً مباركاً عاجلاً؛ فصرت أُداوم عليه في وردي.. ومن ذلك أنه يحدث لي حنق وانفعال على مشايخ أحياء وعلماء أموات من خيار الأمة: إما لتقصيرٍ في الواجب، وإما لاندفاعٍ في حب الجاه والمنصب، وإما لتقليد مستميت لا يُعذرون به، وإما لوقوع في بدعة أو أغلوطة عن اجتهاد لا عن قصد؛ لإحساني الظن بهم، وإما بسبب الصدور عن كتبٍ مؤلفوها صلحاء ولكنهم حُطَّاب ليل لا يُدقِّقون في الدلالة والثبوت ومحل النزاع؛ فأُسوِّد قراطيس حادَّة اللهجة وعندي الدافع القوي لسرعة نشرها، ولكنني قبل تصحيح تجارب الطبع يصيبني همٌّ وقلق خوفاً أن تجرَّني هذه الحِدَّة إلى بغض أهل الخير؛ وذلكضلال يقع صاحبه في الوعيد بقوله تعالى: {وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }السجدة21، وقوله تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }النور63.. ثم أتفكر في نفسي، وأقول: (مَن أنا؟.. لست سوى الحاطب على نفسه في أكثر عمري).. وأخشى أيضاً أن أجرح مشاعر بعض الأحياء؛ فيكون عملي فضيحة لا نصيحة، وربما لم يكن ظني صحيحاً فتصيبني دعوة أحدهم.. وأما العلماء الأموات فما أنا إلا بذرة هزيلة أينعت على علومهم؛ فكنت منذ شهر أُكثر في سجودي وغيره بطلب الهدايتين (البيانية، والتوفيقية) بالدعاء المأثور: «اللهم أرني الحق حقاً وارزقني اتباعه، وأرني الباطل باطلاً وارزقني اجتنابه»، وأتأوَّل القرآن في السجود دعاء لا تلاوة مثل: (اللهم اهدني الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم» و»ربنا لا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا» و»اللهم آت نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها».. وما هو إلا بعض يوم فيزول دافع الاستعجال بالنشر، وأعاود القراءة؛ فبعض ما كتبته أمزِّقه أو أشطبه، وبعض منه أجعله تحت استخارتي لربي، وبعضه أُزيل حدته وأنشره وقلبي مطمئن.. وكلما عاودني هذا الداء عاودت هذا الدواء؛ فتنجلي عني الغمة، ولكن الذي لا يزال قارّاً في عقلي وقلبي يقيناً أو رجحاناً أنني مصيب فيما انتقدته من مسائل بعض العلماء.. وعلى ذكر مشايخ الجيل أخص بالذكر الجميل - وفي الجميع خير إن شاء الله - سماحة والدنا الشيخ الدكتور (الشختور) صالح الفوزان في هدوئه وتبصُّره، وإنَّ كلامه ليدخل القلب بلا استئذان، وإن العين لتدمع من حديثه.. هذا من ناحية القصد، وتحرِّي الحق، وأما العصمة فليست لأحد، ولي مسائل أخالف سماحته فيها سأراسله بها على المدى إن شاء الله مستنيراً به في ورعه محاولاً مشاركته في بعض علمه.. ولقد استفتيته في مسألة علمية أعلمُ حكمها؛ وإنما كانت استفتاءَ امتحانٍ، وهي: (كيف نقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في استواء ركوعه وقيامه وسجوده وجلوسه ؟.. وهو صلى الله عليه وسلم قد يقنت بخمسين آية من المطوَّل، ولكنَّ جلوسه للتشهد الأول محصور الدعاء؛ فهل يجلس صامتاً حتى يسوي جلوسه قيامه؟)؛ فأجابني سماحته بما يثلج الصدر مما يدل على فقهه - بخلاف ما قرأته في أحد كتب بعض العلماء -، وهو أن التساوي بين القيامين ولاسيما في التهجد، وبين السجود والسجود.. إلخ، وليس بين القيام والركوع مثلاً.. وأُضيفُ أنه في الفريضة يقصر القيام الأول عن القيام الثاني.. وفي التهجد (إن كان نشيطاً) يطيل في سجدتي كل نافلة على التساوي، ويُميِّز الوتر بقصر قيامه وركوعه وسجوده، ولقد قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الأعراف في ركعتين من صلاة المغرب، فلا يتَّسع الوقت في الركوع لزمن يساوي مدة القيام.. وبالجملة فالاجتهاد الواجب شرعاً أسهل على أبناء هذا الجيل من رموز العلم؛ لأن من استطاع بتخصُّصاته وثقافته تحقيقَ مذهب إمام في الفقه يُقلِّده، واستطاع أن ينصر قوله (2) فهو محاسَب على موهبته وعلمه وثقافاته؛ إذْ صرف كل ذلك في الاجتهاد في المذهب والانتصار له مع أن تحقيقه اليقينيَّ أو الرجحانيَّ (من النصوص الشرعية وكتب الفقه المقارن كالتمهيد والاستذكار والمحلى وكتب ابن جرير.. إلخ رحمهم الله تعالى) أسهل وأيسر، وهو يعلم علم اليقين أن الحق ليس محصوراً كله في مذهب إمام بعينه.. فإن كان لا يستطيع الانتصار للمذهب وترجيحه وإنما يتلقاه حفظاً من كتب موجزة خالية من الدليل كالزبد عند الشافعية وزاد المستقنع عند الحنابلة -وهو يحمل لقب شيخ أو دكتور- فهو عامي لا يحق له مجادلة أهل العلم، ولهذه المسألة إن شاء الله إفاضة فيما يُستَقْبل.. ومن تجربتي في الدعاء أنني أَحْمِل همومَ ذرية كثيرة، وفي إحدى كُرُباتي لم أستحضر الدعاء المأثور فألهمني ربي دعاءً صحيحَ المعنى، وهو: «اللهم أصلح نيتي وذريتي وأهلي وجميع أمري.. اللهم أصلح فاسدنا وفاسقنا، واهدِ ضالَّنا، واشف مريضنا، وارحم ضعيفنا، وأغنِ فقيرنا، واقض الدين عن مديننا، وزوج عازبتنا وعازبنا، وارزقهم الأزواج والزوجات الصالحين والصالحات، والذرية الصالحة برحمتك يا أرحم الراحمين»؛ فوجدت له أثراً سريعاً نفعني الله به؛ فصرت أداوم على هذا الدعاء في وردي.. ومن تلك المعاني الصحيحة التي أداوم عليها بعد أن بدَّل الله العسر بيسر: «الحمد لله الذي أغناني بعد عَيْلة، وأعزني بعد ذلة، وكثَّرني بعد قلة»، وهو دعاء قلَّ ما أغفل عنه، وبحمد الله وفضله ثم ببركة هذا الدعاء مع أدعية الشكر المأثورة ما زالت النعم تتواتر عليَّ: سعة في الرزق، وانشراحاً في الصدر، ونشاط هِمَّة وإن ضف جسمي واعترتني بعض العوارض الصحية.. بل يلتذ خاطري بهذه العوارض، وأُعِدُّها تكفيراً لذنوب أثقل من جبال الهملايا، وربي يعفو عن كثير، ويبدِّل السيئات حسنات إذا علم من عبده صدق إنابته ولجوئه إلى ربه.. وخير الدعاء في السجود إذا لم يعرض لك همٌّ شاغل ما علَّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها: «اللهم إنك عفوٌّ تحبُّ العفو فاعف عني»، وما علمه صلى الله عليه وسلم أباها أبا بكر الصديق رضي الله عنه: «اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت... الحديث».. وعليه أن يقسم دعاءه لدنياه وآخرته، ولذريته وأهله وولاة أمره، وكافة المسلمين، والدعاء بهداية المبتدعة والفسقة، والدعاء على الكفرة الذين ظلموا المسلمين في نفوسهم وأعراضهم وديارهم.

***

الاسم على وزن (فاعَل) بفتح العين يأتي للواحد من أشياء مثل الخاتَم جمعه خواتم، والطابع واحد الطوابع.. هذا هو الأصل في هذا الوزن.. وذكر الفارابي أن هذا الوزن قد يأتي في اللهجات بمعنى (فاعِل) بكسر العين كاستعمال الطابَع بفتح الفاء بمعنى الطابِـع بكسرها، وهكذا الكوز الذي يُكال به الخمر يسمى ناطِلاً بكسر الطاء المهملة، واستُعمل في اللهجات بفتحها.

قال أبو عبدالرحمن: اللهجات إذا خالفت الأصول فهي مبنيَّة على التوهُّم.. وذكر الفارابي الطاجَن بفتح الجيم بمعنى الطاجِن بكسرها، وهو طابَق يُقْلَى عليه.. وذكر أنه مولَّد؛ لاجتماع الطاء والجيم في كلمة واحدة؛ وذلك لا يكون في لغة العرب.. وذكر أن الطاجَن بفتح الجيم لغةٌ في الطَّيْجن.

قال أبو عبدالرحمن: المولَّد قد يكون عاميَّ المعنى أو الوزن، وقد يكون صحيحاً فصيحاً بالمجاز على أساليب العرب في تجوُّزهم.. والطاجن ليست مولَّدة، ولكنها منقولة من لغة أخرى، وما ينقله العرب نوعان: اقتراضٌ لم يستطيعوا تطويعه لأوزانهم مثل القسطنطينية والجشطلشت والفينومولوجيا.. إلخ؛ فهذا الاقتراض يُـحافَظ فيه على أصله الأجنبي بلا تصرُّف.. والنوع الثاني تعريب ينقله العرب حسب نطق حروفهم وأوزانهم؛ فهذا مُلْك للعرب وإن كان الفضل للسابق إذا عُلِـم، كما هو ملك لكل أمة تنقل عن لغة أخرى؛ وحينئذ يكون اللفظ والمعنى المعرَّبان جاريين على معاني الصيغ (الأوزان)، وقد ذكر أبو المظفر الليث في كتاب العين المنسوب إلى الخليل بن أحمد رحمهما الله تعالى إهمال الجيم والطاء في الثلاثي الصحيح، ووجدها مستعملة بعضها ألفاظ عربية وبعضها معرَّبة.. وممن قال بالتعريب الجوهري في صحاحه، ونص الزَّبيدي في مستدركه على أنها تعريب (تابه) بالنقطة التحتية الواحدة من الفارسية.. وللدكتور ف. عبدالرحيم كلام نفيس في تعليقه على المعرَّب للجواليقي [465-540هـ] رحمنا الله جميعاً.. وهذا نصه: «قال ابن دريد في الجمهرة 3/ 501: الطَّيجَن هو الطابق بالفارسية، والمِقْلى بالعربية.. تكلمت به العرب.. وقال مرة أخرى: (بالفارسية وقد تكلمت به العرب).. ولعل القائل هو الأصمعي، والطريف أن هذه العبارة جاءت في فصل: (مما أُخذ من السريانية)، وقال في 3/ 357: (والطَّيْجَن الطابق لغة شامية وأحسبها سريانية أو رومية).. وفي التهذيب 10/ 633: (الطابق الذي يُقْلَى عليه اللحم الطاجِن).. والصواب أن الطابَق فارسي، والطَّيْجَن يوناني.. أما الطابق فله معنيان: الآجُرُّ الكبير، وظرف يُطبخ فيه.. ذكر الأزهري والجوهري المعنى الأول فقط، أما صاحبا اللسان والقاموس فذكرا المعنيين.. وضبط صاحب القاموس الطابَق بمعنى الآجُرِّ بفتح الباء وكسرها، وذكر فيه لغة أخرى وهي طاباق.. أما بمعنى الظرف [أي الذي يطبخ فيه] فهو بالفتح فقط، ويُجمع بمعنى الظرف على طوابق وطوابيق.. عن اللسان.. وذكر الجوهري وصاحب اللسان أنه فارسي معرب، ونص صاحب القاموس على تعريبه بالمعنى الثاني فقط، واستدرك عليه الزبيدي فنص على تعريبه بمعنى الأول أيضاً.. أصله بالفارسية الحديثة تَابَهْ وهو ظرف يُقْلى فيه السمك والبيض ويخبز فيه الخبز، وله أيضاً معنى الآجُرِّ، وهو بالفهلوية tapak، وهذا هو أصل اللفظ المعرب.و الباء في الأصل مفتوحة، واللفظ الفارسي مشتق من (تاب) بالباء الفارسية بمعنى الحرارة.. هذا ويسمى الآجُرُّ بلغة أهل العراق الطابوق (المعجم الكبير ص7)، وهذا من الطابق.. و(تَوَا) بالأردية و tava بالتركية بمعنى المِقْلى من تَابَهْ بالفارسية الحديثة.. أما الطَّاجن ففيه لغتان: طاجن وضبطه صاحب القاموس بكسر الجيم فقط، والفيومي بالفتح والكسر، وطَيْجَن كزينب، وجمعُ الأول طَوَاجِنُ، وجمع الثاني طَيَاجِن (المصباح).. وقالوا: الطَجْنُ القَلْوُ (اللسان والقاموس)، والمُطَجَّنُ المَقْلُوُّ.. قال الأزهري 10/ 633: (قَلْية مُطَجَّنَةٌ، والعامة تقول: (مُطَنْجَنَةٌ)، ويطلق المُطَنْجَن باللغة الأردية على نوع من الحلوى يؤكل بها الخبز، وأصله باليونانية ومنه الطيجن، وفيه لغة أخرى، ومنه الطاجن.. ومن بالسريانية و(طكن) أي قَلَى، وله معنى مجازي أيضاً وهو عذَّب»(3).

قال أبو عبدالرحمن: الطبق لغةٌ عربيةٌ أصيلة بمعنى الشيء فوق الشيء؛ وإنما المعرَّب معنى الآجُرِّ والظرف الذي يُطبخ فيه.. وأما الطاجن فمآله عند الجمهور في الفارسية والعربية إلى الفهلوية، وهي لغة حديثة بدأت من القرن الثالث الميلادي.. والأرجح عندي أنها لغة ساميَّة استعملتها السريانية بلفظ (طكن)، واللغة العربية أصحُّ اللهجات الساميَّة وأقدمها؛ لأنها تكوَّنت في جزيرة العرب منذ عهد إسماعيل بن أبي الأنبياء إبراهيم عليهما جميعاً صلوات الله وسلامه وبركاته قبل رحيل الأجناس الساميَّة إلى الآفاق، والسريانية السامية مزامنةٌ الفهلويةَ، واللغة العربية هي لغة العرب الباقية من عدنان وقحطان، وكلهم ذرية إسماعيل عليه السلام قبل أن توجد السريانية والفهلوية بقرون، وهي وريثة لغة العرب العاربة البائدة من مَعِينها قبل تفرُّق اللهجات السامية؛ فالأصل إذن عربي.. وسواء أكانت معرَّبة أو أصيلة فإنها - على فرض دعوى التعريب - خاضعة لنطق العرب بحروفهم، وتُحوَّل إلى الصيغ التي تُراد معانيها؛ فالطاجِن بكسر الجيم هو الناضِج، والطاجَن بفتح الجيم هو الاسم لوعاء الإنضاج، وليس الطاجِن بكسر الجيم لغة في الطيْجن كما قال الفارابي، بل الطيجن على وزن فَيْعَل، وإذا رأيت ما جاء على هذا الوزن رأيت أكثره للمبالغة؛ لأن فيه معنى السرعة والشِّدة (4) مثل الصيهب لليوم الشديد الحرارة، والخيبق للفرس السريع جداً - والعامة في نجد تصف السمين كبير العجيزة بالخَبَقْبَق من (خبق) العامية بكثرة، والصيرف لذي التجربة في تصريف الأمور، فليست الطاجِن بمعنى الطَيجن على دعوى أنها لغة فيها، بل الطيجن أبلغ من الطاجن.. ومطجَّنة تصريف صحيح لاسم المفعول، وهو المقليُّ نفسُه لا قالَبه.. وحُكْم الأزهري رحمه الله تعالى بأن طنْجَنَة عامية حكم صحيح، وإن كان التوليد على صيغة صحيحة هي (فعْلل)؛ لأن الفعل طَنْجَن دال على تعدية الفعل مثل طجَّن، فكان المقلوُّ ناضجاً بفعل فاعل، وقد ورد في الفصحى على وزن (فعْلل) مفردات كثيرة، وأكثر دلالتها على النحت وعلى اشتقاق الفعل من الاسم، وعلى حكاية صوت (5)؛ فاستعمال طنجن مع طجَّن فضول إلا أن توجد حاجة لحكاية صوتٍ ما إن كان للتطجين صوت، ولهذه المسألة بقية، وإلى لقاء قريب إن شاء الله، وهو المستعان، وعليه الاتكال.

***

الحواشي:

(1) القصيدة في ديوان إيليَّا أبو ماضي /ص330-333 / دار العودة ببيروت عام 2000م.

(2) قال أبو عبدالرحمن: لم أضع نقطتي مَقُوْل القول؛ حتى لا يُظَنُّ أن ما بعدها هو القول، ولولا ذلك لوضعتها؛ لأن الخبر إذا طال الفاصل يأخذ حكمَ مقول القول.

(3) المعرب ص435-437 / دار القلم بدمشق / طبعتهم الأولى عام 1410هـ، وانظر ديوان الأدب للفارابي - اللغوي لا الفيلسوف، وهو أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم

[ -350هـ] رحمه الله تعالى - 1/ 344، و2/ 43، وتاج العروس 35/ 347 / ط الكويت.

(4) انظر ديوان الأدب 2/ 39-43.

(5) انظر ديوان الأدب 2/ 476-486.

 

ابتسامات ثقافية وفكرية 1 - 4
ابو عبد الرحمن بن عقيل الظاهرى

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة