ارسل ملاحظاتك حول موقعنا

Sunday 15/01/2012/2012 Issue 14353

 14353 الأحد 21 صفر 1433 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

إلى الستينات من القرن الماضي.. لم يكن على ساحة السياسة المصرية (ظاهرياً).. غير جماعة واحدة، هي (جماعة الإخوان المسلمين).. المحظورة قانونياً بعد قيام تنظيمها «السري» بمحاولة الاغتيال الفاشلة للزعيم جمال عبدالناصر في ميدان المنشية بـ»الإسكندرية» عام 1954م أثناء إلقائه إحدى خطبه الجماهيرية.. بعد خروجه وثورة يوليو منتصرين مما عرف تاريخياً - فيما بعد - بـ»أزمة مارس»، وجمعيتي (الشباب المسلمين) و(الشبان المسيحيين).. إلى جانب الجمعيات المهنية الأخرى، العديدة والعتيدة التي تغطي جوانب الحياة المصرية.. ويعود تاريخ إنشاء بعضها إلى نهاية القرن التاسع عشر، أما السلفيون (جماعة) أو (جمعية).. فلم يكن لهم وجود ظاهري معروف.. أو حتى سري مهموس به يتناقل أخباره الخاصة أو بعض عامة المصريين.. الذين كنت من بينهم خلال سنوات الابتعاث لكلية الطب بجامعة الإسكندرية.. إلى جانب الشيوعيين (حدتو)، وبقايا الوفديين والأحزاب الأخرى من السعديين والأحرار الدستوريين ومصر الفتاة وقلة من البعثيين (فكراً لا حزباً).. ممن انتقل بعضهم - بعد قانون إلغاء الأحزاب - إلى العمل السري تحت سطح الأرض.. بعيداً عن الأنظار كـ»الحزب الشيوعي»، بينما اختفت بقيتها.. أو كادت تماماً.. أمام المد القومي الطاغي، والالتفاف الجماهيري الكاسح.. حول راية زعيمه الرئيس جمال عبدالناصر الذي تبلورت لديه فيما بعد آلية العمل السياسي لتكون وقفاً على من قامت ثورة يوليو من أجلهم من (قوى الشعب العامل): من العمال والفلاحين والمثقفين والفنانين والطلبة والجنود والرأسمالية الوطنية، ليقوم (الاتحاد القومي).. في النصف الثاني من الخمسينيات، فـ»الاتحاد الاشتراكي العربي» مع بدايات الستينيات.. في وعاء (مجلس الأمة) الذي ترأسه أنور السادات لما يزيد عن عشر سنوات.. وإلى أن تم اختياره (نائباً للرئيس) عام 1969م.

لقد عشت هذا الذي أتحدث عنه الآن يوماً بيوم، وسمعته من أفواه الأشقاء المصريين: أساتذة وزملاءً، ومن إذاعات الإعلام الناصري المدوّي والجريء.. الذي أسكت إذاعتي: (الشرق الأدنى) و(لندن).. بجلالة قدرها وإمكاناتها، وقرأته.. عبر صحافة مصر الوطنية، التي ما كان لها، ولا للإذاعات المصرية.. من هم، غير (هم).. محاربة «الاستعمار» وملاحقة أعوانه وتتبع أذنابه.. إلى أن تم قطع آخر ذيل له بمغادرة آخر جندي بريطاني لمياه الخليج والبحر العربي وميناء عدن في الثلاثين من نوفمبر من عام 1968م.

* * *

كانت جمعيتا - الشباب المسلمين والشبان المسيحيين - تعنيان بالشأن الثقافي التوعوي، والاجتماعي التربوي.. بـ»عقد» الندوات، وإعداد الرحلات التثقيفية الترفيهية للمواقع الأثرية المصرية، وإقامة المحاضرات التنويرية، والمعارض الفنية.. إلى جانب إسهاماتهما الاجتماعية المحدودة في مساعدة الطلبة الجامعيين الضعفاء، من غير القادرين على سداد رسوم دراستهم الرمزية، وفتح عيادات طبية مجانية، أو تقديم دروس خصوصية مجانية لأبناء الديانتين، يقوم بها متطوعون من الجانبين خدمة لأهلهم وذويهم.. وما شابه من هذه الأنشطة الاجتماعية التربوية الإنسانية، دون أن يكون لـ»الجمعيتين» أي اهتمام أو نشاط سياسي.. يذكر، أما جماعة أو (جمعية) الإخوان المسلمين التي أسسها في ثلاثينيات القرن الماضي.. ابن قرية المحمودية الملاصقة لمدينة (الإسكندرية) وخريج كلية دار العلوم: الشيخ حسن البنا.. وبدأ بنشر دعوتها إلى الله مع استقراره في مدينة (الإسماعيلية).. فقد كان لها طموحها الديني والسياسي معاً منذ البداية.. إلى درجة المشاركة المبكرة لكتيبة من (الجماعة) في الحرب العربية الإسرائيلية الأولى!! ونظراً لنشاط الجماعة السياسي المحموم والمقلق لـ»الحكومة» آنذاك.. أصدر رئيس وزراء مصر بعد الحرب العالمية الثانية محمود فهمي النقراشي باشا قراره بـ»إغلاق» أندية الجماعة في كل مصر ومطاردة البارزين من أعضاء (الجماعة).. بعد اغتيال وزير الأوقاف آنذاك الشيخ الذهبي، واتهام (الجماعة) بارتكابها لذلك الجرم، فما كان من الجهاز السري للجماعة.. إلا أن دبر بنجاح محاولة صاعقة لاغتيال النقراشي باشا رئيس الوزراء في مكتبه، فكان أن قام - ما عرف فيما بعد - بـ»الحرس الحديدي» - الذي قيل: إن الملك فاروق كان يرعاه.. عن طريق طبيبه الخاص الدكتور يوسف حبيب - بـ(الرد) على (الجماعة) باغتيال مرشدها العام الشيخ حسن البنا نفسه.. عام 1949م، ليموت وهو في الثالثة والأربعين.. من عمره، ويترك خلفه «إرثاً» دعوياً وطموحاً سياسياً.. لم يتخل عنه أي من أبناء (الجماعة) وأبناء أبنائهم.. وإلى يومنا هذا، وقد تكرس تحت شعار براق.. لا ترفضه الأغلبية المسلمة.. هو: (الإسلام.. هو الحل)، إلا أن الأكثرية من مثقفي مصر وعلمائها ومفكريها وأقباطها وغيرهم.. أخذتهم الريبة، والتبس عليهم فهم هذا الشعار ومعناه عند تطبيقاته إذا قدر لـ»الجماعة» أن تشارك في (حكم مصر) أو أن تتولاه وحدها منفردة، لكن أيامن ذلك لم يتحقق لهم إلى أن جاء الرئيس السادات ورفع عنهم وعن غيرهم من الجماعة والجمعيات الإسلامية التي تزايدت بعد هزيمة 67م غطاء الحظر القانوني.. ليستعين بهم في التغلب على خصومه من الناصريين واليساريين المتنفذين، الذين كانوا يحيطون به ويعيقون حرية قراره كرئيس لـ»مصر»، له.. ما كان لسلفه عبدالناصر (!!)، فكان أن نجح في استخدامهم فعلاً.. واستطاع أن ينجز بهم فيما بعد ما أسماه بـ(ثورة الخامس عشر من مايو عام 1971م).. التي كانت بـ»أفعالها» وقراراتها (الاستعراضية!!) موضع سخرية وتندر المثقفين والأدباء والمفكرين إجمالاً، إلا أن الرئيس السادات لم يسمح لهم مع ذلك بـ»الدخول» إلى عالم السياسة الممنهج تحت راية (الجمعية) أو (الجماعة).. إلا إذا أقاموا حزباً سياسياً وطنياً له برنامجه السياسي وليس الديني، فلم يقيموا حزبهم السياسي.. ليظلوا خارج دعوته لإنشاء الأحزاب السياسية بعد (المنابر) التي قام بإلغائها، وليدخلوا بعد ذلك إلى البرلمان.. كـ»مستقلين»، وظلوا كذلك.. حتى آخر حضور كثيف لهم في مجلس الشعب المصري - ما قبل الأخير - مقارنة بأعضاء الحزب الوطني المنحل، الذي كان يملك في ذلك البرلمان أربعة أخماس أعضائه (400 من 446)..!!

* * *

في هذه المرحلة الساداتية من عمر مصر بين عامي 1972-1977م ظهر السلفيون الرافضون الانضمام إلى (جماعة الإخوان المسلمين).. أول مرة في الإسكندرية وبين طلبة كلية الطب بجامعتها.. من رحم جماعة (أنصار السنة المحمدية)، التي لولا الخلاف معها حول بعض القضايا كـ»اقتصار» جماعة السنة المحمدية على الصحيحين وحدهما لـ»الاستدلال»، أو (قضية إنكار المهدي) أو غيرها.. لبقوا في حضن جماعة (أنصار السنة المحمدية) وتحت رايتها، ولم يخرجوا عنها.. وينفردوا بكيانهم السلفي المستقل الذي وصل في مطلع الثمانينيات الميلادية إلى حد الصدام مع (الإخوان المسلمين).. (رغم المساحة الكبيرة التي يراها السلفيون مشتركة بينهم وبين جماعة الإخوان المسلمين)، والتي ربما يختصر التعبير عنها هذا التقدير العالي الذي يكنه رموز الدعوة السلفية لـ(تاريخ وجهود مؤسس حركة الإخوان الإمام حسن البنا)، وهم يترحمون عليه ويدعون له.. كلما جاء ذكره في خطبة أو مقالة أو ندوة، إلا أن الكيانين.. بقيا منفصلين: (الإخوان) بتاريخهم وإيجابيات وسلبيات إنجازاتهم ومجلتهم (الدعوة).. و(السلفيون) بحركيتهم وامتداداتهم الخارجية ومجلتهم (صوت الدعوة)، فإذا أقبل أي عضو منهما لـ»ترشيح» نفسه لعضوية مجلس الشعب، أو أي من المجالس النقابية الكثر.. التي تزدان وتفخر بها مصر، باعتبارها الدولة العربية الأولى في احتوائها على هذا الكم الهائل من النقابات.. التي تمثل الوجه الأول لـ»منظمات المجتمع المدني»، فإنه لابد وأن ينزع بالقانون صفته السابقة.. ويدخل إلى حلبة السباق: «مستقلاً».. أو تحت أي من الرايات الحزبية السياسية المعترف بها.. إن كانت وفداً أو تجمعاً أو عملاً أو أحراراً أو ديمقراطياً ناصرياً، إذ يحمد لـ»الدولة» المصرية ملكية أو جمهورية أن حافظت منذ تطبيق دستور 23.. على تلك القيمة الدينية الحضارية الواعية، التي تحفظ لحمة الوطن ولا تمزقها: (الدين لله.. والوطن للجميع).

* * *

مع مجيء ربيع الحرية العربي.. قادماً من (تونس) البذل والفداء، إلى محطته الثانية والأهم: (مصر).. الذي رحبت به جموعها، وهتفت به وله جماهير الشرفاء من أبناء الأمة العربية، لينطلق معه زلزال (التحرير) وبركان ثورة الخامس والعشرين من يناير الماضي.. الذي غير في سبعة عشر يوماً، ما لم تستطع مصر بأحزابها التقليدية وجمعياتها و»نقاباتها» وكل ضجرها وغليانها الذي قدر لي أن أعرف الكثير منه.. تغييره في سبعة عشر عاماً وقد كانت ترجوه ولا تستطيعه، وهو يسقط نظاماً بكل هيبته وانحرافاته.. ويفتح الآفاق والأبواب لكل المصريين، لـ»المشاركة» في صناعة حاضرهم ومستقبلهم، إذ يكفي أي مجموعة منهم - قلت أو كثرت - أن توقع طلباً بإنشاء حزب لها، فيكون توقيعها.. بمثابة (التصريح) والإذن لها بـ»العمل».. فوراً، ليقفز عدد الأحزاب السياسية في أسابيع قليلة.. إلى ما يزيد عن مائة حزب..!!

ولم يكن (الإخوان المسلمون) الذين عرفوا طوال تاريخهم بـ(براجماتيتهم) السياسية، وإسلامهم المتسامح عن غيرهم.. غائبين عن (التحرير) وما جرى فيه، ليغيروا من قناعتهم السابقة.. وهم يتقدمون بطلب إنشاء «حزب»، ليكون الذراع السياسي لـ»الجماعة».. فكان أن قام (حزب الحرية والعدالة)، ليلحق بهم أصدقاؤهم الألداء (السلفيون).. بإنشاء أربعة أحزاب سياسية هي (النور، والأصالة، والفضيلة، والإصلاح)، ويدخلوا معمعان الانتخابات المصرية التي انتهت قبل يومين، فتكون المفاجأة ربما لشباب الثورة - بـ»أكثر» مما هي لهم -.. فوزهم بما يلامس الأربعين بالمائة من مقاعد برلمان الجمهورية المصرية العربية الثانية.

وهكذا أصبح الإخوان.. على أبواب المشاركة الفعلية.. في (حكم) مصر..!!

dar.almarsaa@hotmail.com
 

الإخوان المسلمون و»الحكم».. في مصر؟! (1-2)
د.عبدالله مناع

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة