ارسل ملاحظاتك حول موقعنا

Sunday 15/01/2012/2012 Issue 14353

 14353 الأحد 21 صفر 1433 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

منوعـات

      

كنت أظن أن المريض هو فقط من يعاني مما يحيط به من آلام ومتاعب صحية، لكنني لم أظن أن حتى من يلازم المريض ويتتبع حالته المقلقة، هو أيضاً يعاني بشكل أكبر، خاصة إذا ارتبط الأمر بمسألتين: أن يكون هذا المريض في مكانة مقربة وحميمة كأحد الوالدين، وأن يصل المرء إلى حالة عجز عن أن يفعل له شيئاً.

لا أعني العجز في شفائه، لأن أمر الشفاء ليس بيد أحد من خلقه، بل هو بيد الله سبحانه، لكن أعني العجز عن توفير السبل التي من شأنها أن تسهم في توفير ظروف صحية أفضل مما هو فيه، والبحث عن أسباب الشفاء لا أكثر.

لم أزل أتذكر حالة بكاء مُرّ طوقتني قبل عشر سنوات، وأنا في سيارة إسعاف تنقل مولودتي من العناية المركزة في مستشفى دلة إلى عناية مستشفى اليمامة، لأنني ببساطة لم أكن آنذاك قادراً على سداد مبالغ طائلة لتنويم طفلة ولدت قبل الأوان، ولمدة قد تصل إلى شهرين كاملين. هذا البكاء هو بسبب حالة العجز أن تنقذ إنساناً حميماً، عجز أن تملك يدين مكفوفتين، أن ترى لكنك لا تستطيع أن تفعل!.

كأنما كان عليّ أن أتذكر هذا الموقف قبل أسبوعين، حينما سقطت أمي في غيبوبة، ولم أستطع أن أوفِّر لها سريراً في غرفة عناية مركزة، على الرغم من أن سريرها في قلبي ملء السموات والأرض، وعلى الرغم من أن غرفة قلبي أدفأ من غرف العالم كلها، لكنها لن تفعل شيئاً بوجه يحتاج إلى أن يتنفس اصطناعياً، وكأنما كل هواء العالم تهرّب من أن يدخل إلى رئتيها الطاهرتين!.

كنت أطوف كممسوس خارج مبنى مستشفى الملك فهد التخصصي ببريدة، أطوف كذئب محتجز في قفص داخل حديقة، في موضع فرجة للمارة، كنت لا أملك إلا جوالي وثقتي بالله - عز وجل - بأن ينقذني من هذا العجز، قبل أن أهوي في نوبة بكاء كما حدث قبل عشر سنوات، كنت أهمس في داخلي: من سيسمع شكواك في صباح خميس كهذا؟ من سيتحمل سخطك وغضبك ألا تجد أمك سريراً واحداً فحسب، في غرفة عناية مركزة؟ كنت أجيب باللحظة ذاتها: الله سبحانه سيفرجها، سيرسل لي فرجاً من عنده!

هكذا كان، ولم تمر أكثر من ساعة، حتى جاء صوته كبلسم يغسل جرحي ويجلو عجزي في إنقاذ أجمل المخلوقات: أمي، قال لي مطمئناً: لا تقلق سيسهل الله الأمر، وهكذا تفرّغ الأمير عبد العزيز بن سلمان، في صباح عطلة باردة، في إجراء اتصالاته المكثفة، إلى درجة أنني لم أعد بحاجة إلى أن أتابع، كنت وقتها أخجل من متابعته واهتمامه، وأتردد بأن ذلك الأمر سيشغله، حتى أجاب بمودة: لا تفكر بهذه الطريقة، ولا تحرمني من الخير والأجر. هكذا شعرت بأن كل ما قام به منذ سنوات، إنما جاء من حسه الإنساني وحبه للخير، ولعل آخرها قبل هذا الخميس، دوره الإنساني الرائع في متابعة نقل جثمان زميلنا المهندس زياد الزهراني الذي وافته المنية في لندن قبل شهر، وعلى الرغم من أن الأمير كان خارج البلاد إلا أنه لم يهدأ حتى وصل جثمان الزميل الزهراني - رحمه الله - إلى الرياض.

شكراً أبا سلمان قد لا تكفي، لكنها هي ما نملكه جميعاً.

 

نزهات
شكراً أبا سلمان
يوسف المحيميد

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة