ارسل ملاحظاتك حول موقعنا

Saturday 21/01/2012/2012 Issue 14359

 14359 السبت 27 صفر 1433 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

يطارد مجتمعنا السعودي (ذو الخصوصية الخاصة!!) وجود المرأة في الفضاء العام؛ لأنه يربك ذرات تكوينه المبنية على الحضور الذكوري؛ فيحاول إبعاد المرأة وحصرها ضمن حدود رسمها هذا التصور للسيد الذكر، جعلته السيد والحامي والموفر للرزق والمالك لحدودها ووجودها الرسمي والعام..

ومن هنا تحتاج كل واحدة فينا إلى مائة ورقة (على الأقل) من عشرات الذكور في المؤسسة الرسمية أو مؤسسة العائلة حتى تستطيع الحصول على عمل أو جواز أو ورقة تحدِّد حقها في إرث أو أمومتها لطفل؟!!

وما زال رزق كل واحدة منا مربوطاً برضا هذا الأب أو الزوج أو الأخ أو العم وحتى الحكومة (أياً كان الولي) والقادر (قانونياً) على طرحها خارج مؤسسة العمل والتعليم والتدريب والزواج متى شاء بحكم الولاية!!

ويؤسس لذلك نظام قانوني وحكومي مطبَّق في مؤسسات الدولة كافة، مبني على مفاهيم التمييز بين الذكر والأنثى، ومشرع لقبوله وجعله (يبدو طبيعياً) من الناحية الثقافية والاجتماعية عبر المؤسسات العامة، دينية وتعليمية وإعلامية؛ لذا فلم يكن غريباً أن تحصل المملكة على المرتبة 128 بين 138 دولة في مجال المساواة بين الجنسَيْن في تقرير منظمة مراقبة حقوق الإنسان، الذي صدر في يناير 2012؛ حيث جاء ترتيبنا أقل من دول لديها ممارسات صارخة ضد حقوق الإنسان مثل إيران وباكستان!

تقلِّب أوجه هذا النظام فتصدمك زواياه المفصلة لحفظ إعادة إنتاج النظام الاجتماعي القائم على هذا التمييز واللامساواة، بدقة يُحسد عليها من كرَّس جهده وعالمه لتأسيس هذه النظم اللاإنسانية، فحتى في المشاريع التي قصد بها بناء إنسان جديد لدولة غنية وفتية بقيادة قائد هذه الأمة الملك عبدالله، الذي استشرف منذ توليه زمام هذه الأمة مستقبلاً واعداً مختلفاً لشعبه، يؤمن بعدالة توزيع مقدراتها بين مواطنيه، بإتاحة فرصة الابتعاث للجميع، ومن مختلف الخلفيات والمناطق والأجناس، لكن يقتحمنا نظام التمييز واللامساواة هذا؛ ليكشف عوراته المخجلة التي لا تنتهي، وإلا فكيف نفسر هذا الإجحاف الذي تكرسه مثلاً وزراه التعليم العالي في تعاملها مع المرأة المبتعثة باشتراط المَحْرم الذكر وإلا فلن تحصل على البعثة كما شقيقها الرجل، أو تقطع بعثتها وتُعاد إلى هنا إذا لم تتمكن من إثبات شرط المَحْرم طوال سنوات دراستها؟ ولماذا؟ لكونها أنثى.

المفاهيم ذاتها المؤسسة على التمييز بناء على الجنس نجدها مرة أخرى في قوانين مؤسسة قُصد منها توفير الأمان المعيشي لجميع المواطنين، هي صندوق التنمية العقاري؛ فالتمييز واضح في شروط التقدم لهذا الصندوق، الذي أراح الجميع حين سمح بالتقدم للحصول على المنحة حتى لو لم يمتلك الأرض، علماً منه ومنا جميعاً بأن امتلاك أرض سيستغرق سنوات عمر المتقدم تماماً كما هو انتظاره المزمن للقرض المحسن (500 ألف بدل الـ300 ألف العتيقة)، لكنه يُصِرّ على بقاء التمييز في شروطه ضد النساء عموماً، ثم يبدأ في تخصيص هذا التمييز ضد فئات محددة، هي: الأرامل والمطلقات والأيتام؟؟؟؟؛ فهو يشترط على المرأة أن تكون فوق الأربعين ولم تتزوج حتى تستطيع الحصول على القرض لبناء مسكن يجنبها مذلة السكن عند شقيق أو بيت أقرباء بحكم عدم زواجها، وهو بهذا يضمن أن هذه المرأة لن تحصل طالما هي حية على هذا القرض؛ فقوائم الانتظار تمتد حتى عشرين عاماً (ويحيينا ويحييكم). أما المطلقة التي تحتاج في لحظة طلاقها إلى مسكن يؤويها فيجب عليها أن (تتبهدل وتتوسل) الأحبة والأقارب حتى تمضي سنتان على طلاقها (فتتعلم الدرس، وتمد في بيت من تتزوجه لاحقاً) حتى يسمح لها بالتقديم على القرض.

أما الأيتام فقصتهم مضحكة؛ فأي منهم لا يحق له التقدم على القرض إن كان قد تجاوز الحادية والعشرين سنة (ولا أستطيع تفسير هذا، وأظنه ربما خطأ ما)؛ فمن هو أصغر من هذه السن سيكون بالضرورة تحت رعاية أحد، أما مَنْ بلغ سن الحادية والعشرين فهو من يحتاج إلى بدء الـتأسيس لحياة جديدة، وأول شروطها توافر المسكن كما ذكرت ذلك محقة إحدى المغردات على التويتر.. لا، بل لم يقف تمييز الصندوق ضد الأيتام عند هذا الحد بل إن هذا اليتيم (المعتر) يُحرم من التقدم للحصول على القرض إذا ثبت أن أحد والديه قد تمتع بهذا القرض قبله! أي تعجيز؟؟؟ لذا فالمطلوب الآن من كل الآباء أن يقرروا إما عدم التقدم إلى الصندوق أبداً حتى يمكن لأبنائهم وبناتهم في حال توفاهم الله (غصب عنهم) التقدم بطلب القرض، أو أن يعرفوا أن استمتاعهم بالقرض يعني أن يكون أبناؤهم في مهب الريح إذا قدر الله لهم رحيلاً مبكراً عن دنيانا؟؟

والأمر نفسه ينطبق على الحصول على الوثائق الشخصية كجواز السفر أو التقدم على وظيفة أو تعليم أو في مجالات الأحوال الشخصية كالطلاق والحضانة والخلع وغيرها، فحين تسقط المرأة على أرض الواقع (اليابس) (ولن يعرف طعم ذلك إلا من جربه) بفعل طلاق أو مرض أو عضل فستظهر لها سوءات التطبيق في كل مفصل من مفاصل هذا النظام من خلال قناعات الممارسين من الرجال والنساء الذين تضطر المرأة إلى أن تتعامل معهم في مختلف الأجهزة الرسمية والشرعية، والذين يكرس النظام الثقافي المحيط بهم فكرة التمييز المبنية على الجنس أو الأصل أو القبيلة أو.. إلخ من التفصيلات العنصرية البغيضة التي لا يمكن لدولة حديثة في عالم اليوم أن تتبناها وتسلم من تقرحات وأوجاع في المفاصل والرأس والقلب والعقل نتيجة الصراع الطبيعي الذي تفرضه ثقافة العصر التي هي ضد هذا التمييز غير العادل، والتي ما أنزل الله بها من سلطان، بدليل أن دولاً إسلامية وخليجية قريبة، ونتشارك معها في كثير من النظم الثقافية والاجتماعية والسياسية، مثل الإمارات والكويت، لا يوجد هذا التمييز العنصري مؤسسياً في قوانينها ضد مواطناتها؛ فلماذا نجبَر نحن على قبول حقائق التمييز هذه، وندفع الثمن من حياتنا وحياة أبنائنا في ظل دولة قوية وغنية وفتية كدولتنا، وفي ظل عالم كوني تحتل فيه المساواة بين الجنسين ومفاهيم حقوق الإنسان أهم الأركان؟؟؟؟

 

المرأة والفضاء العام: شروط البنك العقاري أنموذجاً
د. فوزية البكر

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة