ارسل ملاحظاتك حول موقعنا

Thursday 26/01/2012/2012 Issue 14364

 14364 الخميس 03 ربيع الأول 1433 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

إذا أمكن تعريف الثورة بأنها تعني تطور حال إلى حال أفضل بفعل خارج المعتاد أو أقوى من المتوقع، فإن إحلال نهج الثورة السلمية محل الثورة الدموية هو بحد ذاته ثورة على فهمنا وثقافتنا العربية.

وربما كان الكاهن الارثذوكسي الروسي (جورجي جابون) أول من صنع الثورات السلمية..

.. في بداية العقد الأول من القرن الماضي، عندما قاد (جمعية الشرطة المرعبة) في حشود من العمال إلى مسيرات واحتجاجات سلمية في شوارع موسكو عام 1904م ليقطف أولى الثمرات بتعديل الدستور، ولو لا أن العسكر لم يطلقوا النار في إحدى المرات على المحتجين لربما لم تتطور هذه الاحتجاجات السلمية إلى ما يعرف اليوم بالثورة البلشفية المأسوية.. لكن المهاتما غاندي قاد عام 1930م أول ثورة سلمية حقيقية وناجحة، أكملها الزعيم دلال نهرو لتحقق الهند استقلالها بثورة سلمية، وقد شهد القرن الماضي العديد من الثورات السلمية التي غيرت التاريخ في كثير من دول العالم مثل الفلبين وإيران وليتوانيا.

وفي مراجعة لتاريخ الثورات العربية السلمية يظهر لي أن العرب لم يعرفوا هذا النوع من الثورات إلا متأخراً، ولعل الانتفاضة الفلسطينية بين عام 1987ـ 1993من القرن الميلادي الماضي تصح لتكون أول ثورة عربية سلمية سعت لإرغام القوى الكبرى على التحرك لإيجاد تسوية لهذه القضية، ولكن لا يزال هذا الحراك مستمراً حتى اليوم دون أن ينتج شيئاً ملموساً نتيجة توقف تلك الثورة أو الانتفاضة وإنهاء مفعولها تماماً، وإذا كانت ثورة الضباط الأحرار في عام 1952م في مصر على الإقطاعية والطبقية والفساد استحقت العنونة الثورية كونها حملت أهداف سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية ولاقت بذلك تأييد الشعب، إلا أنها انقلبت عليه فيما بعد وتحولت إلى حكم عسكري امتد إلى أن ثار الشعب من جديد وأسقطه في العام الفارط، وفيما عدا ذلك حسب اعتقادي لم تظهر ثورة سلمية في التاريخ العربي يمكن أن تصنف أو تحمل هذا المدلول السلمي باستثناء عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز إن صح تسميته ثورة، بل إنه وبرغم وجود التجارب المتكررة للثورات السلمية في أنحاء العالم إلا أن فلسفة الثورة السلمية لم تظهر في الثقافة العربية أو تبرز بشكل بين، ولم تظهر حتى مدلولات أو مؤشرات على تأثير محسوس لهذه الفلسفة الثورية السلمية على أدبيات الثقافة العربية إلا ربما في ظاهرة المقاطعة الشعبية لمنتجات استهلاكية أو شعارات دينيه، لهذا ربما كان تأثير الثورة السلمية في تونس العام المنصرم على الوجدان الثقافي العربي تأثيراً يشبه السحر الذي يقود الإرادة ويحركها في اتجاه ما هو خارج المنطق المألوف إلى منطق إلهامي وإبداعي يكسر رتم التاريخ ويفصله بين ماضٍ في حكم المنتهي وبين حاضر يؤسس لمستقبل مختلف ومغاير بدرجة كبيرة، لهذا سرعان ما انطلقت الثورة في مصر على شكل مظاهرة صغيرة ومألوفة التكرار لتتحول وبشكل سريع بفعل الإلهام التونسي إلى ثورة سلمية واسعة في كل أنحاء مصر لتؤتي ثمارها في النهاية، وهكذا وبفعل وأثر هذا الإلهام حاكت الثورة في اليمن وقلدت تونس ومصر, لو لا أن فعل الصدمة والمفاجأة قد تلاشى بفعل تسلسل هذه الثورات، فصارت عسيرة في اليمن ودموية في ليبيا ومعقدة في سوريا، أما في مملكة البحرين فقد كانت انتهازية مذهبية رغبت في استخدام الشكل في بعث وإحياء شوائب من الماضي من جديد بتناقض مع مضمون هذه الثورات العربية التي من بين أهدافها إقصاء هذا الفكر والقضاء عليه نتيجة تخلفه وضيق أقه وعجزه عن فهم الواقع، لهذا ربّما صح فصلها عن باقي الثورات العربية وعدّت ضمن الفعل السياسي المذهبي.

على أن أهم ما ميز حراك العام الماضي واستحق أن يكون ثورة بحد ذاته يظهر في عاملين مهمين جداً ظهراً لأول مرة في تاريخ الثقافة العربية وهما: السلمية في المطالبة بالتغيير والتحرك الجماعي في الاتجاه دون زعامة أو قياده، وهو ما يعني تبدل الزعامة والقيادة من النخب والواجهات الصوتية والضوئية إلى نتاج وإنجاز هذه النخب أو الواجهات وحسن أدائها، أي خروج من دائرة الأشخاص إلى دائرة الفكر في نقلة نوعية غير مسبوقة في الوعي والثقافة العربية تأطر لنهج جديد ينسجم مع روح العصر ويتفاعل معه.



Hassan-Alyemni@hotmail.com
Twitter: @HassanAlyemni
 

السلمية في الثقافة العربية الثورية وتاريخها
حسن اليمني

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة