ارسل ملاحظاتك حول موقعنا

Thursday 26/01/2012/2012 Issue 14364

 14364 الخميس 03 ربيع الأول 1433 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الثقافية

      

د. مروان عرنوس

127 صفحة من المقطع المتوسط

بداية بعض شعرائنا وهم قلة يجهلون أو يتجاهلون علامة الاستفهام اللازمة لجملهم (؟).. وعلامة التساؤل اللازمة (؟!) كما لا يضعون الحركات اتي تميز بين مفردتين مختلفين تغيران المعنى كما هو الفرق بين جملة (بَيُن) الساكنة الياء، وبَيْنَ بيِّن المشددة والمكسورة الياء.. وهو ما يغير المعنى ويربك العبارة.

العودة إلى شاعرنا عرنوس حيث الحوار المسالم والخناجر المشاكسة في ملحمته الشعرية ذات المشاهد المتعددة: في مشهده الأول حوار شعري بين الراوي وآخر يرد عليه: البداية للراوي:

الظلم قد لفح الجميع بكيده والله شاء

والناس قد غرقوا ببحر من جمود وافتراء

لكنه قد لاح نور شع يهوي من حراء

جبريل قد ذف الرسالة فانظري نحو الضباء

يا صباح أن الظلم قد ولى إلى كهف الغناء

فاسمع بذا الأمر العظيم وما الذي حمل القضاء

قرشي يرد عليه متسائلاً وهو يرى بين الجبال همساً تردده الرجال.. يبحث عن خبر.. وأنا معه ابحث عن صواب للتساؤل.. الهمس لا يرى يا شاعرنا وإنما يسمع لأنه صوت.. ثم اينها علامة الاستفهام في مقالك؟!..

آخر يرد عليه:

في مكة دين جديد وحدَّ الحق الرشيد

دين يسوي بين أشراف القبائل والعبيد

لتوحدوا ولتهجروا الأصنام والظلم العتيد

وحتى لا يتيه القارئ بين الدين بكسر الدال والدين بفتحها ضع الحركة مشددة مفتوحة..

في مشهده الروحاني الثاني في المجلس القرشي يقول أحدهم مستنكراً ومتسائلاً:

من سفه الأحلام من قد أغضب الأصناما

هي ملة الآباء لسنا نهجر الأزلاما

واللات والعزى سننصر لا نريد ملاما

شطرك الأول يفتقر إلى العلامتين (؟!)

ثالث مشهد محاورنا أحد القرشيين:

تفكر أيها الإنسان وأسأل

أما للكون رب قد بناه

أما رفع السماء بلا عماد

ومدَّ الأرض قل لي هل تراه؟

نيابة عنك ومن الآن سأقوم نيابة عنك باستكمال علامات الاستفهام والتعجب وهي كثيرة كثيرة.. وسأكتفي بمشهد واحد وحوار واحد.. وما هو تقتضيه مساحة ساحة الاستراحة:

اتق الله إذا ما زلزت

لا يفيد التوب قد جاء النذير

لِمَ لم تؤمن برب خالق

ونسيت الله واليوم العسير؟

ورابع مشهد مشرك يخاطب مسلما دون أن يعرف أنه مسلم.. يسأله لم الوجوم على وجهه كأنما أصابته مصيبة وكأنما الفلك تسري في مداها الغائب.. ناسياً أن الأفلاك تجري لا تسري.. المسلم يعطيه الجواب الصواب:

النفس لما أن دعت

في خلقه تمعَّنت..

بالله حقا آمنت..

واسلمت واستغفرت

المشرك وبعد سكن قلبه الإسلام:

عظني فقد هز الفؤاد

بديع من رفع السماك

ووعظه بما يكفي:

في مشهده السادس حوار خناجر بين أمية وبلال:

اسحبوا المولى بلال

فوق رمضاء الرمال

واجلدوه بالبلايا

يشتكي بأس الحبال

بلال وقد فتح الله عليه.. ومنحه الصبر والجلد على ما يكابده من مشقة وعذاب كان صوته الأقوى ثباتاً وجلداً..

أحد أحد ربي الصمد

آمنت لن امشى الزرد

هو خالقي هو رازقي

إلاك لن اخشى أحد

المشهد السابع.. أبو جهل في مجلس قريش يسلم:

عمتم صباحاً دمتموا

اسياد بيداء العرب

من للرجولة؟ من سواكم

للبطولات انتسب؟!

أحد المشركين يرفع عقيرة عقيدته الموثنية:

سلمت يداك أبا الحكم

ما زلت رأسا للشمم

هُبًلُ علا واللات سوف

تظل ينبوع الهمم..

أبو جهل بجهالته وكرهه على كل من اعتنق شريعة الإسلام يندد ويهدد ويتوعد بإذاقة المسلمين شر البلوى وسوء العذاب في مشهده الثامن.. المسلمون يلاقون أشد أنواع العذاب.. يواجهونه بصلابة موقف وشهامة رجال.. وقوة عزيمة

نحن الرواسي لا نهاب ولن نلين مع العذاب

نحن الأعاصير العتيدة لا نخاف من الذئاب

وأقول أخرى لا يتسع المجال لسردها

المشهد التاسع نقلة كبرى للمسلمين في طريقهم إلى الهجرة.. ولسان حالهم يقول:

فارقت كعبة ربي

جسماً وخلفت قلبي

فيها وفي كف حبي

من كان نور الدربي

وآخرون إلى الحبشة:

جدُّوا بالسير إلى الحبشة

سرا خوفا ممن بطشا

والقلب ودمعي قد

والشوق عظامي قد حرشا

المشهد العاشر.. قريش مجتمعة.. هالهم وصعقهم نبأ المسلمين وهم يهاجرون..

ان تركناهم سيقوى نابهم

وشيفشوا امرهم في العرب

شهية المطاردة والقتل تفور في دواخلهم.. كما يقول أحدهم:

فلتوا كما فلت الشعاع

من كف صنديد شجاع

أين المفر؟ ولا مفر!

عيوننا تغشى البقاع

سيكون لحمهموا طعاما

للسيوف وللسباع

هكذا أرادوا.. ولكنهم خابوا.. تفجر نور الإسلام فأذاب سيوف الظلام.. يثرب تحتضن رسول الإنسانية وصحبه الكرام.. وتفتح مكة.. ويتسع رواق الإسلام وهدية ليشمل الكثيرين وليندحر أولئك الذين في قلوبهم مرض وحاولوا وقف عجلة الحياة إلى النور.. والطهر تلك هي خلاصة المشاهد الثلاثة والعشرين أعطاها لنا شاعرنا مروان عرنوس بين شد وجذب.. وبين حوار وخناجر انتهت إلى فتح وصلح وسلام وإسلام من مشاهده.. ننتقل معه إلى عبرات بدر حيث الملاحم.. والوقفات الكبرى:

العير تضرب في البقاع تحن للبلد الأمين

وقريش تنظر للدواخل تحمل الربح الثمين

ويقودها حذرا أبو سفيان يخشى المسلمين

ويقطع الخوف القلوب فأحمد بث العيون

بث العيون صحيحة.. والأكثر صحة بث الكمين:

وبطيبة جمع الجنود محمد..

متسائلاً مع أصحابه: ماذا ترون؟

هذا يريد العير بل ذاك النفير ولن يكون

المقداد بن الأسود ورفاق محمد أمام مشهد معركة يعد لها تستهدف محمدا ورسالته.. اجمعوا على كلمة سواء:

إلى برك الضماد فلن نولي مدبرين

لو خضت هذا البحر لن نأبى ونمضي عابرين

هكذا قالوا لنبيهم ورسولهم بفدائية لا تقبل التراجع.. والتقى الجمعان: أتت قريش بخيلها ورجالها يخالجها نصر كاذب..

الف بعدتهم يضل الجمع شيطان لعين

بالخيل والخيلاء جاؤوا كافرين مقاتلين

وفي الجانب الآخر:

بالعدوة الدنيا أسود محمد يتضرعون

إلى الله جل شأنه أمام كثرة جهال قريش.. وعدتهم وعتادهم وأخيراً:

النقع ثار لتشهد البطحاء بأس المتقين

ومن نور الفتح المبين وقد انتصر الإسلام على خصومه نفرغ سوياً إلى شاعرنا عرنوس.. إلى نور قلبه:

رسول الله فيك يهيم قلبي

بحبك قد جرت تشدو دمائي

وقد هاج العيون شديد شوقي

فأمست غارقات في البكاء

أكثر من هذا يتمنى شاعرنا أن يكون لفؤاده تربا على مقربة من مثواه كي ينعم بالهناء والفخر.. ويسأل أخيراً:

يحن اليك قلبي. نور قلبي

متى اللقيا؟ ففي هذا دوائي

يا شاعرنا تحقيقا لأمنية تتمناها أنت.. ويتشوق إليها بشر من الناس.. أن كون على نهجه القويم وسراط هديه المستقيم.

أن نتخذ من رسالته السماوية التي أوحى بها إليه ربه نجا ونبراسا لحياتنا.. أن نضل.. ولا نزل..

ومن مشهد النور.. إلى آهات تتقزع لا تبعد في محتواها وفحواها عن سابقتها:

يا رب انك خالقي

يا كاشف البلوى الصمد

يا من على العرش استوى

متكبرا فرداً أحد

مدت لك الايدي فلا

تحرم من الاعطا أحد

(الاعطا) مفردة غير معبرة.. وجافة.. أحسب أن كلمة (من الفضل أحد) أنسب.. وفي ابتهال منه:

فارحم محبا تائبا

لك في حب سجد

فامنن فإنك تقبل التوب

التجأت فكن سند

ومن قنوته لخالقه فجأة ينقلنا جميعاً معه دون استئذان إلى بغاث استنسر:

يحسب المغرور بابه

حرما أعلى قبابه

ويظن الحال نسراً

وهو بالحق لـ بابه

فإذا الحسناء حاست

خالها تهوى رضابه

وإذا دوت أسود

هازئاً نادى كلابه

واذا سلت سيوف

سل للهيجاء نابه

حتى موج البحر يتحداه بقهره وحتى النسيم فمن شعابه تنسم - والمطر من السماء من بركة دعائه.. والبدر يتضاءل أمام شهاب ذلك البغاث المستنسر المقضوب عليه كثيرة كثيرة تلك النعوت الحارق والخارقة للأوصاف الساخرة لم تمر على ذهني من قبل - لم يعلنها بصراحة من يعني لأن في شيوعها أكثر من مشكلة رغم قوله:

غير أني دون رأي

انزع اليوم نقابه

لا تقولوا هل صحيح

ما ترى؟ يا للغرابة!

من تعامى فليحدق

رافعاً عنه العصابة

حتى الحطيئة لم يقل مثل هذا.. ومن غضبت إلى مناهل حكمته:

إن صحبت المرء فاصحبه إذا ما كان عدلا

واذا ما ضل فانصحه وكن في الحق حلا

في الحق لا تكون حلا.. وإنما بالحق..

لا تصدوقه بل أصدقه

وقل بالصدق فصلا

حتى مفردة فصلا هنا لا تؤدي الغرض.. أرى أن كلمة (فضلاً) من التفضل أوفق

كن عزيزا لا تدع في الجيد للحادين جهلا

لا تدن للخلق بل للحق إن الحق أعلى

وكن الرفق تجده ان ثوب اللين أحلى

نصائح وعظية جيملة المعنى والمغزى..

«العيد في القدس» كيف رآه.. أو تخيله؟

يا عيد كيف أتيت والأيام باكية حزينة؟!

فتعال ننفق ليلنا بالله، نسعى في المدينة

نتفقد الأيتام فيها، والأنام المستكينة

لنرى الأرامل والشيوخ، وكل باكية طعينة

فاختر فكل بيوتها تبكي وتلتمس المعونة

واكتم نشيجك واحبس الآهات واتركها دفينة

من يقوى على هذا؟ العيد بالنسبة للقدس صرخة فداء.. لا عملية توسل واستجداء، لا أحد ممن يفرحون ويمرحون بالعيد يعرف شيئا عن القدس.. وإن كان يعلم فإنه لا يهتم.. ثم كل فلسطين قدس.. وكل غزة قدس.. وكم دم شهيد قدس.. وكل مدينة أو قرية عربية أو إسلامية قدس.. الفرحة فيها وبها ولها حين ننفض غبار الوهن والمذلة من جفوته الناعسة البائسة، واليائسة إلا من رحمة الله..

قل لي بربك هل يطيب العيد للعبد الطليق؟

أم للعزيز هناك في الأصفاد يلقى ما يطيق؟

أعد نظراً يا عبد قيس لربما أضاءت لك النار الحمار المقيدا.. أقول هذا بمناسبة بيتك الأخير وقد أثبت النفي في دواخله..

العزيز في الأصفاد يلقى ما لا يطيق.. وليس ما يطيق.. حسنا لو جاء على النحو التالي «في الأصفاد فيما لا يطيق»

ومرة ثانية «العيد، وأم أسير فلسطيني»

أبني، العيد أتى فانس آلامك، بالصحب تأسى

وبحكم الله خطب نفسا ولتسرد يقينك ترسا

لترد أساك فلا تأسى

إن ضاق العيش فكن ليثا لا يخشى أو يرهب بأسا

فكرام الأنفس عزتهم.. لا تخفض للأعدا رأسا

وجنان الخلد مفاتحها وفقات دم تزكي العرسا

وبها يتمنى نازلها مئة، بذلت نفسا نفسا

بهذا الحس.. وبهذا الحشن من مشاعر الأمومة وجهت الأم الفلسطينية دعوتها إلى طفلها الذي يكابد أغلال الأسر أن يقوى على جراحه.. أن يتجلد أمام جلاديه.. والشامتين به..

وتجلدي للشامتين اريهموا

إني لريب الدهر لا اتزعزع

هكذا قال الشاعر لمن هم في حلاتهم.. وفي زنازين أعدائهم..

أخيرا.. مع آخر قصائده «نحن الأباة»:

إنْ ليمناي شموسا قدَّموا

أو ليسراي بدورا أحضروا

إنْ دموعي من عذاب أمطروا

أو شراييني بحقد فجرِّوا

لست أنسى ذكر ربي ساعة

بل له قلبي، ودمي يشكر

الدمع مرده القلب.. بقي العقل.. وددت لو أبدل الدمع بكلمة عقل لكان أجدى..

كلما قد حطم الحزن الصدور

يلجأ القلب لجبار غفور

سائلا تحطيم اجناد الغزاة

راجيا نصر صغارٍ لا تخور

صِغار.. أو صَغار غير مناسبة للموقف.. الأحرى «نصر اباة»

من غدوا للقدس حراسا شدادا

وعلى الغازي طواحينا تدور

الطواحين تدور في غير صالحنا.. وزمام المبادرة لم يعد بأيدينا.. الكبار بقوتهم يتحكمون في مصائر الضعفاء.

تلك هي سنة الحياة منذ عرفنا أبجديات التاريخ.. ما لم تمتلك القدرة والقوة فلن نقدر الوقوف على أقدامنا في عالم يحكمه حق القوة.. لا قوة الحق.

شكراً لشاعرنا مروان عرنوس وقد أخذنا في رحلة إيمانية نحن في أمس الحاجة إليها كي نتذكر.. ونتدبر أمورنا دون غفلة..

الرياض ص.ب 231185 - الرمز 11321 - فاكس: 2053338
 

استراحة داخل صومعة الفكر
حوار لا خناجر
سعد البواردي

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة