ارسل ملاحظاتك حول موقعنا

Sunday 19/02/2012/2012 Issue 14388

 14388 الأحد 27 ربيع الأول 1433 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

عندما تغلق الجامعات أبوابها أمام عشرات الألوف من خريجي الثانوية العامة، وعندما يجد هؤلاء الخريجون أبواب مائة وعشرين معهداً صحياً فاغرة أفواهها جاهزة لضمهم وابتلاعهم بعد ترطيبهم برحيق حلو شهي من الوعود بفرص وظيفية مضمونة،

فلا تعجب إذن أن يتسابق هؤلاء إلى الالتحاق بتلك المعاهد غير مبالين بما يطلبه ملاكها من أقساط فصلية باهظة يضحي بها الآباء على حساب ضرورات معيشية أخرى. ثم بعد ذلك يتخرجون حاملين دبلومات صحية، فلا يجدون من يضمهم إليه بل يجدون الأبواب موصدة في وجوههم، ليس لنقص في الطلب ولكن لعدم اقتناع بصلاحية العرض. فهم بالنسبة للقطاع الصحي الحكومي ذوو تأهيل ضعيف لا يكفي لتعويض من يحلون محلهم من غير السعوديين. وهم بالنسبة للقطاع الصحي الخاص تنقصهم الخبرة وتكلفتهم عالية وثقافة العمل لديهم قاصرة، ولكن فوق ذلك هم أنفسهم لا يرغبون العمل في القطاع الخاص. وهكذا تكدست أعدادهم وأعداد خريجي كليات المجتمع فصلاً بعد فصل حتى وصل العدد إلى (28.550) خريجاً وخريجة، وضاقت جهات التوظيف بهم ذرعاً، إلى أن قامت لجنة أمر بتشكيلها المقام السامي لدراسة موضوعهم باقتراح خطة لاستيعابهم اعتمدها المقام السامي بأمره رقم 1-121 وتاريخ 2-7-1432هـ الذي بموجبه يعين أولئك الخريجون المجتازون لتصنيف الهيئة السعودية للتخصصات الصحية وعددهم (14.000) خريج وخريجة في وزارة الصحة (4000) وفي الجهات الحكومية الأخرى (4000) وفي القطاع الخاص (6000). أما الباقون وعددهم (14.550) وهم الذين لم يجتازوا تصنيف الهيئة فيعاد تأهيلهم في الكليات والمعاهد التي درسوا فيها، وبعد التخرج يوظفون في القطاع الخاص ومن لا يجتاز التصنيف منهم يحول إلى وظيفة إدارية. ولم يتضمن الأمر شيئاً عن خريجي السنوات اللاحقة، إلا أنه طلب من الهيئة العمل على إغلاق المعاهد الصحية تدريجياً.

توزيع الخريجين على هذا النحو لم يرض أولئك الذين وجهوا للقطاع الخاص، وصاروا يتجمعون محتجين أمام مكتب وزير الصحة مرة ومرة أمام المكاتب الفرعية لوزارة الخدمة المدنية. فهل هم محقون في احتجاجهم؟ هم محقون من ناحية الاختلاف في بيئة العمل وظروفه والدخل الشهري حيث إنها في القطاع الصحي الحكومي أفضل، ومن ثم يرون في ذلك حرماناً لهم من هذه المزايا وعدم مساواة بأقرانهم. وعلى سبيل المثال، فإن متوسط الدخل الشهري للتمريض أو الفني حامل الدبلوم في الحكومة يبلغ (9600ريال)، أما في القطاع الخاص فيبلغ ما يقارب (4700ريال) - أي النصف.

لكن من ناحية ثانية فإنهم غير محقين لأن توزيع الفرص الوظيفية يأخذ في الاعتبار إمكانية إحلالهم في ضوء عدد الوظائف التي يشغلها غير السعوديين ومن ثم درجة السعودة في أي من القطاعات الصحية. ويتضح من الكتاب الإحصائي لوزارة الصحة عام 1430هـ أن نسبة السعوديين من الممرضين بوزارة الصحة تبلغ (50%) ومن الفنيين (86%) وفي الجهات الحكومية الأخرى من الممرضين (12%) ومن الفنيين (56%)، أما في القطاع الخاص فهي من الممرضين (5%) ومن الفنيين (15%). لذلك فإن توجيه (6000) من مجتازي التصنيف ثم (14550) بعد إعادة التأهيل - أي ما مجموعه (20550) خريجاً وخريجه يبدو عادلاً وفقاً لنسب السعودة.

وربما يتساءل البعض إزاء هذا العدد الكبير من حملة الدبلومات الصحية: أليس هذا عبئاً ثقيلاً يصعب على القطاعات الصحية احتماله الآن، فكيف به إذا زاد سنة بعد أخرى كلما تخرجت دفعة جديدة من حملة الدبلوم؟ هل هناك أصلاً حاجة لهم في وقت تتجه فيه القطاعات الصحية (أو بعضها) بقوة إلى تعيين حملة البكالوريوس في وظائفها الصحية؟

تمهيداً للإجابة على هذا التساؤل لننظر ماذا فعلت وزارة الصحة لاستيعاب حصتها من الخريجين. لقد قررت الوزارة الشيء الصحيح وهو تنظيم برامج تدريبية لهؤلاء الخريجين ترفع من مستواهم الفني وتؤهلهم للممارسة الصحية الجيدة، وتعتبر مدة التدريب جزءاً من السنة التجريبية التي يجب أن يمضيها كل موظف جديد. ومثل هذا الإجراء يمكن تطبيقه وتحمل تكاليفه في القطاع الصحي الخاص بجهود منسقة ومشتركة بين هذا القطاع (أو من يمثله) وصندوق تنمية الموارد البشرية. مثل هذا الإجراء كفيل بامتصاص كثير من عدم الرضا عن مستوى تأهيل وخبرة حملة الدبلومات الصحية.

ثم نعود إلى التساؤل الجوهري عن مدى الحاجة إلى مزيد من حملة الدبلوم. لقد أتاحت لي الدراسة التي شاركت فيها مع فريق من الأساتذة الجامعيين ذوي الخبرة والاختصاص عام 1431-1432هـ لتقدير الاحتياجات المستقبلية من القوى العاملة الصحية الوطنية في سوق العمل بالمملكة (وقامت بتمويلها كليات الغد الدولية) أن أطلع - عن كثب - على مدى اتساع الفجوة بين ما هو متوافر من القوى العاملة السعودية من فئات التمريض والأخصائيين والفنيين الصحيين وما تحتاجه مرافقنا وخدماتنا الصحية في القطاع الحكومي والخاص في الوقت الحاضر وفي المستقبل القريب - مع الأخذ في الحسبان ما هو متوقع من التوسع بعد تنفيذ الزيادات المعتمدة في المرافق حتى عام 1440هـ (الدراسة شملت أيضاً الأطباء وأطباء الأسنان والصيادلة وامتدت توقعاتها حتى عام 1445هـ ولكن هذا خارج موضوع المقال).

وكان تقدير الاحتياج مبنياً على معدلات التشغيل القياسية التي احتسبتها وزارة الصحة عام 1430هـ أي معدلات القوى العاملة من ممرضين وفنيين التي يتطلبها تشغيل كل من المستشفيات المصنفة حسب سعتها السريرية والمراكز الصحية حسب حجم خدماتها. وهي معدلات وسطية - ربما تقل قليلاً عن المطلوب لمستشفيات مرجعية، وربما تزيد قليلاً عن المطلوب لمستشفيات أو مجمعات طبية خاصة. وعند تحويل المعدل التشغيلي إلى معدل خدمة عدد معين من السكان فإنه يلزم ممرض لكل (200) نسمة من السكان وفني لكل (250) نسمة من السكان. في عام 1430هـ كان العدد الفعلي من الممرضين (سعوديين وغير سعوديين) (110860) ممرض - ممرضة- أي بنقص عن المعدل المفترض بحوالي (16000) ممرض - ممرضة. وكان عدد السعوديين الفعلي (35800) ممرض - ممرضة.

أما في عام 1440هـ فينبغي أن يتوافر حسب المعدل المطلوب (157.100) ممرض- ممرضة أي أنه يجب أن يضاف إلى السعوديين الموجودين عام 1430هـ (121.300) ممرض- ممرضة لتحقيق سعودة كاملة. وقدرت الدراسة في ضوء طاقة استيعاب المؤسسات التعليمية الصحية (الحكومية والأهلية) وبرامج الابتعاث أن عدد الممرضين السعوديين المتوقع توافرهم في عام 1440هـ هو (89650) - أي أن نسبة السعودة المتحققة ستكون (57%) - مما جعل الباحثين يوصون بإعطاء الأولوية لتخصص التمريض.

أما بالنسبة للفئات الفنية الأخرى فإن العدد الفعلي في عام 1430هـ بلغ (64000) فنياً (سعودياً وغير سعودي)- أي بنقص عن المعدل المفترض بحوالي (37000) فني، وكان عدد السعوديين الفعلي (41800) فني.

أما في عام 1440هـ فينبغي أن يتوافر حسب المعدل المطلوب (125.700) فني أي أنه يجب أن يضاف إلى السعوديين الموجودين عام 1430هـ (83900) فني لتحقيق سعودة كاملة. إلا أن الدراسة وجدت أنه في ضوء طاقة استيعاب المؤسسات التعليمية الصحية (الحكومية والأهلية) وبرامج الابتعاث ومتوسطات عدد المقبولين بها سيبلغ عدد السعوديين من الفئات الفنية المتوقع توافرهم في عام 1440هـ حوالي (165.400) فني - أي بنسبة (124%) من المعدل المطلوب مما يعادل فائضاً قدره (30.700) فني (ويكون الفائض أكثر لو امتد التقدير إلى عام 1445هـ) مما دعى الباحثين إلى التوصية بعدم الحاجة إلى فتح معاهد صحية جديدة، وتقييم الموجود منها مع إغلاق ما يثبت تدني مستواه.

تلك كانت الاحتياجات العددية في عام 1440هـ بصرف النظر عن مستوى التأهيل.. ولما كانت نسبة أخصائي التمريض عام 1430هـ 4% فقط وفي الفئات الفنية كانت نسبة الأخصائيين 23%، وهي نسبة لم تعد تتوافق مع متطلبات التطور الحاصل في المجال العلمي والتقني الصحي ومستويات الخدمة والتوجه العام إلى رفع مستوى التأهيل - لذلك أوصي الباحثون برفع نسبة أخصائي التمريض لتصبح 40% (ولحملة دبلوم التمريض 60%)، ورفع نسبة الأخصائيين الصحيين من الفئات الفنية إلى50% (ولحملة الدبلوم 50%)، مما يعني أن الحاجة ستستمر إلى حملة الدبلوم في التمريض والفئات الفنية، وهي أكثر من حاجة، بل هي ضرورة لأن:

- المرافق الصحية والخدمات التي تقدم فيها متدرجة من حيث المسئولية والمخاطر والتعقيد، فأغلب الخدمات الأساسية في المستشفيات الصغيرة والمراكز الصحية لا تتطلب تأهيلاً عالياً. وكذلك فإن أغلب المهارات العملية التي تتم ممارستها في المجال الصحي تحتاج لمنهج قوي في التدريب العملي أكثر من شهادة البكالوريوس.

- الأخصائيين (حملة البكالوريوس) لا يقومون وحدهم بكل الأعمال البسيطة وإلا تشتت تركيزهم وجهدهم الموجه للأعمال المعقدة والدقيقة والخدمات التخصصية التي تتطلب مهارة عالية، ولذلك هم أنفسهم في حاجة لمساعدين.

وتقسيم العمل الصحي إلى مستويات متدرجة متعارف عليه عالمياً، بحيث تتدرج أيضاً المؤهلات المطلوبة - كما يتضح من تقرير منظمة الصحة العالمية المسمى (معاً.. من أجل الصحة) الصادر عام 2006، الذي أكد على التنوع في مستويات التأهيل والتعليم الصحي (ثانوي - عالي - مهني - فني) وعلى تخريج الدارسين للعمل حسب مستوى التعليم (مهنيون - فنيون - مساعدون - عاملون مجتمعيون)، ويتضح أيضا من التصنيف المفصل في إطار هذا المفهوم الصادر من المنظمة عام 2010. ولمن يظن أن هذا يصلح فقط لدول العالم الثالث فإن موقع وزارة العمل الأمريكية على الانترنت يتضمن جدولاً للوظائف الصحية مصنفاً وفق مستوى التأهيل (بكالوريوس - دبلوم).

خلاصة ذلك كله أن حملة الدبلومات الصحية لا يشكلون عبئاً على النظام الصحي، بل إن الحاجة إليهم لا تنقطع. ولكن يجب الاهتمام بمحتوى تعليمهم وإعطاء الأولوية لتدريبهم ميدانياً على إتقان المهارات المطلوبة للممارسة الصحية وفق منهجية جادة لا تهمش عملية التدريب.

 

الخريجون حملة الدبلومات الصحية...عبء أم ضرورة ؟
عثمان عبدالعزيز الربيعة

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة