ارسل ملاحظاتك حول موقعنا

Tuesday 21/02/2012/2012 Issue 14390

 14390 الثلاثاء 29 ربيع الأول 1433 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

كثر الكلام مؤخرًا عن أزمة السكن، أو أزمة العقار كما يحلو للبعض أن يسميها، وكثر مع ذلك الكلام عن الأراضي وارتفاع أسعارها خارج نطاق القدرة الشرائية لمتوسطي الدخل من المواطنين، وهبت مجموعة من الاقتصاديين تطالب بحل هذه القضية بزيادة الضرائب على الأراض بهدف لم يصرح به وهو إجبار كبار العقاريين على التخلص من أراضيهم بأسعار تعيدها لدائرة القدرة الشرائية للمواطن.

ومن أجل ألا أفهم خطًأ فأنا مع الحياة الكريمة لجميع المواطنين التي تكفل لهم سكنًا ميسرًا لائقًا، وسبق وطالبت بهندسة تصحيح في سوق العقار وذلك قبيل الطفرة السعرية الأخيرة، واليوم أود إيضاح بعض الأمور التي ربما غابت عن أعين بعض الاقتصاديين ولها صلات مباشرة وغير مباشرة بهذا الموضوع.

فأولاً، للكلام عن مشكلة ما لا بد من الاعتراف بوجودها وتشخيصها تشخيصًا سليمًا. فنعم لدينا إشكال في أسعار الأراضي، إشكال تراكم لعقود نتيجة لعدم توازن سابق في توزيع الأراضي في مجتمعنا بعد أن منحت كثير من الأراضي لعدد قليل جدا من المواطنين، وما لم يمنح من الأراضي صراحة منح بطرق أخرى وهي منح الأراضي لمؤسسات حكومية ثم التصرف بها فيما بعد من قبل المسئولين عن هذه المؤسسات بتحويلها من ملكية عامة إلى ملكية خاصة. بل إن الأمر طال المرافق العامة مثل التعليم والصحة حيث تم بيعها (تحريرها بلغة العقاريين) بحجة عدم القدرة المادية آنذاك على بنائها، وعند توفر السيولة اليوم اختفت المرافق. هذه العوامل أدت إلى سوء توزيع المساحات الصالحة للبناء، وأوجدت طلبًا متزايدًا عليها، وهذه قضية لا علاقة لها بالأسعار، ولو كان التوزيع أفضل لخف وطء هذه القضية.

ثانياً، ما يتعلق بالأسعار، يرتبط أسعار الأراضي في دولة ما بوضعها الاقتصادي، والتصورات المستقبلية للاقتصاد، ومقارنة الاقتصاد والوضع العقاري بما جاوره من اقتصادات مشابهة من حيث التكوين، والتطور، والنمو، وكذلك مع تطور سعر العقار في العالم، فالعقار في النهاية استثمار. ووفق هذه المعطيات نجد أن أسعار الأراضي في المدن الكبرى في المملكة مشابهة، أو تقل قليلا عن مثيلاتها في الخليج بل وفي بلدان مثل مصر، ولبنان، والأردن، والبحرين ولكنها في الوقت ذاته خارج نطاق القدرة الشرائية للمواطن، أفلا يمكن أن يكون الإشكال في تدني دخل المواطن وليس في ارتفاع الأسعار؟

ثالثاً، جميع المؤشرات تشير إلى أن ارتفاع الأسعار لم يتقتصر على الأراضي فقط وشمل جميع السلع، ونحن لن ننفك عن لوم التجار بالطريقة ذاتها التي نلوم بها العقاريين بينما الإشكال الحقيقي هو في تدني القيمة الشرائية للعملة المحلية، وعندما يحصل مثل هذا الانكماش في قيمة العملة فهو ينعكس على مجالات الاستثمار في الداخل مثلما ينطبق على ما يستورد من الخارج. وإذا أراد أحدنا فهم ذلك فليقوّم سعر الأرض ليس بالريال بل بقيمة سلعة أخرى، فلنقل سيارة مثلاً، فثمن أرض ما يساوي سعر ثلاث سيارت بالأمس، مثلاً، وهو اليوم يقارب السعر ذاته لو عرفنا أن سعر السيارات تضاعف ثلاث مرات، ومن ذلك سعر النفط الذي يشكل الدخل الأساسي للدولة الذي لم يتضاعف قيمة فقط، بل لأن قيمة الدولار هبطت، وهبط معه الريال، ومالم يعد تقييم الريال مقابل الدولار، أو تعاد طريقة حساب دخل المواطن، فالمواطن هو من يتحمل التضخم وحده. وهذا يفسر بدقة كبيرة الظاهرة التي نشهدها اليوم من حجم هائل من الوفورات في مؤسسة النقد، والكلفة الكبيرة للمشاريع، مع تدني مستوى معيشة المواطن وعدم قدرته على شراء أرض. وحسب مقال نشرته الزميلة الاقتصادية ليوم الجمعة 25-3، فالفجوة بين دخل المواطن وتلفة سعر السلع هي 700%، إذاً فأزمة السكن جزء من إشكال أكبر ذي صلة بدخل المواطن.

رابعاً، نعود الآن لفرض ضرائب على أسعار الأراضي، والذي لا أعتقد أنه حل ناجع لعدة أسباب: أولها، يعود لوظيفة الضرائب في الاقتصاد، فالضريبة مهمتها الأولى هي رفع الدخل الحكومي لمساعدة الإنفاق العام، أي موازنة الإنفاق العام بعموم الدخل المتوقع ووضع الاقتصاد ككل، والضرائب هي آلية زيادة مساهمة المواطنين والقطاع الخاص في المصاريف العامة، ولم تكن يومًا ما وسيلة لضبط الأسعار بل على العكس من ذلك فهي تؤججها. ثم ما طبيعة الضرائب التي ستفرض؟ سنوية؟ تراكمية؟ ضرائب بيع؟ ضرائب شراء؟ فهذه أسئلة مهمة ولكل منها انعكاسته المستقبلية على السوق، وكذلك أين ستذهب الضرائب المحصلة، للخزينة العامة أم لجهاز خاص ذي صلة بمشكلة السكن مثل البنك العقاري، أو وزارة الإسكان؟ ولو حصل انخفاض حاد إثر ذلك، هل سترفع هذه الضرائب؟ هل سيدفع الضريبة المواطن الذي نحاول أن نحل مشكلته؟ أسئلة معقدة لا بد من الإجابة عليها قبل التسرع بالمطالبة بفرض ضرائب.

ثم إن فرض ضرائب في اقتصاد لم يألف مثل هذه الأمر، وفي قطاع واحد فقط قد ينظر له على أنه تحيز ضد هذا القطاع، ففي اقتصاد ريعي مثل اقتصادنا تقتص الدولة المصروفات من الدخل مباشرة قبل توزيع الدخل، والضريبة الوحيدة الموجودة هي الجمارك التي توازن بين الحاجة في الداخل للاستيراد من الخارج، والدولة لدينا لديها نظام متنوع من ضرائب الجمارك حسب حاجتها وحاجة مواطنيها، ولك لا يوجد ضريبة تصدير للهدف ذاته، وهذا ما يدفع الدولة للاعتماد على آلية المنع فقط عند الحاجة، كما حصل مرات عديدة في حالات الحديد والأسمنت.

رابعاً، وهذا أمر مهم جدا، لم يتم في يوم ما معالجة التضخم بفرض ضرائب ولكنه يعالج نقديًا برفع أسعار الفائدة لتقليص المعروض النقدي، وهذا غير متاح اليوم لزيادة الإنفاق الحكومي من جهة وللوضع التمويل المالي غير المستقر من جهة أخرى، بل إن الدولة زادت الإنفاق لامتصاص تقلص التمويل في الاقتصاد، ورفع سعر الفائدة يعتبر انتحارًا ماليًا. ثم إنه لم يحصل أن أسهمت آليات نقدية أو مالية في عكس التضخم أو خلق انكماش Deflation في قطاع ما، فهذا لا يحصل إلا في حالات الأزمات والكوارث وينتج عادة عن انهيار الاقتصاد ككل، والممكن بواسطة هذه السياسات هو إيقاف تفاقم التضخم مستقبليا فقط، أي منع تصاعد الأسعار التضخمي المستقبلي، وهذا ما يمكن للدولة أن تفعله بتقليص التمويل الإضافي للقطاع العقاري، وهو يعتمد على كثير من العوامل الاقتصادية الكلية الداخلية والخارجية. فما الحل إذن؟

خامساً، الحل هو في التوقف عن منح غير مسئول لأراضي الدولة أولا، ثانيًا العمل على توسيع المدن الرئيسة بضواحٍ تتوفر فيها جميع المرافق، وتربط بنظم مواصلات ناجعة مع المدن، مع محاولة تقليص أسباب التنقل بين المركز والضواحي بقدر الإمكان، فذلك سيزيد المعروض من الأرض في المدن بما يقابل الطلب وسيؤدي إلى توازن في الأسعار يمنع الارتفاع المستقبلي. يضاف لذلك إيجاد قنوات للاستثمار تكون بديلة لضخ موارد إضافية في العقار، وهنا يجب أن تنظر الدول بشكل خاص وجدي لإصلاح سوق الأسهم ومنع تلاعب بعض المتنفذين به لأن لذلك نتائج استثمارية مستقبلية كارثية، وأخير وليس آخرا، وهذا أمر في غاية الأهمية، إعادة التوزان بين دخل المواطن والتضخم في الأسعار بما في ذلك ارتفاع أسعار الأراضي لأنه لا أمل يرجى في عودة الدولار لبريقه الماضي، ولو حصل فلن تنخفض أسعار النفط بشكل موازٍ لذلك، ولا يمكن الاستمرار في الإبقاء على هذه الفوارق بين الدخل والأسعار والاستمرار في لوم التجار تارة والعقاريين تارة أخرى بينما المشكلة هي في خلل سببه تدهور سعر صرف الريال ولا نقول الدولار حتى يكون الأمر واضحًا للجميع. والله من وراء القصد.

latifmohammed@hotmail.com
Twitter @drmalabdullatif
 

ضرائب الأراضي
د. محمد بن عبدالله آل عبد اللطيف

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة