ارسل ملاحظاتك حول موقعنا

Thursday 23/02/2012/2012 Issue 14392

 14392 الخميس 01 ربيع الثاني 1433 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

كثيرا ما نترك منّا شيئا ما منفيا في الصور الفوتوغرافية، من غير أن نكترث به، مثل: رائحة رافقتنا. نظرة حلم شعّت من العينين. لمسة إشفاق. صرخة مُوقظة. كأننا نعبرُ ليلا تلتهمُ عتمته كلّ شيء من خلفنا.

لكن عندما نُلقي بأجسامنا في لجّة استفهام الصورة، ما الذي يغرينا، حقا، في الرجوع إلى الوراء، إلى مثل هذا العدم؟ هل نعرفُ، لحظة التصوير، أننا إنما نذهبُ، حينذاك، بأقدام هلعة إلى الماضي؟

التاريخ لا يعرف الرحمة دائما، وهو يلمحنا مُستسلمين لخياناته.

الصور التي أردناها زادا للذكريات، قد تكون نبع خيال مُضادّ: فضيحة تهبُ انفصالنا نوعا من الصلابة الجارحة. مشاعرنا إزاء الصورة لن تكون أبدا نفسها. ذلك لأننا سنكون دائما «سوانا».

ما يذهب منا إلى التاريخ هو ما نودّ إبقاءه من مشاعر اليقظة والخوف والحذر والتأني والإجلال. ففي عمق الصورة الفوتوغرافية نتحرّك مثل أشباح. غير أن الصورة عينها لا تحتفي إلا برؤى الشمع التي تسيل على أجسادنا المُتخشبة. بطريقة أو بأخرى، فإن النظر إلى صورنا الفوتوغرافية لا يُلهبُ حساسيتنا إلا بمشاعر باردة. ذلك أن كلّ الأسى لا يُعوّض لحظة عيش واحدة مضت عنا كرفّة جفن.

في الصور نقتفي أثرا غامضا سيكون دائما من نصيب « سوانا».

الصور التي تُحوّل أجسامنا مادة لإلهامها التصويري تخدعنا لنكون من خلالها أشياء جاهزة للاستعمال. كلّ صورة هي خلاصة واقعة لم يعد في الإمكان تكرارها. في كل صورة ثمة ما نفتقده. ما نحنّ ُ إليه. ما كُنّا فيه، وقد تلاشى كغبار. نحن هناك، في الصور، مُلقى بنا لنكافح قدَرا يهبها هيئة الأشكال الجامدة.

يمتحن المرء ذاكرته حين يرى صوره الشخصية القديمة، لا رغبة منه في الوصف، بل لاستعادة شعور كامن في مكان ما من وجوده الذي تداعى. الصور تُمهّدُ لغيابنا وتتركنا على الطريق. في الغرف. على السلالم. في الأسرّة. بين الجدران. في العراء. كما لو أننا شظايا متناثرة من أساطير انكسرت قوالبها المتماسكة وفقدت هيبتها.

الصور، في حقيقتها، ضربٌ من الرؤيا التي تُهدّد بالنسيان. لذلك نغتاظ من كلّ محاولة تصوير، لأنها تُذكّرنا بالمرآة. تلك القطعة الزجاجية التي لا تهاب أحدا في النظر التلصصي الدائم، غير عابئة بأي محظور أخلاقي.

من أين لنا صور تهبُ الواقع طابعا سحريا، يُلغي المسافة بين ما نحلم وما نعيش، تخترع وقائع طريفة في حساسية هي في طور التشكّل، لتنمو في كل صورة أجنحة للبشر، تُحلّقُ بهم، كي تُعيدهم إلى كون لم يعد الرجوع إليه ممكنا؟.

Zuhdi.alfateh@gmail.com
 

تأمّلات في الصورة والمرآة
زهدي الفاتح

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة