ارسل ملاحظاتك حول موقعنا

Thursday 15/03/2012/2012 Issue 14413

 14413 الخميس 22 ربيع الثاني 1433 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

أعلنت المملكة العربية السعودية الأسبوع الماضي عن استهجانها ورفضها لتصريحات المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية الروسية الصادرة يوم 04 مارس (آذار) الماضي ويتهم فيها الرياض بدعم الإرهاب في سوريا، مضيفة على لسان مصدر مسؤول في وزارة الخارجية السعودية

أن الاتهامات الروسية “مبنية على افتراضات خاطئة يرددها إعلام النظام السوري، ورفضها المجتمع الدولي التي تزعم أن القاعدة ومجموعات مسلحة إرهابية تشكل العمود الفقري للمعارضة السورية”. وأكّدت “حرص السعودية على التعامل مع الأزمة السورية وفق قواعد الشرعية الدولية وعبر مجلس الأمن الدولي المعني بحفظ الأمن والسلم الدوليين”؛ كما وصف المصدر التصريحات الروسية بأنها غير مسؤولة ومجانية لحقيقة حرص المملكة على التعامل مع الأزمة السورية وفق قواعد الشرعية الدولية وعبر مجلس الأمن الدولي المعني بحفظ الأمن والسلم الدوليين، وهي الجهود التي للأسف تم إجهاضها وتعطيلها بالفيتو، معطيًا بذلك نظام سوريا رخصة للتمادي في جرائمه ضد شعبه الأعزل، وبما يتنافى مع الأخلاق الإِنسانية، وكافة القوانين والأعراف الدولية قبل أن يضيف المصدر: “إن هذا التوجه الذي يعبر عن مساندة صريحة لنظام يرتكب ما يصل إلى مستوى جرائم ضد الإِنسانية، قد يترتب عليه أن يصبح المساند لهذه الأفعال عرضة للمسؤولية الأخلاقية والقانونية الجنائية لاحقًا لأنَّها جراء هذا الموقف، والتاريخ وحده هو الذي يرد على اتهام تسليح الإرهابيين، ويشهد بما لا يقبل الشك على من هم الإرهابيون ومن وراءهم”.

إن أي متتبع حصيف لهذا الجدال الدبلوماسي أيًا كانت ديانته وانتماؤه الحضاري والثقافي والقطري سيشهد بقوة هذا التصريح وبصدق كلام العاهل السعودي ونبله التاريخي والحضاري والديني والإنساني، عندما قال للرئيس الروسي: إن مقاييسه ومقاييس بلاده تجاه ما يحدث في سوريا هي: الدين والأخلاق؛ إذ كيف يعقل أن تتقبل الفطرة الإنسانية ما يقوم به جيش منظم بالسيوف والدبابات والصواريخ والقنابل ضد شعب أعزل يقتل منه كل يوم ما يزيد عن ثمانين فردًا حسب ما تنقله وسائل الإعلام الدولية، وما خفي كان أعظم! وكيف يعقل أن تتقبل البشرية عملاً إجراميًا وإبادة جماعية في حق أناس لا حول لهم ولا قوة! وكيف يعقل أن يحكم إنسان شعبًا قتل فيه الأخ والأم والوالد والصاحبة والبنين! وكيف يمكن أن نصدق الرئيس السوري في خطاباته التي طالت وقواته تقتل السوريين على مدى أحد عشر شهرًا! وكيف يمكن أن نصدق وعوده الإصلاحية الواهية عندما يخرج بدستور مثير للضحك والبكاء في آن واحد يضمن له الحكم لعقود أخرى! والمصيبة الآزفة والداهية العظمى التي ليس لها من دون الله كاشفة هي أن نسبة التصويت بالإيجاب على دستور الخرافة كانت 89 في المئة! كيف يعقل أن تبقى الثقة بين الحاكم والمحكوم في سوريا وكيف يمكن أن يحمي الشعب السوري النظام؛ لأنَّ الشعوب هي التي تحمي الأنظمة وليس العكس! ويكفي السعودية فخرًا عندما قال الملك عبد الله للسعوديين: “أنا بدونكم لا شيء (...) دون الشعب السعودي أنا لا شيء، أنا فرد منكم وإليكم، واستعين بالله ثم بكم وبالرجال المخلصين من أبناء الشعب” فما قيمة الحاكم من دون ثقة شعبه؟ هكذا فهمت أنا خطاب العاهل السعودي وهذا عكس كلام الأسد الذي وصف السوريين بالجراثيم وعكس القذافي الذي قال لليبيين “من أنتم” واصفًا إياهم “بالجرذان” فقتل مثل الجرذان، وعكس كلام الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح الذي قال ذات مرة لصحيفة أمريكية: إن حكم اليمن يشبه الرقص على الأفاعي، وعكس كلام مبارك الذي قال ردًا على تذمر المصريين من قضايا متعددة: “خليهم يتسلوا”...

وفي التاسع من مارس 2011 خطب العاهل المغربي الملك محمد السادس الشعب المغربي عندما كانت الاحتجاجات المغاربية والعربية في أوجهًا قائلاً: “شعبي العزيز” فعينت لجنة كلفت بتعديل الدستور، وصادق المغاربة على دستور سميناه بدستور الجيل الرابع، وأقيمت انتخابات تشريعية، وعين أمين عام حزب العدالة والتنمية الذي حصل على الرتبة الأولى في الانتخابات رئيسًا للحكومة؛ وكل هذا دون إراقة أية قطرة دم ودون “زنكة زنكة” ودون أن نهرم أو يهن العظم منا. فقوة أي حاكم بقوة ثقة شعبه فيه، وإذا انعدمت هذه الثقة فكبر أربعًا على وفاة المتسلطين من الحكام... وهذا ما وقع حتَّى في الدول الديمقراطية العريقة كاليونان وإيطاليا وإسبانيا، حيث إنه عندما لم تستطع الحكومات المنتخبة ديمقراطيًا من تحسين مستوى عيش السكان والقضاء على المديونية والبطالة، فإما استقالت الحكومات تحت تأثير احتجاجات الشارع (اليونان وإيطاليا) أو نادت بانتخابات سابقة لأوانها (كما هو الشأن في إسبانيا).

فلحمة المواطن والحاكم هي قوة أي دولة، وإذا كانت هذه اللحمة صورية أو مفروضة بالسلاح فإنها تكون شجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، ويكون ماَلها الانقراض والزوال طال الزمان أم قصر.

إن ما يقع اليوم في سوريا من قتل وتقتيل تحت أنظار العالم لما يندى له الجبين، لأنَّ هناك ميكانزمات وقانونًا دوليًا يجب أن يحرك ولكن لم تستطع الشعوب تحريكه بسبب خلل ما! وهذا الخلل يكمن اليوم في الأمم المتحدة لأنَّ ميثاق هاته المنظمة العالمية لم يُعدُّ صالحًا؛ ولأن هذه المنظومة إنما خلقت لتحقيق السلم والسلام في العالم وبناء على معايير إنسانية وبشرية لحفظ الشعوب المستضعفة ومعاقبة الدول التي تهديد البشرية عن طريق تحريك المادة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة وعن طريق محاكمة مجرمي الحرب والمجرمين ضد الإِنسانية.. ولكن في الشأن السوري وقعت معارضة لا إنسانية ولا بشرية تحت قبة الأمم المتحدة بسبب حسابات روسية - صينية ضيقة ترجع إلى حقب الحرب الباردة وهي تعي في قريرة نفسها أن ما تقوم به مخالف للعقل والمعقول، ولقوانين البشرية والإنسانية؛ إذ كيف يمكن أن تبقى القلوب الدبلوماسية الروسية والصينية متحجرة وهي ترى صور أطفال وشيوخ في وسائل الإعلام العالمية مقتولة في أبشع صورها وبالعشرات يوميًا! ولكن مع ذلك تستعمل سلاحًا حقيقيًا تمتلكه في مجلس الأمن اسمه حق النقض الفيتو؛ هذا الحق الذي لا يمكن أن يستأنف في محكمة عالمية أو ينقض بفيتو آخر لسبب بسيط هو أن روسيا والصين عضوان دائمان في مجلس الأمن ويحق لهما أكثر مما يحق للآخرين، ومهما كان القرار فإنه يصبح نافذًا ومهما كان الرفض يصبح ممنوعًا؛ وليسمح لي أمين عام الأمم المتحدة وذوو العقول النيّرة الذين يؤمنون بالعدالة الإنسانية والأسرة الإنسانية والبيت المجتمعي المشترك أن أسمي هذا بسلطوية مجلس الأمن وبدكتاتورية الفيتو؛ فهياكل الأمم المتحدة ومؤسساتها تعمل ليل نهار ولكن يستشري فيها نوع من الحيف والظلم في حق شعوب وأمصار مغلوب على أمرها كما هو الشأن في القضية السورية وكما هو الشأن في القضية الفلسطينية بسبب الفيتو الأمريكي المتكرر؛ وكما أن فقدان الثقة بين الحاكم والمحكوم في بعض الدول العربية كان السبب من وراء زوال بعض الحكام واندثار أنظمة متسلطة خسف الله بها وبدارها الأرض، فإن غياب الثقة في مصداقية الأمم المتحدة ستكون من وراء تغيير ضروري وسريع لميثاق الأمم المتحدة تجعل المجتمع الدولي أكثر ديمقراطية وأكثر سلمًا وأمانًا نبني فيه الأسرة الإنسانية الواحدة.

 

سلطوية الفيتو في مجلس الأمن
د. عبد الحق عزوزي

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة