ارسل ملاحظاتك حول موقعنا

Saturday 17/03/2012/2012 Issue 14415

 14415 السبت 24 ربيع الثاني 1433 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

وجهات نظر

 

استراتيجية الحشد أثناء الحرب
أحمد علي الأحمد

رجوع

 

إن مفاجآت المعارك والظروف القتالية تستوجب إعداد العسكريين على مختلف مستوياتهم القيادية إعدادًا مسبقًا لمواجهة حالات الذعر والهلع التي قد تتسبب في الانحطاط القتالي النفسي الشديد الناجم عن المفاجأة القتالية أو استخدام الأسلحة الحديثة، أو تطور القتال تطورًا مفجعًا بالنسبة للتشكيلات المقاتلة، فالذعر يقود إلى الهزيمة.

وعمومًا يمكن القول وفق تجارب الحروب، يتحول التشكيل القتالي إلى جماعات هلعة مذعورة إذا فشل التدريب المسبق في تهيئة أفراد التشكيل في إعداد هؤلاء إعدادًا يقوم على ترسيخ خبرات مكتسبة لمواجهة المواقف القتالية الصعبة غير المتوقعة والمهددة.

إن العسكري في المعركة يتصرف وفقًا لما تدرب عليه وقت السلم وترسخت لديه عادات قتالية سلوكية تحقق له الحصانة ضد صدمة القتال أو ما يسمى بعلم النفس السلوكي «إزالة التحسس نحو المواقف التخوفية» (Desensitization) عن طريق تعريضه أثناء التدريبات والمناورات إلى مواقف قتالية شبه حية تقلل من مستوى الخوف لديه.

وأكثر من ذلك أن إجراء التدريبات على أرض مشابهة لأرض المعركة الحقيقية كما حصل في مناورات «النجم الساطع» عام 1982 قوات التدخل السريع بالاشتراك مع القوات المصرية التي كان هدفها بالدرجة الأولى تكييف العسكري على أجواء مماثلة لأجواء معركة مرتبطة.

ومع هذا كلّه فحتى أحسن الوحدات تدريبًا وإعدادًا لا يمكن أن تبقى في منأى عن الإصابة بالذعر والهلع كما حصل في حرب الخليج، حيث رمى العسكريون الأمريكيون سلاحهم وفروا من ميدان المعركة دون إعطاء تفسير لذلك سوى الهلع الذي عصف بالانضباط إلا أن الوحدات المدربة تدريبًا جيدًا ومكثفًا وذات معنويات عالية وتماسك قوي لا يمكن أن يتحول أفرادها في حالات قتالية مخيفة جدًا إلى حشود ممزقة الأوصال.

يتصرف الأفراد في حالات الحشد العسكري تصرفًا يتسم بالفوضوية اللا واعية لذلك أطلق على قوة الحشد تعابير مختلفة مثل (سيكولوجية الحشد) فالمخاوف التي تعصف بأفراد الحشد تحط كثيرًا من التصرف الواعي الذكي لدرجة يصبح الحشد مسًا من الجنون قد أصاب أفراده.

هذه الظاهرة قد نراها في الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات التي تضرب المدن وتدمر كل ما تجده في طريقها بفعل الخوف والهلع.

في حرب 1967 تحوّلت أوامر الانسحاب في بعض جبهات القتال العربية إلى الهروب وقد استثمرت إسرائيل هذه الظاهرة لتحول الهروب إلى فزع وهلع ينتشران بالوحدات بفعل العدوى إذ كانت تهاجم نقاط إسناد ومواقع ذخيرة ولا تقتل أفرادها بل تتركهم ليهربوا ليدبوا الفزع في المواقع الخلفية القتالية وهكذا مستثمرة الصدمة القتالية ونتائجها بتخلي الأفراد عن قتالهم وبالتالي تدمير مقاومتهم والانتصار وبحد أقل من الخسائر.

وتبدو الكارثة ماحقة عندما يكون القائد هو أول إنسان يفر من المعركة إذ إن هذا التصرف هو بمثابة أمر لجميع الأفراد أن يهربوا مثله ونفس الشيء عانته بعض الوحدات الإسرائيلية إذ كانت صدمة المفاجأة لدرجة أن شتات الوحدات الإسرائيلية في هروبها وتخليها عن مواقعها ظاهرة أخجلت القيادة الإسرائيلية وأربكتها تمامًا.

وفي غزو لبنان دأبت إسرائيل على استثمار الزحف العسكري والتدمير المكثف لإرهاب المواطنين اللبنانيين في جنوب لبنان وفي بيروت لترك بيوتهم ودورهم وذلك في حربها السيكولوجية التي شنتها ضد اللبنانيين.

إن التعب والجوع يجعل الوحدات في أغلب الأحيان مهيأة لانتشار الذعر في صفوفها أكثر من غيرها إذ تكفي صرخة واحدة تصدر عن فرد أو عدة أفراد تدعو للهرب أو التنبيه أن العدو تغلغل في الصفوف أو هاجم الموقع بقنابل فتاكة فترى هؤلاء قد أطلقوا سيقانهم للريح.

والعدو عادة يقتنص في مثل هذه الظروف المثيرة للذعر في دراسته للحالة المعنوية والتموينية والصحية لخصمه فيباشر حربه النفسية بمكبرات الصوت والإذاعة في توقيت محدد.

وعلينا ألا ننسى أن الإصابات الكثيرة وتفشي الأمراض والأوبئة والهزائم المتكررة والانسحاب على خطوط مليئة بجثث الموتى من الأصدقاء، وفقدان التماس مع العدو، وجهل مواقعه والشك بالنصر وفقدان الإيمان بالأهداف التي يحارب من أجلها العسكري وتفشي الروح الانهزامية.. جميع هذه العوامل تهيئ للذعر وتفشي الهلع وبكلمة موجزة نقول: إن الوحدة القلقة المضطربة المتعبة، الخائرة العزيمة، الفاقدة لإرادة القتال مثلها كمثل غابة يابسة الأشجار تكفي شرارة واحدة لتشعل النار في كافة أرجائها.

الرياض

 

رجوع

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة