ارسل ملاحظاتك حول موقعنا

Friday 23/03/2012/2012 Issue 14421

 14421 الجمعة 30 ربيع الثاني 1433 العدد

  
   

الأخيرة

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

واحدة من الصّحابيات السابقات إلى الإسلام، وكانت من أفصح النساء، وأجرأهنّ في السؤال وقد خلّد الله قصّتها مع زوجها في المظاهرة، حيث سمع الله شكواها، مع أنّ صوتها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم خافت جداً، وأنزل في حكايتها مع زوجها قرآنًا يُتلى إلى يوم القيامة، جاء في الاستيعاب أنه رُوِيَ عن

يوسف بن عبدالله بن سلام: أنّ اسمها خولة، كما رُوِيَ عنه أنّ اسمها خويلة بالتصغير (4: 1831) وهذا ينفي الأقوال الأخرى في اسمها.

فقد جاء في أُسْد الغابة لابن الأثير: بالسّند إلى يوسف بن عبد الله بن سلام قال: حدّثتني خويلة امرأة أوس بن الصامت، أخي الصحابي بن عبادة بن الصامت، قالت فيّ والله وفي زوجي أوس بن الصامت، أنزل الله صدر سورة المجادلة، قالت: كنت عند أوس، وكان شيخاً كبيراً، قد ساء خُلُقه، وضَجِر، قالت: فدخل عليّ يوماً فراجعته في شيء، فغضب وقال: أنتِ عليّ كظهر أمي، ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة، ثم دخل عليّ فإذا هو يريدني على نفسي، قالت: فقلت له: كلاّ والذي نفس خويلة بيده، لا تَخْلُصْ إليّ، وقد قُلتَ، ما قُلتَ، حتى يحكم الله ورسوله فينا، قالت فواثبني وامتنعت منه، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف، فألقيته عنّي.

قالت: ثم خرجت إلى بعض جاراتي، فاستعرتُ منها ثيابها، ثمّ خرجت حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجلستُ بين يديه، فذكرت له ما لقيت منه، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خُلُقه، قالت: فجعل رسول الله يقول: يا خويلة ابن عمك شيخ كبير فاتّقي الله فيه. فوالله ما برحتُ حتى نزل فيّ القرآن، فتغشى رسول الله، ما كان يتغشّاه، ثم سُرِّيَ عنه. فقال: يا خويلة، قد أنزل الله فيك وفي صاحبك، ثم قرأ عليّ: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ...} الآيات إلى قوله {وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، فقال رسول الله “مُرِيه فليعتق رقبة. قالت فقلتُ يا رسول الله ما ذاك عنده، قال رسول الله فإنّا سنعينه، بعَرَقٍ من تمر، قالت: فقلت يا رسول الله: وأنا سأعينه، وهذا بعد عجزه عن العتق والصيام، أو إطعام ستين مسكيناً وسْقاً لأنه شيخ كبير لا يقدر على الصيام.. ولما أخبرت رسول الله مع إعانته على الإطعام بِعَرَقٍ من تمر آخر، قال: فقد أصبتِ وأحسنتِ، فاذهبي وتصدّقي به عنه، ثم استوصي بابن عمك خيراً” ففعلت رواه أحمد.

وروي أن عمر كان واقفاً مع الجارود فمرت بهما خولة: فقالت العمر: كنا نسميك عميراً يا رويعي الغنم، وتذهب الأيام حتى سُمِّيت عمر، ثم تذهب الأيام حتى سميت بأمير المؤمنين، فاتق الله في الرَّعية، وأعلم أنه من خاف الوعيد، قرب عليه البعيد، ومن خاف الموت، خشى الفوت، فقال الجارود: قد اكثرتِ على أمير المؤمنين، أيتها المرأة، فقال عمر: أما تعرفها دعْها، هذه خولة التي سمع الله قولها، من فوق سبع سماوات فعُمر أحق والله أن يسمع لها. ولو أنها وقفت إلى الليل ما فارقتها إلاّ للصلاة ثم أرجع (كتاب الشعب 7: 92).

تُعرف خولة هذه بالمجادِلة، لأنها جادلت رسول الله، في مظاهرة زوجها، وسمع الله كلامها مع أن صوتها - كما قالت عائشة خافت جداً في مجادلتها لرسول الله: فنزل حكم الله الذي بان في أول سورة المجادلة التي بُدِئت بقوله تعالى: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ} الآيات.

قال ابن سعد في طبقاته: أول من بلغنا أنه تظاهر من زوجته، من المسلمين أوس بن الصامت، وكانت تحته ابنة عمه خولة بنت ثعلبة، التي أسلمتْ وبايعت رسول الله، وكان رجلاً كبيراً فقال لها: أنتِ عليّ كظهر أمي، فقالت: والله لقد تكلمت بكلام عظيم ما أدرى، مبلغه.

ثم عَمِدَتْ لرسول الله، فقصّت أمرها وأمر زوجها عليه، فأرسل رسول الله لأوس بن الصامت فأتاه فقال له: ماذا تقول ابنة عمك؟ فقال: صَدَقَتْ قد ظاهرت منها، وجعلتها كظهر أمي، فماذا تأمر يا رسول الله في ذلك؟ فقال رسول الله لا تَدْنُ منها، ولا تدخل عليها، حتى آذن لك، قالت خولة: يا رسول الله ما له من شيء، ولا ينفق عليه إلا أنا، وكان بينهم في ذلك كلام ساعة، ثم أنزل الله القرآن: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ..ز} الآيات، فأمره رسول الله بما أمره به في كفّارة الظهار، فقال: أوس لولا خولة لهلكْتُ.

وفي رواية محمد بن عمران جاء: أنّ من ظاهَر في الجاهلية تحرم عليه امرأته آخر الدهر، فكان أول من ظاهر في الإسلام، أوس بن الصامت، وكان به لحم - أي زيادة في الوزن - كما يفيق فيعقل بعض العقل، فلاقى امرأته خولة بنت ثعلبة، أخت أبي عبد الرحمن يزيد بن ثعلبة، وفي بعض صحواته، فقال أنتِ عليّ كظهر أمي، ثم ندم على ما قال لامرأته، وقال: ما أراكِ إلا قد حرِّمتِ عليّ، قالت: ما ذكرت طلاقاً، وإنما كان التحريم قبل أن يبعث الله رسوله، فأتت رسول الله وسألته، في بيت عائشة، فقالت: إنّ أوساً من قد عرفت أبو ولدي، وابن عمي، وأحبّ الناس إليّ، وقد عرفتَ ما يُعيبهُ من اللحم، وعجز قدرته، وضَعْفِ قوّته، وعَن لسانه.

وقد قال كلمة، والذي أنزل عليك الكتاب، ما ذكر طلاقاً، قال: أنتِ عليّ كظهر أمي، فقال رسول الله: ما أراكِ إلاّ قد حَرمتِ عليه، فجادَلَتْ رسول الله مراراً، ثم قالت: اللهم إني أشكو إليك شدّة وجْدي، وما شقّ عليّ من فراقه، اللهم أنزل على لسان رسولك ونبيّك ما يكون لنا فيه فَرَجْ.

قالت عائشة رضي الله عنها، فقد بكيت وبكى من كان معنا من أهل البيت، رحمة لها، ورقّة عليها، فبينما هي كذلك بين يدي رسول الله، تكلمه وكان رسول الله إذا نزل عليه الوحي، يغطّ في رأسه، ويتربّد وجهه، ويجد برداً في ثناياه، ويعرق حتى ينحدر منه مثل الجمان.

قالت عائشة: إنه لينزل عليه الوحي يا خولة، ما هو إلاّ فيك، فقالت: اللهم خيراً، فإني لم أبغ من نبيكِ إلاّ خيراً، قالت عائشة: حتى ظننت أن نَفْسَها تخرج فَرَقاً، من أن تنزل بالفُرقَهْ، فسُرَّي عن رسول الله وهم يبتسم، فقال: يا خويلة قد أُنزِلَ فيك وفيه، ثم تلا عليها: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا ...} إلى آخر القصة، ثم قال: مُرِيه أن يعتق رقبة، فقالت: وأي رقبة؟ والله ما يجد رقبة، وما له خادم غيري، ثم قال: مُرِيه فيصم شهرين متتابعين، فقالت: والله يا رسول الله ما يقدر على ذلك، إنه ليشرب في اليوم كذا وكذا مرّة، قد ذهب بصره مع ضعف بدنه، وإنما هو كالخرشَافَهْ، قال: فمُريه فليُطْعم ستين مسكيناً، قالت: وأنّى له ذلك؟ وإنما هي وجبة، قال: فمريه فليأتي أمّ المنذر بنت قيس، فيأخذ منها شطَرَ وسَق تمراً فيتصدّق به، على ستين مسكيناً.

قالت خولة: فنهضتُ لأرجع إليه فوجدته جالساً على الباب ينتظر، فقال لها: يا خولة ما راءك؟ قالت خيراً وأنتَ دميم، قد أمرك رسول الله أنّ تأتي أم المنذر بنت قيس، فتأخذ منها شَطرَ وسْقٍ تمراً، فتصدّق به على ستين مسكيناً، قالت خولة: فذهب من عندي يَعْدُو، حتى جاء به على ظهره، وعَهْدِي به لا يحمل خمسة أصواع، قالت: فجعل يطعم مدَّيْن من تمر، لكل مسكين. (الطبقات الكبرى لابن سعد 8: 378-380).

قال ابن الأمير في كتابه: أسد الغابة: رُوِيَ أن عمر بن الخطاب: خرج ومعه الناس، فمرّ بعجوز فجعل يحدثها وتحدثه، فقالوا: يا أمير المؤمنين حَبَسْتَ الناس على هذه العجوز؟ قال: ويلك. تدري من هذه؟ هي امرأة سمع الله شكواها من فوق سبع سماوات، هذه خولة بنت ثعلبة التي أنزل الله فيها: {قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا}، والله لو أنها وقفت إلى الليل ما فارقتها، إلا للصلاة، ثم أرجع، أخرجه الثلاثة (أسد الغابة 7: 93).

وقد أطال عمر رضا كحّالة، في سيرتها في كتابه أعلام النساء في عالمي الغرب والإسلام، (ينظر كتابه هذا الجزء الأول ص382 -384). وقد رُوِيَ أن سعيد بن جبير قال: كما نقله ابن كثير في تفسيره: كان الإيلاء والظهار من طلاق الجاهلية، فوقّت الله الإيلاء بأربعة أشهر، وجعل للظّهار الكفارة (4: 331).

ومن هذا فإنّ اسم خولة وقصّة ما حصل لها من زوجها تقترن بحكم شرعي في الظّهار، وما خفف الله به على المسلمين من معتقدات الجاهلية، الذين جعلوا الظّهار تحريماً مدى الدهر، فخفف ذلك سبحانه بالكفارة وأنزل به قرآناً يتلى إلى يوم القيامة، ولا اجتهاد مع النص الكريم.

فرضي الله عن الصحابية الجليلة: خولة بنت ثعلبة الأنصارية، فقد كانت حكيمة في جدالها، ورعة في سؤالها، صادقة في قولها، مسلمة حريصة على عدم خدش دينها، أمرها الله - كما في نصوص القرآن - فلتزمت وخفف الله عنها وعن النساء المسلمات بسببها بعد أن رحم سبحانه حالها في شكواها ووفائها مع زوجها وأدبها في عرض الشكوى، وتُعتبر وفيّة، ومثالية للمرأة المسلمة.

 

نساء خالدات: خولة بنت ثعلبة
د.محمد بن سعد الشويعر

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة