ارسل ملاحظاتك حول موقعنا

Friday 23/03/2012/2012 Issue 14421

 14421 الجمعة 30 ربيع الثاني 1433 العدد

  
   

الأخيرة

متابعة

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الثقافية

 

العواصم الإسلامية بين حلب وطشقند

 

 

 

 

 

 

 

 

رجوع

 

تأليف: الأستاذ/ خالد بن حمد المالك

قراءة: حنان بنت عبدالعزيز آل سيف (بنت الأعشى)

(الرحلات) فن عربي قديم أصيل، وقد تبحَّر فيه العلماء، واعتلى صفوته النبغاء، وسبر غوره الأذكياء، وقد أمدت (الرحلات) أدبنا العربي وتاريخنا المشرقي، بثروات فكرية، يعجز العقل قبل القلم في صفها ورصها. ويقول شاعرنا الأول في تعديد فوائد الرحلات، وترتيب فرائد السفرات، ما فحواه:

سفر الفتى لممالك وديار

وتجول في سائر الأمصار

علم ومعرفة وفهم واسع

وتجارب ورواية الأخبار

وأما الشافعي، الإمام الديني الشهير فيحصر فوائد الرحلة في خمس فوائد، لا سادس لها من وجهة نظره فيها، وهي التالية:

تغرب عن الأوطان في طلب العلا

وسافر ففي الأسفار خمس فوائد

تفرُّج هم واكتساب معيشة

وعلم وآداب وصحبة ماجد

ولله درّ الرحالة المشهور ابن بطوطه الذي أودع رحلته المسماه:

(تحفة النظَّار في غرائب الأمصار، فقد سبر دهاليز الزمان، وفتق بعقله عن تجارب الأعيان، وقد ورد في مقدمة رحلته، ما نصه:

(... هو الذي طاف الأرض معتبراً ، وطوى الأمصار مختبراً، وباحث فرق الأمم، وسبر سير العرب والعجم، ثم ألقى عصا التسيار...)

شاطيء مصر جنّة

ما مثلها من بلد

لا سيما مذ زخرفت

بنيلها المطرد

وللرياح فوقه

سوابغ من ورد

مسرورة ما مستها

داو دها بمبرد

سائلة هواؤها

يرعدُ عاري الجسد

والفلك كالأفلاك

بين حادرٍ ومصعد

وبين ناظري كتاب فريد، في جمال وروائع الترحال مفيد، وقد أسلفت لك عنوان الكتاب والكاتب، والمؤلف والمؤلف، وقد جادت به الأنامل الذهبية البيضاوية لدار نيسان البيروتية اللبنانية، وذلك في عام (2008م - 1429هـ) والطبعة التي أقر فيها هي الأولى لذاك العام المجيد التليد المنصرم، ويقع الكتاب في أربع وعشرين صفحة بعد المئة من شكل قطع الورق المتوسط، أوراق الكتاب لؤلؤية، وحرفياته سوداوية، وهو جميل الطبع، وسيم الطباعة، يحليه أوراق مصورة لجانب من جوانب مدينتي (حلب) في سورية، و(طشقند) في أوزبكستان، تضفي على الدراسة جانب المتعة والأنس والحلاوة والطلاوة، بعد جانب التوثيق الدقيق، والتدقيق الفريد.

والسؤال الذي يطرح نفسه علينا: ما الجديد الذي يرسمه هذا الكتاب، كما جاء على لسان المدير العام للمنظمة الإسلامية للتربية - والعلوم والثقافة، الدكتور الفاضل: عبدالعزيز بن عثمان التويجري - يحفظه المولى جلَّ في عُلاه- وجواب السؤال كالآتي من قول المدير العام: (يسعدني أن أقدم كتاب (العواصم الإسلامية بين حلب وطشقند) لمؤلفه الأستاذ/ خالد بن حمد المالك، للقارئ الكريم الذي سيجد فيه صورة مشرقة الملامح بهيّة القسمات، للمدينتين اللتين احتفي بهما عاصمتين للثقافة الإسلامية لعام 2006م، الأولى عن المنظمة العربية، والثانية عن المنظمة الآسيوية (وهو كتاب مفيد، يغذي الفكر، وينعش الذاكرة، ويظهر في نصاعة عبارة، وجمال أسلوب، ورشاقة قلم، ما توخيناه في المنظمة الإسلامية للتربية العلوم والثقافة من سامي الغايات من وراء برنامج عواصم الثقافة الإسلامية، فهو يرسم لنا صوراً جميلة لمظاهر الحياة في هاتين المدينتين التاريخيتين العريقتين، إذ يأخذنا في جولات افتراضية إلى أسواق حلب وطشقند ودروبهما ومساجدهما وأسبلتهما، وقصورهما القديمة، ومعاهدهما العتيقة، ومعالمهما التاريخية، فينقلنا إلى أجواء الماضي حيث يفوح أريج التراث، ثم يعود بنا إلى الحاضر في سياحات تبرز لنا روائع الفنون المعمارية والصناعات التقليدية والمؤلف في كل ذلك كاتب متمكن ذو تجربة وخبرة ومعرفة دقيقة بأحوال هاتين المدينتين في الماضي، استقاها من قراءاته الموسعة في المؤلفات التاريخية، وكتب الرحلات، والخطط، وإني لحريص على أن أهنئ المؤلف الصحافي الكبير رئيس تحرير جريدة (الجزيرة) الأخ الأستاذ خالد بن حمد المالك بهذا العمل المتقن).

هذا الكتاب الذي بين يديك عزيزي القارئ - جد جميل، جد مؤنس، جد ممتع، وفيه إشارات هامة وملحوظات عامة، عن المدينتين السالفتين: حلب، وطشقند، فهو يشير إلى ثقافة هاتين الأمتين ومعارفهما وأحوالهما، إضافة إلى استعراض علماء بارزين في هاتين المنطقتين سطعت أنوارهم، وفشت قرائحهم، وازدهت ملكاتهم، عبر أطوار المراحل الزمنية التاريخية.

يقول المؤلف الحصيف -حفظه الله تعالى- ما نصه: (إن وضع هاتين الورقتين قدمتهما في حلب إحدى المدن السورية، وفي طشقند عاصمة أوزبكستان في كتاب، إنما كان الهدف منه إعطاء القارئ صورة وإن لم تكن كاملة عن دور تاريخي مهم ارتبط باسمي المدينتين على امتداد التاريخ، ولا يزال هذا الدور إلى اليوم يحتفظ بقيمته وأهميته، كلما كان هناك بحث أو دراسة أو استقصاء لمعلومة عن حركة التاريخ في هذا الجزء من العالم، بحكم العلاقة التي تربط المدينتين بالحضارة الإسلامية بكل صورها ومؤثراتها وتأثيراتها الإنسانية والثقافية مفضلاً عن الدينية)، ثم يسترسل المؤلف - حفظه الله- في حديث عذب عذيب عن هاتين المحاضرتين فيقول: (إن هاتين المحاضرتين تجمعهما المناسبة الواحدة، وأعني بذلك اختيار كل من المدينتين عاصمة للثقافة الإسلامية، كما أن موضوعهما إنما يتحدث عن أعلام من المسلمين برزوا في كل من حلب وطشقند، وآثار مهمة وجدت في كل من المدينتين، ونشاط ثقافي وتأليفي كان يتم في عاصمتي الثقافة الإسلامية، ومدارس إسلامية تخرج فيها العلماء والرواة - والمبدعون في كل مجال وميدان في مدينتين تاريخيتين، وهو ما شجعني على بذل الجهد فيما كتبته عنهما في هذا الكتاب ذي الحجم الصغير، والصفحات القليلة) وتذكرنا عبارة المؤلف السابقة بما سطره يراع الأديب الحاذق، الكاتب الظريف، في كتابه الطريف (رحلات إلى الشرق والغرب):

سعادة الأستاذ: عبدالله بن حمد الحقيل - حفظه الله ورعاه- الذي يقول في طبعته الأولى لعام (1414هـ - 1993م) طبعة (دار أضواء المعرفة) ما نصه: (الرحلات مصدر للمؤرخ والجغرافي وعالم الاجتماع، وفيها قدوة للمقتدي بحيث يستفيد منها العظة والعبرة والفائدة ويترك الأثر الحسن بما شاهد ورأى،.... ولقد أمد الكثير من الرحالة الثقافة العربية بثروة فكرية وتاريخية وجغرافية، وجمعوا قدراً كبيراً من المعلومات وكتبوا الرحلات التي قاموا بها، والرحلات كما يقال: شيء ثابت لا يأكله الدهر، وتظل لها طابعها، فرحلة ابن جبير وابن بطوطة زادها الدهر خلوداً ورونقاً وإعجاباً، وترجمت إلى لغات شتى، لأن النفس بطبيعتها تواقة إلى المعرفة، واستطلاع ما كان عليه العالم قديماً، وكيف كانت حياته وتقاليده، فالرحلات من أهم مصادر دراسة التاريخ، وتتحول إلى وثائق علمية وذكريات لها خصائصها وسماتها، ولقد قيل: (إن من يسافر كثيراً يتعلم ويعرف كثيراً) وفي هذا المعنى والمغزى والمرمى ضرب أبو تمام كبد الحقيقة حين نقش على ديوان الشعر بقوله:

وطول مقام المرء في الحي مخلق

لديباجتيه فاغترب تتجدد

فإني رأيت الشمس زيدت محبة

إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد

ومن هنا يتجلى لنا هدف الأديب المتأدب، الأستاذ الفاضل: خالد بن حمد المالك من وراء تقييد وتوثيق وتسطير هاتين المحاضرتين عن مدينتين تاريخيتين عريقتين، كما مر بك سالفاً، وخطر لك سابقاً، حلب وطشقند، فهو هدف ثقافي علمي يصف لنا هاتين البلدتين ثقافياً وعلمياً وتاريخياً، يحكي لنا الأخبار، ويسرد لنا الحوادث، ويجوب لنا الأقطار، في تنقله بين المسالك والممالك، والديار والمنازل، ويتخذ المؤلف - حماه الله - في هذا الكتاب موقعاً وسطياً بين الباحث والسائح والمؤرخ ويقدم قراءات في ملامح مدينتين إسلاميتين عريقتين، فهو - سلمه الله - يمزج بين الحقائق والمشاعر، والتاريخ والجغرافيا، والأرض والناس، وفي كل ذلك، بل وأقول: أكثر من هذا وذاك، يحمل بين جنبيه، ويخفي بين بردتيه، ذاتاً شفافة، ونفساً تواقة، وروحاً وثابة، تتصل بالقراء رغم المسافات الزمانية، والأطوال المكانية، ملغياً الحواجز الفكرية، مستلهماً الروابط الثقافية، بين مصر ومصر، وقطر وقطر، ويؤكد المالك في رؤيته الثقافية على جمال هاتين المدينتين، وروعة حسنهما، وهي ما تظل معتزة به من أطلال دارسة، جاءت بفضل قلمه عامرة، ومن آثار بالية، جاءت بفضل بيانه جديدة متحركة حية، فالمدينة الجميلة، والمنطقة الزاهية، هي ما تظل معتزة بآثارها وأسواقها ومبانيها القديمة، ولم يكن الكتاب قصراً على هاتين المدينتين بل تجاوزهما إلى أمصار إسلامية، عفى عليها الزمان، وعق ذكراها النسيان.

سح في البلاد إذا أردت تعلما

إن السياحة في البلاد تفيد

وقد حاول مؤلف الكتاب أن يكون موضوعياً بحتاً في طرحه المعلومات، وتناوله الحقائق، ودراسته الآثار، لكن مشاعره الفياضة، وخلجاته الشعورية، تقطع عليه ركب هذا الشعور والاحساس وأرهفه أيها القارئ السديد أذنك ليقول لك: (وفيما كنت أكتب هذه الكلمات، مع حرص شديد على الموضوعية، والالتزام بمتطلباتها، كان يخيم علي جو مشحون بالعواطف، وكنت أشعر بالضعف أمام مقاومة مشاعري الخاصة عند الحديث عن حلب الشهباء، فجدتي من أمي سورية الأصل والمنشأ والولادة، كما أن جدة زوجتي من أبيها هي الأخرى سورية الأصل والمنشأ والولادة أيضاً، وبالتالي فلا يمكن لمن يتمتع بمثل موقعي من العلاقة الأسرية بسورية، وأن يشعر بالغرابة أو بتبلد العواطف عند حديثه عن مدينة في دولة تشكل كل هذه الأهمية، بالنسبة إليه، بل ليس بمقدوره ولا بإمكانه أن يتخلى عن عواطفه، ومشاعره نحوها، بينما تبدو مسافة الصلة والعلاقة بها بهذه الصفة.

من الخصوصية وبمثل ما أشرت إليه، لكني مع هذا أؤكد لكم أنني لم أقل عن حلب، ولم أكتب عنها، بما لم يتفق المؤرخون عليه، فأكون بذلك قد خالفت ما هو حقيقي وصادق عنها، تحت تأثير هذه العلاقة الحميمية التي أشرت إليها، إلا أن يكون ذلك قد حدث عن غير قصد بل إن كلامي - ربما - لم يعطها حقها كاملاً أمام ما قيل وسيقام عنها، من حقائق أهلتها لأن تكون عاصمة للثقافة الإسلامية).

وهنا أسوق لك أيها القارئ الكريم مصداقية كلمة المؤلف السابقة، فأنا أتفق معه كل الاتفاق، وألتقى معه في نفس هذه الرؤية، فقد خلبت حلب لب من زارها، من عالم وباحث وأديب ورحالة، ويأتي على ناصية هؤلاء كلهم - ابن بطوطة - في رحلته المشهورة، فقد زارها، واحتبى في ربوعها، وتفنن في رسم أوصافها، ورسم إدامها، فيقول - رحمه الله -:

(وقلعة حلب تُسمى الشهباء، وبداخلها جبلان ينبع منهما الماء، فلا تخاف الظمأ، ويطيف بها سوران، وعليها خندق عظيم ينبع منه الماء، وسورها متداني الأبراج، وقد انتظمت به العلالي العجيبة المفتحة الطيقان، وكل برج منها مسكون، والطعام لا يتغير بهذه القلعة على طول العهد، وبها مشهد يقصده بعض الناس، يقال: إن الخليل عليه السلام كان يتعبد به، وهذه القلعة تشبه قلعة رحبة مالك بن طوق، التي على الفرات بين الشام والعراق، ولما قصد قازان طاغية التتر مدينة حلب، حاصر هذه القلعة أياماً ونكص عنها خائباً).

أسفت لفقدك جُلّق اليحاء

وتباشرت لقدومك الشهباءُ

وعلى دمشق وقد رحلت كآبة

وعلى رُبا حلب سناً وسناءُ

قد أشرقت دارٌ سكنت فناءها

حتى غدت ولنورها لألاءُ

وقد تحدث الأستاذ/ خالد المالك عن مدينة حلب بإسهاب مليح، وتناول خطوطاً عريضة، منها: البحث في تسمية «حلب»، أسماء طائفة من الأعيان النابهين في فنون عدة عاشوا في كنف حلب، وكان لهم سبق معرفي عريق عتيق، حلب في عيون الرحالة والأعيان الأوروبيين، حلب في عيون فطاحلة الشعر العربي القديم، أول من أسس صحيفة عربية حلبية.

بلد يظل بها الغريب كأنه

في أهله فاسمع جميل ثنائها

ثم انتقل - حفظه الله - إلى مدينة طشقند، وأبدع في حديثه عنها وأتي بكلم ملم مفيد، سهل ممتتع، مكر مفر، وتناول طشقند من مناحي عدة، كطشقند مدينة لها مكانتها الحضارية، وعلماء أوزبكستان ومعالم مدن أوزبكستان، ثم فاتح مدينة طشقند وصفة مصحف عثمان بن عفان - رضي الله عنه.

وأخيراً إن المتتبع لصفحات هذا الكتاب ليقتنع تمام القناعة، ويؤمن كل الإيمان، بما قام به الصحفي الرائد، والأستاذ خالد بن حمد المالك -حفظه الله تعالى - من جهد جهيد، على أساس من البحث والتنقيب والتمحيص، فعلى أكتاف النبغاء والصلحاء والأذكياء والنبهاء من أمثاله تقوم كتب الرحلات، على رأس وأساس، وعلى قدم وساق، ومن الحقائق التي يُسلم بها القارئ في حالة اطلاعه على هذا الكتاب ناحية الشمولية في الطرح، حيث عمد إلى حقائق محاضرتيه فأشبعهما بحثاً وتحليلاً وإبانة، وقد نحا هذا المنحى في تناوله لتاريخ هاتين المدينتين الإسلاميتين، والتي هما من عواصم الثقافة الإسلامية الشماء البارزة لا يختلف في هذا مختلفان، ولا يتنازع فيه متنازعان، فقد غدت هاتان المدينتان مرتعاً ومرفئاً للسمة الحضارية، بل استقلت بأعلام الحضارة، وأمارات التقدم والتطور والنزاهة، فهذا الكتاب ذكرى، وخاطرة، ورحلة، وتاريخ، قد قدم لكل من مدينتي حلب وطشقند بسهولة ورصانة ووضوح بعيداً عن التكلف والتقعر والإسفاف، وأكاد أراهن ولا أغلب على رهاني هذا، ولا أذهب بعيداً، ولا أقول إلا حقيقاً، أنك - أيها القارئ العدل - ستجد فيه متعة وفائدة ومسرة، فلا يغلبنك عليه غالب.

 

رجوع

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة