ارسل ملاحظاتك حول موقعنا

Sunday 25/03/2012/2012 Issue 14423

 14423 الأحد 02 جمادى الأول 1433 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

لا يشك مسلم في أن الله - سبحانه وتعالى - قريبٌ من عباده، يجيب المضطر إذا دعاه، ويسمع صوت المؤمن إذا ناداه، لكن كما هو معلوم هناك شروط للدعاء المستجاب؛ فليس من المعقول أن يستجيب الله - سبحانه وتعالى - لمن يعصي أوامره؛ فعلى المسلم أن يتحرى الصدق دائماً في كل ما يقول ويفعل مع نفسه ومع الآخرين،

وعليه أن يترفع عما يزري بمقامه ويقلل من قيمته، ثم عليه بعد ذلك أن يتحرى الأوقات التي حددها السادة العلماء والجهابذة العلماء في أسفارهم لإجابة الدعاء، مع أن جميع الأوقات وجميع الأمكنة مظنة للدعاء المستجاب إذا صدر من القلب، وكان الغرض منه رفع بلاء أُصيب به الإنسان، أو دفع ظلم وقع عليه، أو الصفح عن ذنب ارتكبه وندم على ذلك وعاهد ربه ألا يعود إليه أبداً.

هذه أمور يعرفها كل مسلم، وقد استقرت في ذهن كل مؤمن، ولكن ما أود عرضه في مقالي لهذا الأسبوع ما قرأته في عدد قديم من مجلة (ريدرز دايجست)، يزري فيه كاتبه بأولئك الذين يقللون من أهمية الدين، ومن أهمية الصلاة (ويريد بها الدعاء)، ومن أهمية التضرع والابتهال إلى الله - سبحانه وتعالى - ويقول عنهم: إنهم عديمو النظر، ضيقو الأفق، قليلو الخبرة، وأن الله - سبحانه وتعالى - قريب من عباده، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وأنه - سبحانه وتعالى - يرعانا، ويستجيب لدعائنا إذا صدر من أعماق قلوبنا، واستنفدنا جميع الوسائل التي تساعدنا في حمل الكرب والهم اللذين يجثمان على صدورنا، وأن الصلاة والتضرع إلى الله - سبحانه وتعالى - تجلب لنا السعادة والهناء والاستقرار، وتزيح عن كواهلنا كل مسببات القلق والتوتر والشك والخوف، كما أكد ذلك علماء النفس، بل إن الصلاة بإمكانها شفاؤنا من جميع الأمراض والعلل التي تصيب أبداننا، وتذيب أجسامنا بقدرته - سبحانه وتعالى - التي لا حد لها ولا نهاية.

ويسوق الكاتب في نهاية مقاله قصة لقوم اضطرت طائرتهم التي تقلهم إلى النزول في البحر، أو السقوط في البحر بعد أن تلف أحد أجهزتها؛ حيث تركوا طائرتهم الصغيرة تغالب أمواج البحر، وانصرفوا، وقد بلغ منهم الإعياء مبلغه، إلى البحث عن شيء يتعلقون به؛ ليوصلهم إلى الشاطئ، وأخيراً وبعد أن تمكنوا من السباحة والوصول إلى الشاطئ كان هذا الشاطئ مهجورا، ولا أثر فيه للحياة والأحياء، ولم يكن معهم بطبيعة الحال ما يأكلونه أو يشربونه، وهكذا ظلوا يهيمون على وجوههم بحثاً عن إنسان لمساعدتهم، ولكن دون أن يلمحوا أحداً، وأخيراً خطر لأحدهم (والعجيب أنه كان أصغرهم سناً) خاطر، فأشار عليهم بالتوقف عن المسير، وطلب أن يتابعوه فيما يقول، وبدأ الرجل يدعو ويتضرع إلى الله - سبحانه وتعالى - والقوم يؤمِّنون على كلامه، ويتابعونه في دعائه، وأخيراً توقف الرجل فترة قصيرة عن الدعاء، وقال لهم بعد أن لاحظ فتور همتهم، وخور عزيمتهم، وعدم قدرتهم على متابعته في الدعاء، كلمة أثارت دهشتهم، ورفعت روحهم المعنوية، قال لهم: إنني متأكد أن الله - سبحانه وتعالى - قد استمع إلينا، وبلغه أنيننا، وأنه سوف يساعدنا، فانتظروا الفرج واصبروا.

وهكذا ظلوا يهيمون على وجوههم في ذلك الوادي السحيق، وتحت وهج الشمس المحرقة، وفوق الرمال الوعثاء، وقد تشققت شفاههم، وورمت ألسنتهم؛ فعجزوا عن مجاراة قائدهم، ولكنهم مع ذلك ظلوا يدعون بقلوبهم، وبعد ثلاثة أيام، وقبل الغسق، لمحوا عن بُعد معالم جزيرة صغيرة، وما لبثوا أن شاهدوا ما لم يكن يجري لهم في خلد؛ فقد أقبلت عليهم ثلاثة زوارق فيها عدد من الرجال، واتضح فيما بعد أن منقذوهم من أهل (أستراليا) الأصليين، وقد جاؤوا من داخل البلاد على مسافة مئات من الأميال، وقالوا لهم: إنهم كانوا يهمون في اليوم السابق لرؤيتهم بالرجوع بصيدهم إلى مقرهم، لكنهم أحسوا بدافع غريب يدعوهم إلى تغيير اتجاههم، بل إن الزوارق نفسها انحرفت بهم تجاه هذا الشاطئ، فجاؤوا إلى هذا الشاطئ المرجاني المهجور الذي لا قيمة له، ولم تطأه قدم إنسان، ولمحوا عن بُعد هؤلاء المنكوبين؛ فأسرعوا إلى نجدتهم، فكانت لحظة بكاء وفرح، ولحظة عظة وعِبْرة للمنجِدين والمنجَدين!

ويعقِّب كاتب المقال بقول عالم النفس الألماني الشهير فرانك لوباخ “مهما بلغ شعورك بوحدة نفسك فاعلم أنك لست بمفردك أبداً، فإذا كنت على جانب الطريق فسر وأنت على يقين من أن الله يسير على الجانب الآخر”.

والمسلم يجب أن يكون اعتقاده أكبر من هذا وأعمق، إنه يؤمن بأن الله معه حيثما كان، وليس على الجانب الآخر من الطريق؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - يقول في محكم كتابه {وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير} ويقول على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - {لا تحزن إن الله معنا}، وورد في الحديث القدسي “أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني” فهو معنا - سبحانه وتعالى -، نعم هو معنا بعلمه وقدرته، يكلؤنا برعايته، ويحوطنا بعنايته.

والله الموفِّق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.

 

قصة واقعية ذات مدلول عميقٍ عميق
د. محمد بن صالح الجاسر

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة