ارسل ملاحظاتك حول موقعنا

Tuesday 27/03/2012/2012 Issue 14425

 14425 الثلاثاء 04 جمادى الأول 1433 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

يعتبر مصطلح النهضـــة مــن المصطلحات حديثة الاستعمال في المجتمع العربي المعاصر، وقد صيغ من مادة “نهض”، لينقل إلى لغة الضاد مضمون الكلمة الفرنسية “Renaissance”، ومدلول الكلمة في الأصل “ميلاد جديد” أو “تكرار الميلاد”. وقد استخدم هذا المصطلح “Renaissance” أول ما ظهر للإشارة إلى المذاهب العامة الاجتماعية والفلسفية التي ظهرت في إيطاليا أولاً، ثم امتد إلى بقية دول أوروبا خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين، واصطلح على تسمية هذين القرنين عند كثير من الكتّاب والمفكرين “بعصر النهضة”. كما أطلق على العصر السابق عليه اسم “العصر الوسيط”، أي الذي يتوسط بين عصر النهضة الحديثة وعصر ما يسمّى “بالحضارة الكلاسيكية”.. وسُمِّي “عصر النهضة” بهذا الاسم مقارنة بالعصر الأوروبي الوسيط، الذي ساد فيه الجهل والحجر على العقول والإقطاعية والاستبداد الكهنوتي!!.

لقد كان ما يسمّى “بعصر النهضة “ في أوروبا ثورة على تقاليد العصور الوسطى في مجالات الدين والفلسفة والعلم والفن والأدب والسياسة والاقتصاد وغيرها. ويؤثر البعض من الأوروبيين خاصة اللاهوتيين منهم إطلاق لفظ الإحياء “Restituto” بدل النهضة، لأنّ الأخير يعني أنّ العصر الذي سبق كان عهد تخلُّف وسقوط - وهذا خلاف ما يعتقدون -، ولكون الحركة في حقيقتها إحياء للتراث اليوناني القديم، وانفتاحاً على كل ما به، حتى ولو كان ضد الإيمان والكنيسة.

ولعصر النهضة الأوروبية سمات أبرزها: الميل نحو الفردية المطلقة، وتمجيد شخصية الفرد، واعتباره مركز الكون، ومحور النظام السياسي وغايته، ومقياس كل شيء، والثقة في قدراته وأهليته في تحقيق سعادته الخاصة وسعادة مجتمعه في آن واحد دون وصاية عليه من سلطة دينية أو زمنية، الأمر الذي أدى إلى مولد مبدأ الحرية وإعلائه على غيره من المبادئ، باعتباره القيمة العليا التي تُقدَّم على كافة القيم الأخرى. كما شهد عصر النهضة بداية اللاهوت العقلي إذ حُكِّم العقل في كل شيء، واعتبر أساس الإيمان، وسبب خلاص الإنسان، وسر نجاح كل نظام. وهذه المبالغة في تقديس الفرد والعقل أفرزت العديد من النظريات والمذاهب المادية والإلحادية التي تميز بها عصر النهضة.

وهكذا يتضح للقارئ الكريم أن “النهضة في الفكر الغربي” ترتكز على مفهوم فلسفي مذهبي، وآخر تاريخي، وقبل هذا وذاك لها دلالتها اللغوية التي تعتبر مدخلاً صالحاً لفهم هذا المصطلح الفكري، فتكرار الميلاد في القاموس الفرنسي يعني أنّ هناك حركة جذرية جديدة ترتد بالأمة الأوروبية إلى البدايات - عصر اليونان - حيث الفتوّة والقوة.. أما المعنى التاريخي فيتمثل في إضافة كلمة عصر إلى كلمة نهضة Renaissance ويطلق على القرنين الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين اللذين بدأت فيهما مرحلة الإحياء، أي العودة إلى البدايات وما ساد فيهما من حركة شاملة تنتظم الأدب والاجتماع ونظم الحكم وما إلى ذلك.. من هنا جاءت لفظة الإحياء التي يفهم منها الارتداد إلى التراث الإغريقي والروماني في قمة ازدهاره “ أي في عصره الذهبي”. وهذا يقود بالضرورة إلى الحديث عن المدلول الفلسفي الذي يتضمّن مرتكزات أساسية خاصة بالنهضة الغربية التي أصبحت فيما بعد أنموذجاً يحتذى لدى شريحة عريضة من المفكرين والكتّاب القوميين خاصة في بلادنا العربية، من ذلك الإعلاء من القيم الليبرالية ممثلة في الحرية الفردية والعقل، والذي كان ردة فعل واضحة ضد طغيان الكنيسة ومصادرتها للحريات العامة والخاصة وامتهانها لكرامة الإنسان، والاستبداد المطلق الذي شهدته أوروبا في القرون الوسطى المظلمة.

لقد كانت الثورة على الطقوس الكنسية مدخلاً اعتمده روّاد النهضة الأوروبيون مفتتحين به عصرهم الجديد، وكانت الدعوة إلى التحرر بمفهومه الواسع أول صيحات هذا العصر. وقد صاحب هذه النهضة بعد أن اشتد أُوارُهَا شيء من العنف في وسائل التغيير، فأصبحت الثورة رديفة للنهضة، كما حدث إبان الثورة الفرنسية وغيرها. ولم تكن الثورة سياسية اجتماعية فحسب، بل عمت مناحي الحياة المختلفة كما هو معروف.. هذا عن المصطلح في الفكر الغربي أما في فكرنا العربي فسوف أعرض له يوم الخميس القادم بإذن الله، دمتم ومن تحبون بخير وإلى لقاء والسلام.

 

الحبر الأخضر
مفهوم النهضة“في الفكر الغربي” 1 - 2
د.عثمان بن صالح العامر

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة