ارسل ملاحظاتك حول موقعنا

Tuesday 27/03/2012/2012 Issue 14425

 14425 الثلاثاء 04 جمادى الأول 1433 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

ليس للصرف الصحي من اسمه نصيب، فهو اسم على غير مسمى، بل إن معناه عكس تسميته، فهو صرف لشيء غير صحي، شيء مقزز وأنتم كرامة. ولذلك فتفكير الإنسان في التخلص من فائضه الصحي قد يكون فطرياً، وما أن تنظّم الإنسان في تجمعات سكانية كبيرة حتى فكر أولاً في كيفية

تنظيم صرفه الصحي. وبعض المدن انتهى من تنظيم هذه الإشكالية من مئات السنين، والبعض الآخر، كبعض الدول المتخلفة، يصرفها في الأنهار والبحيرات من حولها، والأكثر تخلفا هو من يصرفها في الشوارع. وهناك دول متخلفة أو فقيرة اعتنت بأمر الصرف الصحي بشكل متميز، وهناك مدن كبيرة في دول غنية مثل بعض مدننا الكبيرة تعثر فيها الصرف الصحي بسبب التأجيل، وتعطل المشاريع، وسوء التخطيط، وإذا أردت أن تعرف مدى تنظيم مدينة ما فانظر لتصريف أمورها الصحية في المقام الأول فلا قيمة لحدائق جميلة بجوار مجارير سائبة.

ومما يؤسف له أنه في بعض شوارع أحيائنا، ومنها أحياء راقية، حيث الواجهات مزينة بالرخام، وبيافطات النيون على أحدث طراز، والأرصفة تعج بالمحلات والمطاعم، والعيادات، ومحلات الورد، ومع ذلك تجد الصرف الصحي يجري كالجداول في الشوارع. ومن لا يعرف ما هذا الذي يجري في الشارع يخاله تهريباً في شبكات المياه، أو مياه تنزل من خزانات، أو تنبع من الأرض، ومن يعرفه أو يقترب منه يتلمس شماغه ليسد أنفه، ويولي الأدبار هارباً.

هذا المكون غير الصحي، الذي يجوب بعض شوارعنا تجففه الشمس الحارقة وتذروه الرياح في مواسم الأغبرة في كل اتجاه. ولا يريد الكاتب أن (يحوم كبد) القارئ الكريم، ولكن هذه هي الحقيقة، حقيقة مقرفة. وقرف يتسلل إلى كل شيء بسب الاستهتار بالصرف الصحي. تقود سيارتك في الشارع فتجد نفسك دائما خلف شاحنة ضخمة صفراء بلون الموت كتب عليها “مياه صرف صحي”، وإذا كنت غير محظوظ وكانت قد فرّغت للتو من التعبئة، فإنك قد تتقرف من التسريبات من مؤخرتها، لأنها دائما مملوءة أكثر مما ينبغي، ولو صدف وصادفتك طلعة أو مخرج طريق سريع فستفاجئك شلالات السوائل الصحية وتأخذك على حين غرة وأنت في زحمة السير. هذه الشاحنات القبيحة لوناً، وشكلاً، وشاكلة تشاهدها هذه الأيام في كل مكان لا سيما بعد أن ازداد بناء العمائر السكنية على شوارع تفتقر لأبسط مقومات المرافق الصحية، ويقودها عادة سائقون متخلفون ومتسللون بلا أوراق، يقودونها بكل ثقة لأن لا أحد يريد أن يقترب منها للتفتيش على من يعمل عليها رغم أنها أصبحت معلماً من معالم مدننا.

الأدهى والأمر، وبعد أن أصبح الصرف الصحي تجارة مربحة ودخلت فيها مؤسسات كبرى، بحيث تضاعفت أساطيل الشاحنات الصفر في الشوارع وكأنما البلاد في حالة استنفار، وبعد أن أصبحت خدمات شفط الصرف الصحي من أهم الخدمات التي تدر الصرف النقدي، أصبح بعض السائقين يعمل كاللموزين، أي بالنسبة، بحيث يؤدي سائق شاحنة الصرف الصحي مبلغاً معيناً للشركة والباقي يترك له ولجهده ونشاطه، فأصبحوا يفرغون حمولاتهم في أي أرض فضاء مجاورة، ويعودون أدراجهم بسرعة فائقة للتحميل مرة أخرى في سباق مع الزمن ومع العملية البيولوجية للإنسان. وفي بعض الأحيان يترك السائق مؤخرة الوايت مفتوحة نصف فتحة بدعوى النسيان المتعمد فيفرغ حمولته خلال ربع ساعة دوران في شوارع الأحياء المحيطة توفيراً للوقت والجهد.

فإلى متى سيستمر هذا الحال المقزز المخجل؟ في تصوري فإن موضوع الصرف الصحي من أكثر المواضيع إلحاحاً، فنحن شعب مسلم ننشد الطهارة في كل شيء في أجسادنا وملابسنا، ونحن نتوضأ قبل كل صلاة، ومدننا تعج ببيوت الله، فما بالنا ننجس مددنا بأكملها، فالمدينة التي ليس بها صرف صحي فعّال تشبه الشخص غير السوي الذي يحدث على نفسه. ونحن شعب معرض للرياح والغبار، ونسبة الربو لدينا من أعلى النسب في العالم، وكذلك أمراض الكبد وغيرها من الأوبئة، إضافة للبعوض وغيره من الحشرات. فعدم وجود صرف صحي فعال يعتبر كارثة بكل المقاييس. ومما يؤسف له في هذا الوضع المزري، أن أكثر المشروعات تعثراً هي مشاريع الصرف الصحي، وهناك مقاولون ومشروعات متعثرة منذ سنوات طويلة نتيجة للاعتراض عليها من جهات أخرى تنفذ مشاريع أخرى بسبب سوء التنسيق معها، أو نتيحة لسوء التصميم والتخطيط، وما تعطل منها يترك على طمام المرحوم وقد يدخل في مجارير النسيان لا سيما وأنه ليس هناك جهة رقابية خاصة للإشراف على مشاريعه.

فسمعة جانب الصرف الصحي من وزارة المياه ليست بكفاءة وسمعة جانب المياه. وسمع الكاتب من كثير من الناس أن المسؤولين عن هذه المشاريع في مدننا الكبيرة الرئيسة هجروها ركضاً وراء الانتدابات للعمل في المدن الجديدة مثل المدن الاستثمارية، والصناعية في شمال المملكة وجنوبها وتركوا المواطنين يتدبرون أمرهم مع أساطيل النقل الصفراء. وأتذكر أن الوزارة قدمت وعداً للمواطنين في عام 2010م أنه بعد أربع سنوات ستغطى الرياض بكاملها بشبكات الصرف الصحي، وبكلفة سبعة مليارات ريال، ومضى الآن ثلاث سنوات ونصف وعدد سيارت “الشفط” الصحي في تزايد. فكيف نفسر إذن أن كثيرا من المواطنين لم يحفر بيارة في بيته إلا بعد عشر سنوات من انتهاء مسكنه لأنه عندما كان يبني مسكنه كان هناك من يحفر المجاري أمام بيته، فاعتقد أن المجاري ستوصل قبل أن ينتهي من عملية البناء لأنه قد تم تأسيس شبكة كاملة من المجاري للحي الذي يسكن فيه، ثم يفاجأ بمرور وقت طويل من الانتظار، وهو في رجوى سكن منزله الجديد أن شبكة الحي لم تربط بالشبكة الرئيسية إما لوجود صعوبات، أو لتقاعس المقاول، أو لإهمال المسؤولين في المتابعة، ليعود، بعد كل هذا الانتظار، ويهدم جزءاً من بيته، أو يشتري أرضا مجاورة له بالأقساط ليحفر بيارة، فمن المسؤول عن هذه الفوضى؟ فالأمر لا يحتمل الانتظار، وشكل الوايتات تشفط البيارات في كل مكان مقزز إضافة لكونه يعتبر أكبر مظهر من مظاهر التخلف. وقد يدهش البعض لو قيل له إن التأخر في تنفيذ الصرف ينطوي على خسارة استثمارية من نوع آخر أيضاً، فمعلوم أن نصف الصرف الصحي في الرياض يعالج معالجة نهائية بحيث يخلص من الشوائب ويحول لماء معالج صالح للري والتشجير. وهناك مزارع حول الرياض تسقى بمياه صرف منقاة. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أننا بلد يعاني من شح المياه، ومن انقطاعها في فترات الصيف لعرفنا ليس فقط أهمية الحفاظ على المياه، ولكن الاستفادة من إعادة معالجة الماء المصرف صحياً، ليكون صحياً فعلاً يستفاد منه للري والتشجير أو غسيل السيارات أو غيرها. فنظرياً يمكن الحصول من الصرف الصحي على ماء نقي لدرجة كبيرة لو تمت معالجته بشكل صحيح، بدلاً من شفطه وتلويث المدن والأجواء به. نتمنى أن تشهد الأحياء التي تعطل فيها الصرف الصحي في الرياض لحل عاجل، ومنها أحياء في الشمال مثل الرائد والصحافة، وأحياء في شرق الرياض وجنوبه، لأنها أحياء مأهولة منذ زمن بعيد وتم إنشاء اصرف الصحي في أحياء أبعد منها، كما نتمنى أن توكل أعمال الصرف الصحي لشركات قادرة على تنفيذها بسرعة وكفاءة لأن مشاريع الصرف الصحي المعلقة أكثر من المنفذة، وبعضها معلق من أكثر من خمس سنوات. وسنمنح الوزارة سنة إضافية أي إلى 2015م لتحول الرياض فعلاً من الشفط الصحي إلى الصرف الصحي. مع العذر من عدم نظافة الموضوع، لأنه كان الأولى بنا أن نكتب عن الفن، أو الأدب، أو الجمال لا عن مثل هذ الأمور، ولكن للضرورة أحكام، ولا حياء في الصحافة.

latifmohammed@hotmail.com
Twitter @drmalabdullatif
 

الصرف الصحي
د. محمد بن عبدالله آل عبد اللطيف

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةجريدتيالأرشيفجوال الجزيرةالسوق المفتوحالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة