ارسل ملاحظاتك حول موقعنا

Monday 30/04/2012/2012 Issue 14459

 14459 الأثنين 09 جمادى الآخرة 1433 العدد

  
   

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

كان من بين التوصيات التي تَمخَّض عنها مؤتمر “اللغة العربية ومواكبة العصر”، الذي عُقِد في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة المتألِّقة نشاطاً وحيوية، أن تُفعِّل حكومات الدول العربية ما تنص عليه أنظمتها

من أن اللغة العربية هي لغة الدولة، وما يقتضيه ذلك من إلزام للجهات والمؤسسات الحكومية والمصارف والشركات والهيئات والجامعات باعتماد اللغة العربية لغة رئيسة في مراسلاتها وعقودها ووثائقها وتعاملاتها باعتبارها عنواناً للهُويَّة؛ إذ إن ذلك يحتاج إلى قرار سياسي. ومن تلك التوصيات أن تَتَّخذ الحكومات قراراً للتعريب الشامل للعلوم التطبيقية والطبية.

وكل التوصيات، التي أوصى بها المشاركون في المؤتمر جميلة.. على أن أجملها -في نظري- دعوة الحكومات العربية أن تَتَّخذ قرارات سياسية تُنفَّذ، لا أن تكون قرارات أولي الأمر مُتَّصفة بما وصف الله -سبحانه- به بعض الشعراء الذين هم يقولون ما لا يفعلون. ومن الواضح أن تلك التوصيات نابعة من مشاعر نبيلة لنفوس رأت المخاطر، التي تواجه لغة أُمَّتنا؛ وبخاصة في مهدها ومهبط الوحي لدينها القَيِّم.

لقد أَحسَّ المخلصون للغتهم العربية ما بدأ يترسَّخ في نفوس كثير من أبناء أُمَّتهم العربية من نظرة دونية إلى هذه اللغة منذ عقود عديدة. وكان ممن أَحسَّ ذلك الإحساس شاعر النيل حافظ إبراهيم، -رحمه الله-.. وممن تناول هذا الموضوع تناولاً جميلاً وافياً عالمان جليلان من علماء هذا الوطن؛ وأحد هذين العالمين عالم في اللغة العربية وأدبها؛ وهو الدكتور أحمد الضبيب. أما الثاني فهو الدكتور راشد المبارك العالم في علوم الطبيعة.

وكنت قد أشرت، في الحلقة الثانية من هذه المقالة -الأسبوع الماضي- إلى كتاب الدكتور أحمد الضبيب، اللغة العربية في عصر العولمة، وجهوده الدالة على غيرته على هذه اللغة عديدة، جزاه الله خير الجزاء. ومن تلك الجهود -إضافة إلى ذلك الكتاب القَيِّم- مقالة من حلقتين بعنوان “تعجيم التعليم”. ومما قاله في تلك المقالة المنشورة في الجزيرة: “لقد كانت خطة المستعمر دائماً مسخ اللغة الوطنية، وإحلال لغته بدلها، وحيث إن اللغة هي العصب الرئيس لثقافة الأُمَّة فإن تغييرها في التعليم يَشلُّ جسم هذه الثقافة، ويجعله غير قادر على الحركة، ويفقده جميع حوافز التقدُّم الكامنة فيه”.

وجودة كل فقرة من فقرات تلك المقالة تجعل من الصعب تلخيصها. بل إن من الجدير بكل من يَتحرَّى المعرفة عن الموضوع المكتوب عنه من كل أطرافه أن يعود إلى المقالة نفسها ليجد كم هي عظيمة صائبة صادقة.. وفي حوار أجراه معه الأستاذ الأديب حسين بافقيه في مجلة الإعلام والاتِّصال بتاريخ 6ـ9ـ1429هـ قال الدكتور أحمد عمَّا يراه البعض فيه من خوف على اللغة العربية:

“قد يكون مَردُّ هذا هو ما يُرَى من إهمال للغة العربية في مهدها الأول، وهذا الاندفاع المنبهر باللغة الأجنبية، والتهاون الشديد باللغة الوطنية القومية، والآذان الصَّماء والعيون المعصوبة عن الأخطار التي يمكن أن تحلَّ بثقافتنا بمعناها الواسع.. بل وبهُويَّتنا وصلتنا بتراثنا وعلاقتنا بأشقائنا في البلاد العربية الأخرى كون هذه اللغة هي الرابط الأوضح بين أبناء الوطن العربي”.

ومما قاله الدكتور أحمد في ذلك الحوار: “الغريب أن بعض المسؤولين يقتنعون بما أقول (عن ذلك الخطر)، ويشعرونني بذلك.. لكنهم عندما يأتي التنفيذ تختلف أحوالهم. فقلوبهم مع اللغة العربية، أما سيوفهم فمع اللغة الأجنبية”.

على أن الذي يراه كاتب هذه السطور هو أن أولئك المسؤولين، الذين أشار إليهم الدكتور أحمد، لم تكن قلوبهم مع اللغة العربية؛ بل كان ما يقولونه بألسنتهم غير صادق مع ما في قلوبهم، وإن أقلَّ ما يمكن أن يوصف به هو أنه مُجرَّد مجاملة اجتماعية.

ومما قاله الدكتور أحمد، أيضاً: “إن الأدهى والأَمرَّ أن وزارة التربية والتعليم سمحت بتقديم المواد الدراسية للطلاب باللغة الإنجليزية وفتح باب الالتحاق للطلاب السعوديين بالمدارس الأجنبية”.. وتساءل: “هل هنالك بلد مُتقدِّم استبدل بلغته الوطنية لغة أجنبية؟ ألا ينظر هؤلاء المنبهرون إلى الأمم التي قَدَّمت إنجازات مبهرة باعتمادها على لغتها في التعليم، وفي ترسيخ المواطنة الحقة والانتماء إلى ثقافة الأُمَّة، التي بدونها لا يمكن أن يَتقدَّم أيُّ شعب؟”.

أما العالم الثاني، المتخصص في علوم الطبيعة، الذي تناول موضوع المخاطر التي تواجهها اللغة العربية؛ لا سيما في مهدها جزيرة العرب، فهو الدكتور راشد المبارك. ومن جهوده في هذا المجال مقالة رصينة وافية نشرها في الجزيرة بتاريخ 25ـ5ـ1428هـ بعنوان “حتى لا تَتصدَّع الحصون”. وكان من أكبر بواعث كتابة تلك المقالة “قرار وزارة التربية والتعليم في وطننا العزيز بالسماح للمدارس الأهلية باتِّخاذ لغة التعليم فيها غير العربية خلافاً لسياسة الدولة وما اتَّخذته وزارات التعليم السابقة منذ ستين عاماً أو نحوها؛ أي منذ بدأ إنشاء المدارس الأهلية من سياسة موفَّقة في هذا المجال. وكان موقف الدولة منع المواطنين من الانضمام إلى ما عُرِف بالمدارس الدولية لأنها لا تلتزم بالمنهج والمحتوى القائم في مدارس الدولة ولا يلزمها التعليم بالعربية”.

ولقد تناول الدكتور راشد الموضوع من خلال سبعة عناصر مُهمَّة هي:

-1 مكانة اللغة في حياة الفرد والمجتمع.

-2 أثر اللغة الأم في إيصال المعرفة إلى الناشئ.

-3 هل عرف البشر لغة مفردة وجدوا فيها تَميُّزها على سواها بخلق أو تحفيز المواهب والإبداع لدى الدارسين؟.

-4 هل يمكن أن يُحلَّ ناشئ لغةً محلَّ لغته بجعلها وسيلة وصوله إلى المعارف والفهم وتعبيره عن مشاعره وأفكاره، ويبقى مشدوداً إلى لغته موصولاً بجذورها؟.

-5 هل يمكن لفرد يَتَّخذ لغةً ما لغة تعليمه ومحاوراته ووسيلة استقباله وإرساله دون أن يخالطه شيء من الميل -الظاهر أو الخفي- لأهل هذه اللغة والإعجاب بهم؟.

-6 هل من الصحيح القول إنه لا ضير على لغتنا من التعليم بسواها؟

-7 هل من الصحيح؛ بل هل من الخير لنا إعطاء لغة أجنبية -هي الإنجليزية- مزيداً من المواقع في نفوسنا ومن التداول على ألستنا؟.. وهل هناك أُمَّة، أو أمم، نافستنا أو تنافسنا كثيراً في هذا المضمار حتى قبل جعل غير العربية لغة تعليم لدينا؟.

وقد ناقش الدكتور راشد كل عنصر من تلك العناصر مناقشة يجدر أن يقرأها كل من يهتم بلغتنا العربية من أبناء وطننا العزيز بالذات، وما جَدَّ من أمور بعيدة كُلَّ البعد عن أن تكون باعثة على الارتياح. بل إنها تزيد ألمنا آلاماً. ذلك أن العِلَّة أصبحت عِلَّة باطنية. وقد اختتم -أكثر الله من أمثاله- مقالته بقوله:

“لغة أيِّ أُمَّة أقوى الحصون التي تدافع عنها وتستبقي لها شخصيتها وذاتها. وأَيُّ تراخ في ذلك؛ فضلاً عن الاستهانة به، لن يكون مساهمة في إبقاء وسلامة من يدافع عنه، وما يدافع عنه، من بشر ومُقوِّمات”.

وبالعودة إلى توصيات مؤتمر “اللغة العربية ومواكبة العصر”، والتي كان منها: أن تَتَّخذ الحكومات العربية قراراً للتعريب الشامل للعلوم التطبيقية والطبية، أود أن أشير إلى ما ذكرته في مقالة لي نُشِرت في الجزيرة بتاريخ 26ـ4ـ1433هـ بعنوان “التأمرك في مهبط الوحي ومهد العربية”؛ من أن وزراء الصحة العرب قَرَّروا في مؤتمر لهم، عام 1981م، أن تكون اللغة العربية -في غضون عشرين عاماً- هي لغة التدريس لجميع المواد وفي كل المراحل الدراسية. لكن قرار أولئك الوزراء كان قبل أن يَحتلَّ المتصهينون في أمريكا وبريطانيا العراق؛ ظلماً وعدواناً، ليصبح وضعها الحقيقي وضعاً أسهم المحتل في جعله غارقاً في نفوذ جهة غريبة الوجه واليد واللسان. ما الذي حدث لأُمَّتنا بعد قرار وزراء الصحة العرب المشار إليه؟.

ذكرتُ في مقالة نُشِرت في الجزيرة بعد تلك المقالة بأسبوع بعنوان “شجون بين الأمركة والتأمرك”:

“لقد نُشِر في صحيفة الحياة قبل عشرة أيام أن مجموعة سعودية للتعليم أقامت تحالفاً مع شركة كويتية تعليمية بقيمة مليار ريال لإقامة مدارس وحضانات عالمية عام 2012م، وأن اهتمام السعوديين بالتعليم الأجنبي في السعودية زاد بمعدل 40% بعد السماح للطلاب السعوديين بالانضمام إلى المدارس العالمية، وأن من المتوقع أن يزيد عدد السعوديين في تلك المدارس بنسبة 100% مطلع العام الدراسي المقبل، وليصبح عدد المدارس مئتين بدلاً من العشرين حالياً”.

وبمشاهدة ما يجري عملياً في دول مجلس التعاون الخليجي بالذات أجدني غير قادر على أن أُصدِّق بأن هناك نوايا صادقة للعمل على حماية اللغة العربية أو الدفاع عنها في وجه السهام المُوجَّهة إلى كيانها. ذلك أنه لو كانت تلك النوايا صادقة لما جرت الأمور على ما جرت عليه حتى أخذت تَدبُّ في ذلك الكيان هشاشة العظام، وأخذت أركان هُويَّتها -وفي طليعتها لغتها العربية- طريقها إلى التهاوي؛ مكانة معنوية وواقعاً مشاهداً.

 

مؤتمر العربية في الجامعة الإسلامية «- 3 -»
د.عبد الله الصالح العثيمين

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة