ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Monday 21/05/2012/2012 Issue 14480 14480 الأثنين 30 جمادى الآخرة 1433 العدد 

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الرأي

      

صديقي العزيز.. أكتب إليك من غرفتي الخشبية المتهالكة في كوخي الصغير في حينا الخشبي المتناثر على أطراف المدينة المحاذية لنا من إحدى الدول، فأنا منذ خمسة عشر عاماً أختفي هناك، وأتدثر بهمي وحزني وقلقي،

يشاركني في ذلك زوجتي وصبية عدة وعجوز وكهل اعتراهم الشحوب والأسى والمرض، نختفي هناك هرباً من البرد والحر الاجتماعيَّيْن، واحتجاباً عن عيون الأثرياء في المدينة المحاذية لنا، الذين ملّوا رؤيتنا بينهم. من ذلك الكوخ الخشبي المتهالك أخرج من وقت لآخر للبحث عن لقمة صغيرة تسد رمقي ورمق من معي، يرشح في نفسي حزن ثقيل، حتى لأكاد أختفي من جديد، إنها عملية بحث غير مشوقة، تشبه لعبة الاستغماية التي لعبتها مع أقراني عندما كنت صغيراً، إنه القلق الذي يحملني على الاختباء، والحماسة التي لا تثير في إعلان الحياة، حياتنا بالضبط تشبه هذه اللعبة، لكنها ليست اللعبة الوحيدة لنا؛ فنحن نوهم أنفسنا بوسائد مخملية وفرش ناعمة وأقداح باردة ولبن عصافير.

عندما أذهب إلى المدينة القريبة لنا، لا أكف عن مراقبة الناس والسيارات الملونة والطرقات وأضواء النيون الملونة، كل مرة أذهب إلى هناك تتسلل نظراتي إليهم من خلال ثقب صغير في جدار نفسي، فأراهم أو أستمع إلى أصواتهم.

في واقع الأمر، المسافة بيننا طويلة تستحق عناء جنون القياس، عشرة أمتار أو عشرة آلاف كيلو هي في النهاية أرقام لها معنى في علم الحساب، وأنا وهمّي ومن معي وحينا الخشبي مجرد أسماء على الخريطة لا أكثر.

ولأن لكل اسم ومكان دلالة دعني أخبرك عن حينا الخشبي، الذي هو عبارة عن مشاهد أسى لا تدع مجالاً للتورية.. الحياة فيه واقفة على كف عفريت، كل يوم من أيامنا ينذر بالرعب، وكل شيء فيه امتحان لطاقة التحمل القصوى.

لعلك تتخيل حال هذا الحي المتهالك من خلال الصور والمشاهد الإنسانية الحية المفزعة، إلا أنه في الحقيقة عالم آخر، إنه المكان الذي لم نسترح فيه من عذاب الحياة وغربة الذات والمجتمع، إنها سنوات الطفولة والشباب التي رحت أقرأ بقاياها في الوجوه والأماكن، إنها كيمياء من أواصر مصيرية لا أملك مفاتيح لحلها. من وحي حينا الخشبي المطمور خلف ركام صور الحزن والأسى تستهويني مغادرة المكان؛ لأن يومنا هنا غير محروس بسلام، ونادراً ما نستنشق الهواء العليل بعمق، وخصوصاً عندما تكون الحرائق ويتصاعد دخان النفايات، تمتلئ السماء حينها وتكتسي بالسواد، ولا تتلألأ فيها النجوم، ولا نعرف كيف نرقص وقتها تحت المطر، يلازمني قلق شديد، ويطاردني شبح الخوف مما هو مرئي أو غير مرئي، وأظل أختبئ من ريح قوية قادمة قد تقلع كوخي الخشبي، إنني أحلم في كل برهة أن أجلس عند المساء في غرفة هادئة، وأستمتع بالهدوء الذي أحب، وألا يزعجني ضجيج، وألا أرى الحمَامات تفر مذعورة من بين أغصان الشجرة اليابسة في الركن المقابل، ولا يداهمني انقطاع التيار الكهربائي المُستدان من متعة النور، أو مشاهدة التلفزيون أو اللعب بالحاسوب، ولا أضطر إلى شرب قهوتي في الظلام، أو كتابة رسائلي على ضوء الفانوس، أو تأجيل قراءة الجريدة لليوم التالي.. إنني أحلم بمشتل زهور ألامس فيه أوراقاً نباتية استوائية، وأقطع غصناً مزهراً في طريق عودتي إلى البيت لأهديه إلى زوجتي التي تنتظرني بترقب ولهفة، إنني أحلم كثيراً وأنزف كثيراً بالحلم، لكنني أختم بأمل وأنتظر بمثله بأن تُزاح عنا مناخات الجفاف وتضاريس الوعورة والحزن والوحشة والنسيان والمعاناة، وأن تتزين لنا الدنيا كعروس جميلة في ثوب زفافها الأبيض وعطرها الأخَّاذ وجدائلها التي تشبه خيوط الشمس.

ramadanalanezi@hotmail.com
 

الرسالة البائسة!
رمضان جريدي العنزي

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة