ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Thursday 28/06/2012/2012 Issue 14518 14518 الخميس 08 شعبان 1433 العدد 

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

الثقافية

      

في المقال السابق تم التعريف بالكتاب وبطرح قضيته الأصلية، ثم ناقش المؤلف بمفهوم بلاغة أهل السنة وخلص إلى طرحة أسئلة عن البحث البلاغي وحده، باعتباره حدا فاصلا بين المذاهب العقدية أولا، ثم بنسب مثل هذه التأويلات المحددة إلى أهل السنة وفصلها لأن تكون بلاغة مستقلة ثم أن يكون التوجيه البلاغي وحده دليلا على عقيدة المرء.

هذه الأسئلة تتصل أولا بمفهوم البلاغة، أهي شيء من تركيب الكلام وأصله فلا يتم إلا بها، أم هي فضلة زائدة بعد استقامة الكلام وصحة عبارته ووضح دلالته، وهل يؤثر التوجيه البلاغي بالمعنى الأصلي، وإذا ثبت فلا يمكن أن يأتي معنى آخر أو استنباط آخر للوجه البلاغي يكون جزءاً من المعنى؟

يرى الجاحظ أن الحكم بالبلاغة أمر نسبي، فما يكون في موضع بلاغة قد لا يكون كذلك في موضع آخر، وهو ما جعل بعض البلاغيين يعرفونها بأنها مراعاة مقتضى الحال، وبناء عليه فإن هذا يعني أن المعنى البلاغي الذي يمكن أن يستنبط من الصيغة اللغوية هو أمر متغير بحسب السياق، وحسب المتلقي، والقائل، بأنها النظر في توجيه الكلام وتحسينه بمعنى أنها أدوات فضلة لا تتصل قيمتها بالمعنى، هذا التحسين والتجميل يتصل بالمتحدث وبالسامع وبالأداة التي يتحدث بها، ومن هنا فهو غير مباشر يعتمد على التأثير، والإيحاء، والشعور ولا يعتمد على المباشرة والوضوح، وبناء عليه فإن المعنى المستنبط من التوجيه البلاغي ليس معنى حقيقيا للظاهرة اللغوية بقدر ما هو معنى إضافي يحسه المستمع وربما يقصد إليه المتحدث، ولذا سماه البلاغيون لازم الفائدة بعد فائدة الخبر.

ليس مرتبطا بالجملة وتركيبها، وإنما بما يجده المتلقي وربما يقصد إليه المتحدث، وهو ما يجعل هذا المعنى ليس ثابتا باختلاف السياقات، وإنما متغير، هذا الأمر يجعله غير ملزم لمن يستمعه بوصفه خاصا به كما أنه ليس ملزما أيضا بالنص المنسوب إليه باعتباره ليس جزءا مكينا منه ولا يمكن أن يستنبط معنى آخر منه قد يكون مغايرا له، ولا ينفي أحدهما الآخر. وقد تنبه القدماء رحمهم الله إلى هذا الأمر في البلاغة فرأى الإمام الشوكاني أن البلاغة ليست من العلوم التي يجب على المجتهد أن يتقنها بمعنى لو فات المجتهد معنى من معاني البلاغة لما نقصت قدرته على استنباط الأحكام، الأمر الذي يعني أن معاني البلاغة واستنباطاتها ليست من استنباطات الأحكام العقدية، ولا الفقهية وهو ما يعني أن الحكم على عقيدة الرجل بالإيجاب أو السلب من الاستنباط البلاغي أمر مرفوض علميا ودينيا باعتباره تجنيا على المسلمين بغير حق، وأخلاقيا لأنه احتكار للحق على غير مستند صحيح.

وحين نصل إلى هذه النتيجة يرد السؤال التالي ما فائدة البحث عن بلاغة لأهل السنة إذا لم يكن له انعكاس حقيقي على تكوين مذهبهم، ولم يكن له أثر في بيان عقيدة القائل به، وليس ملزما للنص المنسوب إليه، وهو لا يعدو كونه واحدا من التأويلات المقبولة المتساوية في الكشف عن الظاهرة الجمالية تختلف باختلاف السياق؟ هل هو نوع من تمييز الذات تمييزا ضيقا بغير ما يميزها، وإقامة الحواجز بينها وبين الآخرين حتى ولو لم تكن حواجز حقيقية تعتمد على فاصل علمي، وإنما حواجز مصنوعة للحجز، وكأن هذا الحجز مقصود لذاته بإبعادها وجعل الفئة مستقلة، وهو ما سينبني عليه في الجهة المقابلة رفض الآخرين ووصفهم بأنهم ليسوا من أهل السنة، حتى ولو سعوا للانتساب إليها وأخطؤوا الطريق وذمهم بإزالة هذه الفضيلة عنهم. وهذا كله تضخيم للخلاف، ورفض للآخر، وبناء للذات داخل الذات بناء على معطيات لا تقوم على أساس من العلم، وهو لا يعدو أن يكون تطرفا وغلوا في التعامل مع الظاهرة البلاغية لا حقيقة له، بالاعتماد على الدائرة الضيقة للأنا، والاعتماد مسائل تفصيلية دقيقة بالخلاف في الخلاف بإنزالها منزل المسائل الكبار، وجعلها فارقة في تكوين الذات ومبعدة عن الآخر مما ليس له مستند علمي أو شرعي صحيح، مما يعني أنه تطرف وغلو ما أنزل الله به من سلطان.

ختام:

{وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (النساء آية: 94).

 

التطرف في الخطاب العلمي «بلاغة أهل السنة» 3-3
إبراهيم بن محمد الشتوي

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة