ارسل ملاحظاتك حول موقعنا Saturday 07/07/2012 Issue 14527 14527 السبت 17 شعبان 1433 العدد 

الأخيرة

منوعات

دوليات

الرياضية

الأقتصادية

محليات

الأولى

الرئيسية

 
 
 
 

متابعة

      

كنت أجلس إلى قريبة لي مُعمرة قد أدركت عصر العبيد والجواري عندنا في نجد. فكنت أسألها عن وضع الإماء في ذلك العصر وطريقة معاملتهن وهل كن حقا يعاملن كالحيوانات كما نسمع من بعض من أدرك ذلك العصر، أم أنهن كن مدللات مُنعمات كما تحكي لنا كتب التراث العباسي والأندلسي أم أنهن كن في منزلة بين المنزلتين كما هي حكاية كتب التراث العثماني التركي تحت ما يسمى بالحريم، وعلى كل فعلى جميع الأحوال فقد كن جواري للمتعة أو للخدمة.

لم تبخل علي قريبتي بالقصص والحكايات ولكنني كنت ألحظ أن مشاعرها تجاه الوضع الذي كان سائدا يتسم بالقبول والإذعان (ولا أقول بالرضا) على عكس ما كان ينتابني من الرفض والأسى والحزن العميق الذي لا يزول بزوال تأثير استماعي لهذه القصص، وخاصة أنني أعرف أسماء بعض أبطالها الفحول.

حدثتني قريبتي، فكان مما حدثتني به أنها كانت تذهب أحيانا إلى جارة لها تعرفها تعمل بمنزلة مديرة مركز نقاهة آنذاك يحوي على ممرضات يقمن بواجبهن في ذلك المركز الذي هو تابع لأحد الوجهاء. مهمة ذلك المركز هو إعادة التأهيل الصحي للجواري اللواتي تم إجهاضهن بعد أن حملن من أسيادهن. فكان بعض الأسياد إذا حملت جاريته منه دفعها إلى بعض خدمه الذكور فطعنوا بطنها بالمنخاس فأسقطت حملها، وذلك من أجل أن يستطيع السيد إعادة بيعها بعد أن يمل منها والحصول على ثمنها لشراء أخرى، فالمجتمع آنذاك كان متدينا وكانت الفتوى قد استقرت على أنه لا يجوز بيع أم الولد. فإذا سقط جنينها ذهبوا بها إلى مركز النقاهة هذا فنظفوا رحمها واعتنوا بها حتى تستعيد صحتها فيعيدوها إلى قصر سيدها لتُعاد الكرة من جديد.

حدثتني قريبتي عن شمس وما أدراك ما شمس. كانت شمس كاسمها في جمالها، تحمل روحاً قد ذُبحت، فأقامت لنفسها مأتما تُساءل من تراه: لم تُعاقب وما تدري قط ما أذنبت. خُطفت شمس من أمام منزلها عندما كانت طفلة تلعب في مزرعة أبيها، ثم بيعت فلم يبالِ أحد بقصتها فالكل يعرفها، فمتى كانت الحقيقة مطلبا ومقصدا. عملت حكاية شمس عملها في مشاعري فجلت لي نظري فأزالت ظنونا غبشت على فكري ولكن حكاية شمس لم تؤثر قط في قريبتي، فقد نشأت وتربت في بيئة قد اعتادت على مثل ذلك فالعادة هي السعادة عند المجتمع البدائي.

هل ماتت شمس أم لا تزال حية؟ لا أدري، ولكن الذي أعلمه يقينا أن الثقافة التي استرقت حرية شمس ونخست بطنها وأسقطت جنينها لا تزال حية في معناها وإن غابت صورتها. شمس لم تُعامل قط كإنسان ذي مشاعر وفكر وأحاسيس وشخصية مستقلة. لم تتعد شمس كونها مخلوقاً لقضاء وطر الأسياد. ولم يتعد الخدم الذين كانوا ينخسون بطون الإماء كونهم خدماً. ولم يزل المجتمع بدائياً كما كان، تحكمه العادة والمألوف. ولا يزال الدين يُسبغ على هذه الأفعال ليبررها وهو بريء منها فيُحملونه ما لا يحتمل.

حكاية شمس لا يخلو منها تاريخ مجتمع من المجتمعات الغربية أو الشرقية، فما لهم تحرروا حقيقة وتحررنا صورة؟ السبب المسكوت عنه هو أن المنهج التعليمي -الذي كان سائدا- كان ولا يزال في بعض نواحيه مبنياً على شرط تقييد حرية العقول من التفكير ومنعها من التحليل وتحذيرها من التحدي العلمي للمطروح المألوف المحفوظ، لذا لم تنشط حركة التأليف والإبداع في بلادنا، فالحجة في ذلك ترديد قولهم «فما ترك الأول للآخر شيئاً» ولذا لم تصبح حكاية شمس حديثاً للسمار من أحاديث الأولين.

hamzaalsalem@gmail.com
تويتر@hamzaalsalem
 

المسكوت عنه
حكاية شمس... ثقافة لم تمت بعد
د. حمزة بن محمد السالم

أرشيف الكاتب

كتاب وأقلام

 

طباعةحفظارسل هذا الخبر لصديقك 

 
 
 
للاتصال بناخدمات الجزيرةالأرشيفالإشتراكاتالإعلاناتمؤسسة الجزيرة