Friday 01/11/2013 Issue 15009 الجمعة 27 ذو الحجة 1434 العدد
01-11-2013

موت العشاق

نقرأ ونسمع عن العشاق وقصصهم، وما ينقل إلينا عن هيامهم، كما نقرأ ونسمع عن آلامهم وأحزانهم، وفرط حساسياتهم، وتوجعهم على فراق الحبيب، والتشكي للبعيد والقريب، وكثر الملام من فرط الغرام. وقد يكون البعض قد أحس بشيء من ذلك في مرحلة من مراحل حياته.

والواقع أن العشق لا يقف عند عمر، فقد عشق الشباب والشيوخ، والنساء والرجال على حد سواء، وقد عانى البعض من ذلك العشق حتى أثّر في صحته الجسدية أو النفسية، أو كليهما، كما أنه ربما أثّر على حياته الاجتماعية، وهو لا يقف عند المتزوج فيحترم حياته الزوجية، وإنما قد يدخل من أوسع أبوابه ليفسد بين الأزواج حياتهم، وربما يفرق أولادهم، هذا شيء ربما حدث ويحدث، لأن أبواب القلوب مشرعة للهوى والغرام، إذا لم يكن العقل حاضراً ليحدد الغث من السمين، والخطأ من الصواب، وكل بنفسه عليم.

ويقول صاحب كتاب أنس العاشق، وهو كتاب قمت بتحقيقه لمؤلف مغربي مجهول من القرن السابع الهجري، وهناك من المؤشرات ما يؤكد أنه في العصر المريني: العشق شبكة نصبها الدهر فلا يصاد بها إلاّ أهل المخائض والتجاذب، فإذا أغلق الباب في حبائلها فأبعد به أن يقوم سليماً، ويتخلص وشيكاً، ولا يكون إلاّ من اعتدال الصورة وتكافؤ الطريقة وعلو الهمة، وله مقيل في صميم الكبد، ومحاجة القلب، يعقد اللسان الفصيح، ويترك المالك مملوكاً، والعزيز خاضعاً ذليلاً (انتهى قوله).

هكذا إذن هو العشق، يبعث الألم والحزن عند فراق الحبيبين أو اختلافهم، أو دخول عذول بينهم، لكن ما أتوقف عنده كثيراً تأثير ذلك العشق في المحبين، والمدى الذي يمكن أن يصل بهم إليه، فربما قد بالغ الرواة وأصحاب كتب الأدب والتاريخ في نقلهم لنا بعضاً من قصص العشاق، حين ذكروا قصصاً ربما أتوقف كثيراً عند صحتها لما فيها من مبالغة لا يقبلها عقلي، وإن قبلها عقل غيري، ومن تلك القصص ما أورده صاحب الكتاب المشار إليه آنفًا من قصة أوردها عن الرياشي حيث قال: رأيت في بعض مياه العرب رجلاً من العرب يعاتب جارية من بنات عمه، ويتضرع لها ويظهر المحبة، فالتفتت إليه الجارية وقالت:إنما أنت مدعً ولست بصادق في دعواك محبتي، فقال لها: والله إني لصادق، حتى كأنك لو أمرتني بالموت لمت، فقالت له: إن كنت صادقًا فمت الآن، قال: فتنحى ناحية عنها وقال: اللهم إنك تعلم أني صادق في حبي فاغفر لي واجمعني معها في دار كرامتك، ثم غمض عينيه فحركناه فإذا هو ميت كأنه لم يكن في الدنيا، رحمة الله تعالى عليه. قال، فلما رأته الجارية قالت: ياويلتي لفقد الحبيب ونزول الخطب الجليل، والله إني كنت أعرف صدقك في الدعوى ولكني أردت أن أتذلل عليك بعز الهوى ثم قالت:

فراقُ الأحبة ما أوجعهُ

وحادي الركائبِ ما أسرعهُ

ولا دمع إلا وقد مصه

ولا قلب إلا وقد قطعَهُ

كذا الدهر في تصاريفه

يُفرقُ شملاً إذا جمعه

فلما غسل وكفن وجعل في قبره أتت فزاحمت الناس يمينًا وشمالاً حتى حملت معه في القبر فضمته إلى نفسها وسكنت حركاتها فأتى الناس لنزعها عنه فوجدوها ميتة فدفنت معه، وانصرفتُ وأنا أكثر التعجب من أمرهما رحمة الله عليهما.(انتهى قوله)

يؤسفني أن أقول: إن صدَّق البعض فلن أصدق أن أحد أصحاب الألباب سيصل به العشق والغرام والهيام إلى الموت المباشر وليس بعد مدة من الزمن تتخللها أوهام نفسية تنعكس على الصحة البدنية، والأغرب في هذه القصة أن المحبوب مات من الغرام، فلحقت به تلك المحبوبة في قبره، فكأنها قصة قد نسجت للمبالغة فيما يصيب المحبين وليس قصة واقعية يمكن حدوثها حتى من ممن به شيء من عدم التوازن النفسي.

إن العشق جميل ولذيذ وممتع، كما أنه محزن ومؤلم ومروع، وقد يصل بصاحبه إلى التضحية بالمال والحياة، والأولاد في بعض الحالات كما ثبت في كتب التاريخ، لكنه لن يصل بصاحبه إلى الهلاك المباشر، فذلك في نظري محال.

ويا ترى كم عاشق قد أثَّر العشق في حياته ومستقبله ومستقبل أولاده، وكم عاشق قد كواه العشق، فأثَّر في صحته النفسية والعامة، لا أعلم ذلك وقد يجتهد علماء النفس في الوقت الحاضر ليعطونا شيئًا عن أثر العشق في العشاق لعلنا نصل إلى إحصائيات علمية نستشهد بها في المستقبل.

مقالات أخرى للكاتب