Thursday 12/12/2013 Issue 15050 الخميس 09 صفر 1435 العدد
12-12-2013

نهاية العصر التقليدي للإعلام الرسمي

إذا كانت صحيفة أم القرى هي أول مؤسسة إعلامية سعودية حينما صدرت عام 1924م، فيمكن أن نقول إن الإعلام السعودي قد اقترب من مرور تسعة عقود عليه، وهذه مدة طويلة كافية لأن تصنع من إعلامنا مؤسسات احترافية تخدم أهداف الدولة والمجتمع، ولكن تظل هناك علامات استفهام

حول دور وسائل الإعلام السعودي ومدى تحقيقها لأهداف التنمية السياسية والاجتماعية في بلادنا.

ومنذ تأسيس أول وزارة إعلام في المملكة عام 1962م أي قبل أكثر من خمسين عاماً، وهناك جهود تبذل ومساعٍ تتحقق من أجل تطوير الإعلام في المملكة. وهناك شخصيات وزارية اعتلت منصب وزارة الإعلام عملت بجد في إمكانية تطوير الوزارة، ومعها طبعاً فكر وممارسة الإعلام السعودي. وربما تأتي في هذه المرحلة فكرة إعادة النظر في وضع وزارة الثقافة والإعلام في ضوء المستجدات السياسية والإعلامية وتطوُّرات التقنية الاتصالية التي فرضت واقعاً جديداً على الفكر والممارسة الإعلامية. وهذا ما طرحه في الشهر الماضي كاتب هذا المقال في ملتقى الباحة الإعلامي في ورقة بعنوان “نهاية العصر التقليدي للإعلام الرسمي”.

من متابعة الأدوار التي قامت بها وزارة الإعلام خلال الخمسة عقود الماضية، نلاحظ عدة ممارسات إعلامية انعكست في تقاليد متبعة ومتكررة في سلوكيات الإعلام الرسمي، ومن تلك الممارسات الملاحظات التالية:

1 - الإعلام تابع وليس متبوعاً: فالإعلام الوطني لم يكن مؤسسة مستقلة بذاتها، بل هو مؤسسة تابعة لمؤسسات أخرى في المجتمع. كما أنّ الإعلام ليس سلطة رابعة بل أصبح سلطة مندمجة في السلطات الثلاث الأخرى: التنفيذية والقضائية والتنظيمية أو التشريعية. وهذه المعطيات أسست التبعية التي تكرّس الممارسة الإعلامية، وأصبحت أدوات الإعلام تابعة لمؤسسات أخرى مما أفقدها روح المبادرة والفعل الإعلامي الحقيقي.

2 - الاتكاء على الحيطان: الاعتماد على المؤسسات الأخرى في المجتمع كسياج يحميها من الخطأ أو المساءلة أو اللوم، وهذا ما جعل المؤسسات الأخرى هي التي تقود الإعلام الوطني وليس وزارة الإعلام. وأصبح المتحدثون الإعلاميون هم الذين يقودون الإعلام، واكتفت الوزارة بتوفير أوعية النشر والبث لتلك الأجهزة والإدارات والمتحدثين الإعلاميين، ولم تتمكن الوزارة بالأجهزة التابعة لها من صناعة إعلام حقيقي يخدم أهداف الدولة والمجتمع. والاتكاء على الحيطان أصبح وسيلة حماية للوزارة ومؤسسات الإعلام في المملكة.

3 - الخوف الكبير: تنامي الخوف من الوقوع في الخطأ لدى أجهزة الإعلام أصبح وسيلة تملُّص من مسؤوليات وأدوار ينبغي أن تقوم بها هذه الأجهزة. وبنت هذه الأجهزة شفرات مخصصة لدور الوزارة في القضايا والموضوعات الوطنية، مثل “لا تفتح علينا باب”، “ألعبها صح”، “خليك بمكانك” .. إلخ من مصطلحات التقاعس وعدم الدخول في معمعة الإعلام الحقيقي.

4 - انتظار التوجيهات: انتظم داخل الفكر الإعلامي المحلي فكرة أنّ الإعلام لا يتحرك ولا يخطو أي خطوة، إلاّ من خلال توجيهات واضحة وتعليمات يقينية لكيفية تعامل الإعلام مع الأحداث. ولم تستطع الوزارة أن تبني خبرات لها من التعامل مع أحداث سابقة تقودها إلى التعامل مع أحداث مستقبلية، واكتفت فقط بانتظار التوجيهات.

5 - ضد التطوير: تقف وزارة الإعلام أحياناً حجر عثرة أمام مبادرات التطوير، فعلى سبيل المثال وقفت الوزارة ضد تحويل الإذاعة والتلفزيون ووكالة الأنباء إلى مؤسسات عامة لمدة تصل إلى حوالي عشر سنوات، رغم أنّ الإرادة السياسية قد طرحت مبادرة التحوُّل، ولم يحدث التحوُّل إلاّ قبل عام تقريباً.

6 - الحساسية المفرطة: تلبس الوزارة والأجهزة التابعة لها ثوب الحساسية على معظم الموضوعات الوطنية، وتصفها بحساسية الموضوع أو خطورة الطرح أو الخوف من التداعيات. ويكفي في هذا السياق أنّ وزارة الإعلام كانت تقف ضد البث المباشر لوقائع مؤتمرات الحوار الوطني بحجة حساسية الموضوعات، لولا أنّ الإرادة السياسية وقفت مع البث المباشر، وهذا ما حدث منذ المؤتمر الثالث للحوار الوطني الذي ينظمه مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني.

7 - الشجاعة وغياب المبادرة: تفتقد أجهزة الإعلام إلى روح المبادرات النوعية التطويرية للإعلام في المملكة بحكم التخصص والخبرة، وما يفاقم الأمر عدم رفع أي مبادرات نوعية للقيادة السياسية بهدف تطوير الإعلام وتجويد مخرجاته، بما يلبي الاحتياجات المهنية التي يفرضها واقع الإعلام العالمي.

وبناءً على هذه المعطيات ومواكبة لفكرة إعادة الهيكلة التي بدأت في الإعلام بالتحويل إلى مؤسسات عامة كإشارة سياسية إلى ضرورة الإصلاح والتطوير، فإننا نقترح إعادة هيكلة وزارة الإعلام لتكون على النحو التالي:

8 - الإذاعة والتلفزيون: تم بحمد الله تحويل الإذاعة والتلفزيون إلى مؤسسات عامة، ونأمل أن يكون التحويل هو وسيلة وليس غاية بذاته. وما نحتاجه في هذه الأجهزة ليس تغير لوجود التلفزيون وديكورات نشرات الأخبار وتغير المذيعين وإضافة قنوات جديدة وبعض الأمور الشكلية، ولكن نحتاج فعلاً إلى إعادة بناء مفاهيم الإعلام وبث فكر معاصر وخلق فلسفة جديدة للإعلام.

9 - وكالة الأنباء السعودية: مع الإيمان بأنّ الدولة قد تحتاج لها وكالة أنباء رسمية، إلاّ أنّ التحدي سيكون هل تستطيع الوكالة بناء خطاب إعلامي جديد، فالقضية في الوكالة ليس التحويل إلى مؤسسة عامة بقدر ما نحتاجه إلى صياغة خطاب إعلامي جديد يواكب تطور المؤسسات السياسية والمجتمعية. كما نرى ضرورة فتح المجال لتأسيس وكالات أنباء وطنية خاصة تدعم التدفق الإعلامي والمعلوماتي في أجهزة الدولة وفي كافة المناطق.

10 - الشئون الثقافية: بات من الضروري فصل الثقافة عن الإعلام وتحويل كافة إدارات الشؤون الثقافية الداخلية والخارجية بالوزارة إلى هيئة وطنية للثقافة. وتصبح المعارض والأيام الثقافية جزءاً من مسؤولياتها. وتعمل هذه الهيئة على تفعيل دور الجامعات في الاستراتيجيات الثقافية للمملكة.

11 - الإعلام الخارجي: في إطار إعادة هيكلة وتطوير وزارة الخارجية، يمكن تحويل قطاع الإعلام الخارجي بوزارة الثقافة والإعلام إلى وزارة الخارجية. فخطة الخارجية الجديدة هي في تفعيل الدبلوماسية العامة أو الدبلوماسية الشعبية، وهي جهاز مرتبط بوزارات الخارجية في كثير من دول العالم محوره هو الإعلام الخارجي للدولة.

12 - الإعلام الداخلي: كثير من دول العالم يكون فيها الإعلام الداخلي الخاص (الصحف) مرتبطاً بمجلس صحافة أو المجلس الوطني للصحافة، وهذا المجلس ليس مجلساً رسمياً ولكنه مؤسسة مجتمع مدني مكوّنة من صحافيين سابقين ومن أكاديميين ومحامين وبعض رموز المجتمع، يعملون على تطوير الأداء الصحافي ومراجعة الانتهاكات التي قد تصدر من الصحافة. ويمكن في حالة المملكة أن ينشأ مجلس وطني للصحافة والنشر الإلكتروني، بإضافة وسائل الإعلام الجديد إلى مسؤوليات هذا المجلس. ويتولى دور الإعلام الداخلي في الوزارة. وتقوم الدولة بوضع نظام المجلس المقترح وتحديد مسئولياته من خلال مجلسيْ الشورى والوزراء واختيار شخصيات أعضائه.

13 - المتحدث الإعلامي للدولة: في ضوء إعادة الهيكلة لوزارة الإعلام ونظراً للقصور الإعلامي الذي قد مرت به الدولة أحياناً في الشأن الإعلامي، فإننا نقترح استحداث منصب المتحدث الإعلامي لتحديد الأهداف الإعلامية للدولة، وتحديد آليات وأساليب صياغة الحدث الإعلامي الوطني. ويعمل المتحدث الإعلامي على دعم سياسات الدولة العليا وبناء صورة إيجابية، وعمل التحضيرات الإعلامية لقرارات الدولة.

وختاماً لهذه الوقفة الشفافة عن الإعلام، فإنّ إعادة الهيكلة ستؤدي إلى الكثير من الإيجابيات الوطنية، ومن أهمها: (أ) عدم تحميل الدولة تبعات الإعلام وسلبياته؛ (ب) تحويل الإعلام من مسئوليات رسمية إلى مسئوليات مجتمعية؛ (ج) بث روح التطوير والتجديد في مؤسسات الإعلام السعودي، مما يساهم في استعادة الجمهور الذي فقدناه، وخاصة من قطاع الشباب أو وسائل إعلامنا الوطنية، وأخيراً وليس آخراً (د) إعادة بناء الخطاب الإعلامي السعودي وفق مستجدات التقنية الاتصالية المتسارعة ووفق المستجدات السياسية والمتغيّرات الإقليمية والدولية.

alkarni@ksu.edu.sa

- رئيس الجمعية السعودية للإعلام والاتصال، رئيس قسم الإعلام والاتصال بجامعة الملك خالد

مقالات أخرى للكاتب