Sunday 12/01/2014 Issue 15081 الأحد 11 ربيع الأول 1435 العدد
12-01-2014

عصر الحوار وتويتر والصحويون

الحوار في المملكة، وارتفاع سقف تبادل الآراء في وسائل الاعلام المحلية، حلَّ في بلادنا حينما اتخذ خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله قراره التاريخي باعتماد (الحوار) منهجاً تتبناه الدولة بين الاتجاهات الفكرية المختلفة في المملكة، منطلقاً من أنه ملك لكل السعوديين بمختلف توجهاتهم الفكرية والمناطقية والطائفية. وليس لدي أدنى شك أن شعبية الملك عبد الله منقطعة النظير تعود في جزء منها إلى أنه يؤمن بالوضوح والشفافية والصدق، والحوار يُسهم في مثل هذه الاتجاهات. وهذه الشعبية - بالمناسبة - كانت بمثابة السياج الحصين الذي جعل المملكة لا تتأثر برياح الثورات والصخب الشعبوي الذي رافق ما سُمي غربياً بمرحلة (الربيع العربي) قبل أن يتضح فيما بعد أن تلك التسمية كانت ضرباً من ضروب التزوير البحت، فما إن انقشع الغبار واتضحت الرؤيا وإذا بالربيع المزعوم ليس إلا شلالات من دماء وفتن وقلاقل وزوابع هوجاء أتلفت البشر والشجر والحجر.

مواقع التواصل الاجتماعي في الإنترنت، وبالذات (تويتر)، كانت اختباراً للأنظمة السياسية من جهة، واختباراً - أيضاً - لقدرة الشعوب على التماهي مع المتغيرات من الجهة الأخرى، وتكريساً للحوار من جهة ثالثة. فالنظام السياسي والشعب اللذان استطاعا أن يتعايشا مع هذه المتغيرات بقيا حتى مرت تلك الزوبعة وانحسرت وخرجا منها - النظام والشعب معاً - أقوى وأكثر استقراراً وثباتاً، والنظام الذي لا يحمل في مضامينه وجذوره وشرعية بقائه القدرة على الصمود والمقاومة انهار وتلاشى وأصبح تاريخاً.

غير أن مواقع التواصل الاجتماعي وبالذات (تويتر) كان لها تأثير مهم إذا ما نظرت إليها من زاوية أخرى؛ فحسب ما أراه ماثلاً للعيان أن ما يُسمى في بلادنا بالصحوة وأساطينها من الصحويين انكشفوا وبان عوارهم وضعفهم وعدم قدرتهم على الدفاع عن مناهجهم الفكرية وخطابهم الثقافي بسبب (الحوار) الذي رفع لواءه الملك عبد الله في بداية عهده، وبدخول (تويتر) كوسيلة حوار - أيضاً - زاد الطين بللا وكشفهم أكثر.

السبب في تقديري يعود إلى أن معادلة الصحوة كانت تتكون من ثلاثة عوامل؛ أولها : الشيخ أو الداعية الذي يقوم بأدلجة الأتباع. والعامل الثاني : التابع أو المُتلقي. العامل الثالث : خطاب الصحوة ذاتها.. العامل الأول أو (الشيخ) تعوّد وتعلم وتدرب على أنه مثل (جهاز البث) يبث ولا يستقبل. العامل الثاني أو (التابع) تعود وتدرب على أنه (جهاز استقبال) يستقبل ولا يتساءل. أما العامل الثالث أو (خطاب الصحوة) فهو خطاب مقولب وجامد وغير قابل للتطور وبسيط وسطحي، ينتمي للماضي أكثر من انتمائه للحاضر، ويعتمد على النقل ولا يُعير للعقل أي اعتبار.. وبمجرد أن اقتحم (الحوار) هذه المعادلة ثلاثية العوامل، والتي كانت محكمة الإغلاق ومُسيّجة من أية مؤثرات خارجية، اختلت واضطربت وظهر عدم قدرتها على التعامل مع المتغيرات وبالذات عصر الحوار الإلكتروني الذي دخل كل بيت، ولم يسلم من تأثيره سلباً أو إيجاباً أحد.

ومن يرصد خطاب أساطين الصحوة في تويتر من خلال تغريداتهم، وكذلك تغريدات متابعيهم المؤدلجين، يجد أنهم يتهربون من النقاش والأخذ والرد والإجابة على الأسئلة، ويتشبثون بالبقاء مثلما كانوا في عصر ما قبل الحوار - (ثنائية الخطيب والمتلقي) - التي انتهت إلى غير رجعة؛ فأغلبهم ينشرون تغريداتهم ولا يناقشون مثلما كانوا يفعلون في الماضي، و(المتلقي) يستقبل تغريداتهم ويعيد التغريد بها ثانية وكأنه الصدى، في حين أنهم يصمّون آذانهم ولا يتفاعلون مع الأسئلة والتعليقات التي يطرحها الآخرون ممن كانوا في الماضي خارج المعادلة، ما جعل كثيراً من مواقفهم تضطرب، ومكانتهم الثقافية تهتز، وقدرتهم على التأثير تتضاءل.

إننا نعيش فترة جديدة لها منطقها وآلياتها وشروطها الصارمة، سيبقى (حاضراً) فيها من يستطيع أن يطرح خطاباً موضوعياً قوياً ومتماسكاً، قادراً على إجابة الأسئلة لا تجاهلها أو القفز عليها، ويُدافع عما يطرحه بعقلانية بعيداً عن العواطف، وفي الوقت نفسه متماهياً مع التحديات المعاصرة التي يواجهها إنسان العصر، وأهمها أن يحاول (جاداً) الإجابة على السؤال (المُقلق) الذي ما زال يُطرح منذ أكثر من نصف قرن دونما إجابة شافية ومؤداه: لماذا تقدم غيرنا وبقينا نحن متخلفين؟.

إلى اللقاء.

مقالات أخرى للكاتب