Saturday 01/02/2014 Issue 15101 السبت 01 ربيع الثاني 1435 العدد
01-02-2014

بنك الزبير، ووجاهة سؤال (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا)

قد كنت مُستثقلا جدا كتابة كتاب في الأحكام الشرعية للربا والمعاملات، لوضوح وبساطة الطرح، ولم أكن أدرك أن كتابة الكتاب وما فيها من إمكانية الاسترسال في تحدي الفكر والأطروحات، تفتح أبوابا مغلقة وآفاقا واسعة لم تكن مُتصورة من قبل، فلما بدأت الكتابة أدركت خطأي في تسويفي واستهانتي بالكتاب وبما يحتاجه من زمن وجهد فكري.. فأنا الآن مُعتكف على كتابة كتاب شامل في الأحكام الشرعية للربا والمعاملات المالية، ليس في متنه أي نسخ أو تقليد، ولا يوجد ما يُنسخ أو يُقلد في هذا الموضوع.

والكتاب سيكون أول كتاب جامع بين الالتزام بلفظ النص الشرعي بمنطوق لسان العرب مع اعتبار حال زمن الصحابة، ثم تنزيل هذا كله على الحوادث المالية والاقتصادية المستجدة بالتكييف العلمي الاقتصادي الصحيح.

فالسوق كجسم الإنسان، خلقه الله على قواعد وأنظمة، كلما فهمها العلم الحديث كلما أصبح أكثر قدرة على التحكم بها والتأثير فيها. والاقتصاد كالطب كذلك في علومه، فهو لم يتطور ويُفهم إلا في العقود الأخيرة. فلعل الكتاب يكون فاتحة للاقتصاديين المسلمين لاكتشاف بعض أسرار الله في خلق السوق. ففي هذا الكتاب لم تُستخدم النصوص الشرعية لاكتشاف بعضا من أسرار خلق الله للقواعد السوقية، بل كانت القواعد السوقية التي خلق الله السوق عليها و المُكتشفة علميا حديثا هي المُستخدمة في فهم وإظهار إعجاز التشريع الفقهي، في موافقته. والنصوص الشرعية في تخصيص الأموال، والتفريق بين الأحوال التبادلية، هو الذي يُوجه الفكر إلى مواطن هذه التطبيقات في النظريات الاقتصادية الحديثة المطبقة اليوم فيجد فيها الإجابات الشافية جميعها.

قال تعالى: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} والشطر الثاني من الآية له تأويلان: فقد يكون من تتمة سؤال الكفار وقد تكون هي إجابة الله لهم. ولكن النتيجة واحدة على التأويلين، وهي أن الله لم يجبهم على سؤالهم، بل أمرهم فقط بالإتباع والاستسلام. وعدم الإجابة ليس استخفافا بالسؤال كما يردد الوعاظ والقصاصون، فقد كان السؤال عظيما ووجيها، ولكن الإجابة عليه معقدة لن تفهمها عقول العرب -مسلمهم وكافرهم- ولا من بعدهم إلى حين أن يظهر إعجاز التشريع مع تقدم الزمان والعلوم.

والأئمة من علماء الإسلام، أدركوا وجاهة السؤال وصعوبة الإجابة عليه.

فقال بن كثير في تفسيره لهذه الآية «وباب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم». وفقيه الفقهاء وشيخ الإسلام بن تيمية أقر بصعوبة السؤال فقال: «وقد كان من العلماء المشهورين في زماننا غير واحد يقولون لا نعرف حكم تحريم الربا وذلك أنهم نظروا في جملة ما يحرم فلم يروا فيه مفسدة ظاهرة» وهذا واضح أنه يقصد البيوع. ثم إنه حاول رحمه الله الإجابة، فأجاب بعموم يُشوش ويخلُط، لا يعين ويوضح، حيث قال: «وحُرم الربا لأنه متضمن للظلم فهو أخذ فضل بلا مقابل له.» وهذا صحيح في القرض وليس في البيع. والزمن له قيمته، فما هي هذه القيمة؟ ولم لا يُعتبر ظلما في بيع الأجل والسلم ويُعتبر ظلما في القرض؟ كل هذا أجابته النصوص الشرعية في إعجاز تشريعي لا يظهر إلا من خلال النظريات العلمية الصحيحة المطبقة لديناميكية الاقتصاد.

ومثال بسيط على ما سبق، فلم أسمع أو أقرأ قط عن إيراد لإشكال واضح في نصوص الربا، وهو ربا الفضل في البيوع. فهو في الواقع أمر بفعل الربا ونهي عن عدم الربا. فصاع تمر جيد بصاع سيئ هو مبادلة ربوية متفاضلة حقيقة، ولكن هي التي أمر بها الشرع ونهى عن المساواة فيها، فيكون صاعا بصاعين مثلا. وهل يقع ربا فضل منفردا في قرض؟ وعدم إيراد هذا الإشكال من قديم ثم حله هو سبب الخلط في المذاهب الفقهية وإلى اليوم بين القرض والبيع. فبه حُرم اقتراض بيضة ببيضتين -وهو حرام- وأجيز اقتراض بيضة بألف دينار! ثم يقولون والحكمة هي منع الظلم وكل قرض جر منفعة فهو حرام!! تناقض، ألا يُفكر فيه؟

وتبين الأشياء يقود بعضها إلى توضيح بعض فمتى فُهم هذا، مع الالتزام بالمعاني الصحيحة والدقيقة للألفاظ، يتبين من ألفاظ حديث الزبير ،كاستخدامه السلف، -وهو معنى استثماري بلسان النبي عليه السلام- بدل القرض. وبالتأمل في حال الزبير وعزة مكانته وتصرفه في أموال الناس واستثماراته الضخمة بها أنها لم تكن قروضا ولا ودائع تقليدية، بل كانت كالوادئع البنكية أي تمويلات معكوسة من الناس للزبير. وكان معدل الفائدة التي حصل عليها الناس هي قيمة الضمان؟ أي كالتأمين على الودائع اليوم) وقيمة الحفظ وهي مقابلة لفائدة الزبير الاستثمارية، فلا ربا فضل هنا ولكنه ربا نسيئة في البيوع لا القروض. ولعرفنا حينها أن تحريم ربا النسيئة كتحريم ربا الفضل هو من تحريم الوسائل، وإلا لما استحله الزبير. وقوله عليه السلام «إنما الربا في النسيئة» أي باجتماع الفضل والنسأ. وحرمة النسأ في البيع، هو لمنع الالتفاف على الربا بحيلة التفاضل الحقيقي في القيمة مع النسأ، وذلك بسد هذه الثغرة في ربا الفضل. وكذلك لم يجوز النسأ بين النقدين والأصناف الأربعة الأخرى ولا يجوز بين بعضها البعض؟ كل هذا تجيب عنه النظرية الاقتصادية الحديثة. وغير ذلك كثير إنما هذه إشارة.

وأما فيما يُسمى بالاقتصاد الإسلامي فدليل خطأ كل ما كتب فيه: هو ارتكازهم في أطروحاتهم على دندنة الظلم في توليد النقود، وما التوليد للنقد إلا رحمة وخير ونعمة. ودندنتهم حول تحريك السوق ببيع السلع, وما هو إلا خلق للتضخم وتدوير للسلع وتعطيل للاقتصاد واحتكار في الزمن وللزمن. فرب اشرح لي صدري ويسر لي أمري.

hamzaalsalem@gmail.com

تويتر@hamzaalsalem

مقالات أخرى للكاتب