Friday 20/06/2014 Issue 15240 الجمعة 22 شعبان 1435 العدد
20-06-2014

حقيقة الثقل السعودي نحو مصر .. الدوافع والآفاق!

لم تكن تهنئة خادم الحرمين الشريفين - الملك - عبد الله بن عبد العزيز لمصر، ولرئيسها الجديد، إلا دليلاً على أن مصر، هي قلب العالم العربي، ورقم فاعل لا يمكن إغفاله في السيطرة على معادلات القوة في المنطقة.. والأخذ في الاعتبار، أهمية دورها في الأزمات - الإقليمية والدولية -، وذلك من خلال توحيد المواقف العربية، وتبنيها القضايا، والحقوق الأكثر استقلالية.. - إضافة - إلى ما تمثّله من ثقل في منظومة الأمن القومي العربي، - لا سيما - في أبعاده السياسية، والعسكرية، والاقتصادية، والثقافية.

إن تطور الأوضاع السياسية في مصر، سيؤثر - بلا شك - على بلدان أخرى.. فاستقرار نظام الأمن الإقليمي لمصر، هو استقرار للمنطقة، من جهة، وللنظام الدولي، من جهة أخرى.. وبقدر نجاحنا في توحيد المواقف السياسية، سننجح في استعادة الدور الكبير الذي تقوم به مصر، وهو ما يُعتبر ضرورة إستراتيجية بمفهومها الشامل، وليس خياراً عابراً.. وهذا ما أكد عليه - خادم الحرمين الشريفين - عبد الله بن عبد العزيز، من أن: «استقرار مصر، وسلامة، وأمن شعبها الشقيق، أمرٌ لا يمكن المساومة عليه، أو تبرير المساس به تحت أي غطاء؛ فمكتسبات، ومقدرات مصر الشقيقة، جزء لا يتجزأ من مكتسبات، ومقدرات - الأمتين - العربية والإسلامية».. فكانت هذه السياسة، امتداداً لمواقفه المشهودة في نصرة الحقوق العربية، وتنقية الأجواء، وجمع الصف، ووحدة الكلمة، والبحث عن السلام.. وهي الرسالة الواضحة، بأن: مصر ستبقى حجر الزاوية، بالنسبة إلى ثقلها في المنطقة.

في المقابل، فإن أبرز دلائل برقية خادم الحرمين الشريفين - للرئيس المصري الجديد - عبد الفتاح السيسي، كانت وصفه لمواجهة مرحلة استثنائية من تاريخ مصر الحديث، بأن هناك تحديات كبيرة في المستقبل.. - ولذا - فإن وضع الإستراتيجيات، ورسم السياسات، والتجاوب مع مطالب الشعب برؤية واقعية متجددة، ونظرة شاملة، ومن ذلك: كبح جماح الخارجين على وحدة الصف؛ حتى تعيد مصر ترتيب أولوياتها نحو الوحدة الوطنية.

لقد أصبح الاستقرار في مصر متعدد الأبعاد، حين مثّل أزمة متصاعدة دون سقف، ارتفعت معه وتيرة الاشتباكات الأمنية، واتسع النطاق الجغرافي للأزمة - خلال الأيام والسنوات الماضية -.. - وعندئذ - فمن السذاجة تصور سير الأمور بلا عقبات، ففي رؤية الوقائع يمكن القول: إن البلاد تعيش في دورة مليئة بالتحديات، مع انسداد أفق الحلول السياسية في تلك الفترة، بعد أن تداخلت في المشهد العام أزمات أخرى، كلجوء بعض القوى السياسية إلى الشارع، وأفضت إلى النتيجة الحتمية المتمثلة في الصدام، وإراقة الدماء؛ نتيجة الحشد، والحشد المقابل.

الأزمة المصرية ذات أبعاد - داخلية وخارجية -، لم تتوقف عند حدود تهديد أمن البلاد، واستقرارها، بل امتدت لتشمل إعادة إنتاج حالة من عدم الاستقرار، وتعطيل مسارات الإنجاز، مع تصاعد أعمال العنف الأهلي؛ لتتجه المواجهات إلى تبني اتجاهات انفصالية؛ بسبب تصاعد عدد الضحايا، واتساع نطاق الاشتباكات الأمنية.. - ولذا - فإن احتواء الانفلات الأمني، وتحمل مسؤولياته الوطنية؛ لحفظ أمن، واستقرار الوطن، هو صورة حقيقية لتقدير الموقف، ومواجهة التطورات الخطيرة، باعتبار أن متلازمة الصراع السياسي، والعنف المتبادل، كانا ثمرة خبيثة، دفعت الكثيرين إلى محاولة حسم الصراع، دون إيجاد نقاط التقاء مع الطرف الآخر.

ثم إن الأطماع الدولية التي تبحث عن مصادرها الإستراتيجية، والأمنية، والاقتصادية، وضمان هيمنتها على مقدرات مصر في الحاضر، والمستقبل، والتي تديرها غرف عمليات دول استخبارات، وأذرعتها الناعمة في قلب القاهرة، وتنفق عليها ملايين الدولارات؛ من أجل تفكيك مصر، وتخريبها، الأمر الذي زاد الأمر خطورة، ما لاحظه المراقب من بوادر التدخل الدولي في الشأن المصري، حيث عقد مجلس الأمن جلسته لمناقشة الوضع في مصر، وهو ما سيدق ناقوس خطر جديد، يحتم على جميع الأطراف، أن يقدم كل شيء من أجل التنازل من جهته.

مصر، هي موقع القلب من الكيانات العربية، وذلك بعدد سكانها، وتراثها الفكري، وتنوعها الثقافي، وموقعها الجغرافي الإستراتيجي.. وهي مركز الثقل في القرارات العربية؛ ومن أجل قطع الطريق أمام أي تدخلات خارجية، تستهدف توجيهه لمصالح مغرضة، وتمرير أجندات مشبوهة، والتي قد تكون حاضرة كغايات في أروقة لعبة الأمم المتحدة، وتدفعها أطراف دولية، وإقليمية، فقد جاءت كلمة خادم الحرمين الشريفين - الملك - عبد الله بن عبد العزيز، حول الأحداث الجارية في مصر؛ لتزيح الضبابية عن سائر أوضاع ما يجري في المنطقة، وما يحاك ضد أمتنا.

تكاتف القلوب قبل الأكف!

رسمت الرسالة الملكية الدعوة لكل عاقل، بمختلف توجهاته الفكرية، والسياسية، ألا ينزلق نحو العنف، وأن يدعم قضية الاستقرار في قمة أولوياته، وأن يعلي من المصالح الوطنية، دون الانسياق وراء مدخلات، ومخرجات، تؤثر على وحدة الصف المصري؛ من أجل تجاوز هذه المحنة، وتحقيق خطوة نحو دروب التقدم الإنساني، والرغبة الشديدة في الاستقرار، وإنقاذ الاقتصاد، والإحساس بالأمن.. مع ضرورة انتهاج الحوار السلمي؛ لمعالجة أبعاد هذه الأزمة، وتحقيق المصالحة الوطنيَّة على أوسع نطاق، وتجاوز تداعيات الأحداث المؤلمة، وتوفير المناخ المناسب لمشاركة جميع المصريين دون إقصاء؛ للانخراط في تنفيذ خارطة طريق المستقبل.

إن تكاتف القلوب قبل الأكف، مطلب أساس لجميع الناس، - لا سيما - ونحن نعيش عصراً مدلهماً بالمتقلبات الفكرية، والتحديات السياسية، والمجتمعية، والمؤثرات الثقافية.. وبغير هذا المبدأ، فإن السعادة التي ينجرّ إليها بعض المخدوعين خلف بصيصها، لا تعدو أن تكون مجرد سراب، يحسبه الظمآن ماءً؛ ولكي تكون الفكرة واضحة، فإن أهم مقاصد الشريعة الإسلامية، وما ترمي إليه من خير للبشرية جمعاء، هو الوقوف صفاً واحداً ضد أي عبث بمقدرات الوطن؛ حتى تتطابق نتائج حكمة الحفاظ على أمن الوطن مع مبادئه.. ويتجلى ذلك في الهدف الأساس، الذي ترمي إليه أحكام الشريعة، وذلك - من خلال - الحفاظ على المقاصد الأساسية الخمسة، وهي - بلا شك - أساس عوامل قيام الدول، والحضارات، والمجتمعات.

إن إدراك الظروف المحيطة بمصر، وما يجري حولها من أحداث متسارعة، وتجاذب القوى بين عدد من دول المنطقة في الوقت الراهن، تستلزم لمّ الشمل، وتوحيد الصفّ، وبذل الوسع في سيادة النظام العام، واحترامه من حيث القيمة العملية، هذا من جهة.. ومن جهة أخرى، بثّ رسالة واضحة للمتربصين بنا: أن لا مجال للعبثية المقيتة على حساب قضايا الأمة المصيرية، والدعوة إلى معالجة القضايا الكبرى بروح المسؤولية.. وألا ننسى الخطوط العامة في عدم التعاطي مع الأحداث برؤية خاطئة، أو كل ما يؤججها، ويساعد على إيقاظها.

الفوضى الخلاّقة!

من حق خادم الحرمين الشريفين أن يقلق من تداعيات ربيع الثورات العربية، حين قال، بأنها: «لا تعدو في حقيقة أمرها، إلا أن تكون فوضى الضياع، والمصير الغامض، الذي استهدف، ويستهدف مقدرات الشعوب وأمنها، واستقرارها «، - لا سيما - وقد انجلت الأمور، ووصلت إلى مرحلة أشبه ببداية الانقلاب المضاد لتلك الثورات. فتعقدت الأمور على نحو مفزع، وأصبحنا ندور في حلقة مفرغة، لا ندري أين ستقف بنا؟.. وساهمت تلك الحالة - مع الأسف - في استغلال المتربصين للأحداث؛ لينفثوا سمومهم، ويحققوا أهدافهم بعيداً عن تحقيق معنى «صناعة الاستقرار الوطني»، وتوفير الاحتياجات الأساسية لرجل الشارع، كالعمل، والسكن، والخدمات الصحية، والتعليمية، - إضافة - إلى ضرورة توفير البنية التحتية للنقل، والطاقة، والمياه، والتكنولوجيا الحديثة.

إن توفر وسائل الاتصال الجماهيري، ومستواه المقنّع، الذي نقل الحدث مباشرة من الشارع إلى جميع أنحاء العالم، كان عاملاً أساساً في تفجير هذه الثورات، بشكل لم يتوقعه أحد، وقلبت موازين القوى رأساً على عقب، وكان الحراك أسرع في تحديد ملامح تلك الثورات، وتحقيق أهدافها، فحسمت أمرها عن طريق الزخم الإعلامي، والضغط السياسي؛ مما جعل بعض تلك الأنظمة تفقد فاعليتها، وثقتها بأدواتها، وكامل سيطرتها عليه.

رغم كل التداعيات المتوقعة التي يعيشها العالم العربي - اليوم -، فإن المراقب للأحداث بحكمة، وعقلانية، يدرك أن ما تحقق على أرض الواقع - حتى هذه اللحظة - لا يتفق مع الآمال، والطموحات التي كانت الجماهير تتطلع إليها، - لا سيما - بعد مرور أكثر من ثلاثة أعوام، وما زال عالمنا العربي يعاني من تداعيات خطيرة، وقد أشار إلى بعض منها - الأستاذ - طلال قديح، عندما وصف أهم تلك التداعيات السلبية، بأنها: فوضى عارمة، تقلّص فيها الأمن، والأمان، وكثرت التعديات على الأملاك العامة، والخاصة.. ووجد اللصوص، وقطاع الطرق فرصة سانحة؛ ليمارسوا أدوارهم بلا خوف، أو رادع حتى من ضمير.. و»من أمن العقوبة، أساء الأدب».. فنسمع باستمرار عن سلب، وقتل، ونهب، ومصادرة، يذهب ضحيتها الأبرياء الذين لا ناقة لهم، ولا جمل.. ووصل الأمر إلى نهب المتاحف، والمجامع العلمية بكل كنوزها، وآثارها التاريخية - الممتدة آلاف السنين -.. وبهذا يريدون سلخ الأمة عن تاريخها، وخلع جذورها.

وظهرت على السطح دعوات مشبوهة، تسيء للُحمة الوطنية، والانتماء العربي، فجاهرَ البعض بالنيْل من العروبة، والإساءة إليها بلغة واضحة، ما كانت، وما كنا نسمع بها على الإطلاق، بل ما كان أصحابها؛ ليتجرؤا عليها، أو يعلنوها، ولكنها فرصة؛ لتستنسر بغاث الطير.. كما ظهرت دعوات مغرضة للطائفية، والمذهبية، والعرقية في مجملها، تخدم أجندات أجنبية لأعداء العرب، وتعيق الحلم العربي في تحقيق الوحدة العربية، التي تهدد مصالح الأعداء، وتقوِّض تطلعاتهم في السيطرة على الثروة العربية المتنامية.

ومن تداعيات الربيع العربي، تردي الحالة الاقتصادية - تجارة وصناعة وزراعة -، وهروب كثير من رؤوس الأموال إلى الخارج؛ لتكون في مأمن من البلطجية، والشبيحة، ومن يقتفي آثارهم، ويحذو حذوهم.. أما الحالة السياسية، فهي في أسوأ مراحلها، كل مشغول بهمومه، وما أكثرها، لا وقت لديه للتواصل مع محيطه العربي، والالتفات للقضايا المشتركة.. وهذه قد تراجعت بشكل غير مسبوق، مما يُعد انتصاراً للأعداء، طالما عملوا من أجله، وبذلوا في سبيله كل إمكاناتهم، وأحابيلهم.

إن كل ما يحدث نتيجة للربيع العربي مبالغ فيه.. فما يحدث للمنطقة من تغيرات سريعة، وبشكل دراماتيكي مثير للجدل، يستدعي أن نحدد خياراتنا المناسبة بشأن تلك المرحلة، وبرؤية واقعية، - لا سيما - أن الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية سيحافظ على مصالحه الأساسية، ومن أهمها: الثروة النفطية، مع عدم إغفال حقيقة المخطط الأمريكي في المنطقة لمستقبل إسرائيل، واحتواء الملف النووي الإيراني، ومواجهة دول أخرى، كـ «الصين، والهند، وتركيا».. وستتواصل سياسة التظاهر بالاهتمام بمسار الديمقراطية في البلدان العربية، وتعزيز الحوار، وتبادل الآراء، والتحول الفكري، والثقافي، والتربوي، والتعليمي، والتقني، وغايتها تحقيق تغيير تاريخي شامل.

ميزان الحكم!

لا يمكن وضع حلول سحرية لتلك الأزمة، إلا أن الأمر بحاجة إلى استنباط آفاق فاعلة، وقدرة على إصلاح المعادلة، ووضع الخارطة في بوصلتها الصحيحة؛ لمواكبة متطلبات العصر - الاقتصادية والسياسية والاجتماعية - لدولة مصر، - إضافة - إلى ضرورة إشراك مكونات المجتمع - بكافة أطيافه - في استكشاف سنن النجاح النسبي، حتى يكون بداية تحول اجتماعي إيجابي شامل، وهو ما عبّر عنه خادم الحرمين الشريفين، بأن: «المرحلة القادمة محملة بعظم المسؤولية، التي تستدعي بالضرورة من كل رجل، وامرأة من أشقائنا شعب مصر، أن يكونوا روحاً واحدة، وأن يكونوا على قدر من المسؤولية، والوعي، واليقظة، وأن يتحلوا بالصبر، وأن يتحملوا في المرحلة القادمة كل الصعاب، والعثرات؛ ليكونوا عوناً لرئيسهم بعد الله».

مرت مصر المحروسة بلحظات تاريخية فارقة، تستوجب عدم الانجرار إلى هزيمة كبرى، في مشهد يراه عقلاء السياسة انتحاراً، وضرورة الانسحاب من معادلة دموية، يبررها اللعب بمصائر الآخرين تبعاً لحالة لا وعي، قسمت البلاد إلى معسكرين متصادمين.. وهو ما تزامن مع الدعوة فرصة؛ لإصلاح ذات البين، والسعي الجاد، والحثيث في تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة، بهدف إيجاد صيغة تفاهمٍ بين أبناء الوطن الواحد؛ للوصول إلى برنامج متفق عليهِ؛ لإنقاذ الوطن من أزمته، ووضعه على الطريق الصحيح.

إن مناشدة خادم الحرمين الشريفين أطياف المجتمع المصري، بألا يكونوا أبطالاً على أنفسهم نحو شقاق، لا يستمد شرعيته إلا من انقسام، وتشرذم بغيض، سيقسم المشروع الوطني، وسيفتته إلى أشلاء. بل افتحوا قلوبكم، ومدوا أذرعتكم للجميع دون إقصاء، ضمن مجتمع يضم تنوعاً في الانتماءات، والأفكار، والمصالح، باعتبار أن المصالحة الوطنية ستفسح الطريق أمام كافة الفصائل؛ للمشاركة في الحياة السياسية؛ حتى لو أخذت وقتاً من الزمن؛ إلا أنها في نهاية المطاف، ستثمر عن نتائج إيجابية.

إن الأخذ بالفعل بعيداً عن ردوده السلبية، وامتلاك زمام الأمور، يقتضي ضبط النفس، وعدم الخروج عن الإرادة الوطنية؛ لتغليب المصلحة العامة، ومن ذلك: حقن دماء المصريين.. ولا أعتقد - أن أمراً كهذا - سيتحقق دون الوصول إلى غاية إستراتيجية، شعارها المصالحة الوطنية، ذات أهداف واضحة، تركز على القواسم المشتركة بين جميع الأحزاب، والتيارات السياسية، بعيداً عن لغة الاستثناء.. ثم إن البعد عن كل ما يغذي الانقسام، - سواء - أكان ردة فعل انفعالية، توفرت لها ظروف اللحظة السابقة، أم لم تكن، أصبح خياراً مشروعاً؛ من أجل الخروج من النفق المظلم، نتيجة الارتباكات الكبرى التي صاحبت المرحلة الانتقالية، وهو ما عناه خادم الحرمين الشريفين حين خاطب الرئيس الجديد، بقوله: «ليكن صدرك رحباً فسيحاً؛ لتقبل الرأي الآخر - مهما كان توجهه -، وفق حوار وطني مع كل فئة لم تلوث يدها بسفك دماء الأبرياء، وترهيب الآمنين، فالحوار متى ما التقى على هدف واحد نبيل، وحسنت فيه النوايا، فإن النفس لا تأنف منه، ولا تكبر عليه».

مؤتمر الأصدقاء!

أمام الرئيس المصري الجديد تركة مثقلة بالملفات المعقدة، والمتراكمة على - كافة - الأصعدة الداخلية، والخارجية.. - ومثلها - تحديات صعبة، يفرضها الواقع السياسي، والاقتصادي، والأمني؛ ولأن التحديات التي تواجه مصر كبيرة، فإن ما سيشغل الرئيس المصري - طيلة الفترة القادمة -، هو: الشؤون الداخلية المصرية.. ومن ذلك: ضرورة العمل على تعزيز عملية التحول الديمقراطي، ومنح الفرصة للكفاءات الوطنية المؤهلة؛ لتولي المناصب الرئيسة في الدولة؛ من أجل إصلاح أجهزة الدولة، ونفض ما اعتراها من ترهل، وفساد مالي، وإداري؛ ليؤكد خادم الحرمين الشريفين على ضرورة: «انعقاد مؤتمر لأشقاء، وأصدقاء مصر للمانحين؛ لمساعدتها في تجاوز أزمتها الاقتصادية؛ وليعي كل منا، أن من يتخاذل - اليوم - عن تلبية هذا الواجب، وهو قادر مقتدر - بفضل من الله -، فإنه لا مكان له غداً بيننا إذا ما ألمت به المحن، وأحاطت به الأزمات».. مناشداً - في ذات الوقت - كل الأشقاء، والأصدقاء، بضرورة: «الابتعاد، والنأي بأنفسهم عن شؤون مصر الداخلية - بأي شكل من الأشكال -، فالمساس بمصر، يُعد مساساً بالإسلام، والعروبة، وهو في ذات الوقت مساس بالمملكة العربية السعودية، وهو مبدأ لا نقبل المساومة عليه، أو النقاش حوله تحت أي ظرف كان».

أيضاً، فإن الحفاظ على دور مصر الرائد، والإقليمي في المنطقة، هو أحد أهم التحديات الدولية، التي تتطلب التعامل بشكل واقعي، وإيجابي، - سواء - مع الدول العربية، والخليجية، أو مع الدول الغربية.. وضرورة إعادة النظر في تلك العلاقات، وتحسينها بما يتماشى مع مصلحة الدولة المصرية في هذا التوقيت الحرج، والابتعاد قدر الإمكان عن كل ما قد يتسبب في خلق صدامات دولية - لا طائل من ورائها -.

عقارب الساعة المصرية تتحرك بسرعة، ولا بديل أبداً عن بناء دولة حديثة، وإقامة مجتمع مدني، ورسم أفق جديد لمستقبل مشرق، يستمد قوته من أسس الديمقراطية.. وبقدر نجاح التجربة المصرية التي سنرقبها، ستكون لها آثارها الإيجابية على جميع الدول العربية.

بقي أن أشير إلى نقطة مهمة، وهي خلاصة برقية خادم الحرمين الشريفين، بأن حماية الأمن الاجتماعي لا تتحقق بغياب فاعلية الأمن الوطني، والذي يتعلق بحماية الدولة، وشعبها ضد أية أخطار تهددها ككيان سياسي، أي: أن صون الأمن الإنساني من كل ما يمكن العبث به، يحتاج إلى بسط النظام، وسيادة القانون؛ لننجح في إنتاج المكون الأصيل، والثابت للأمن القومي، إن بمضمونه الصلب، أو بمضمونه الإنساني.

إن الحفاظ على الكيان السياسي لمصر، وحماية مصالحها العليا بما يكفل أمن الوطن، واستقراره، واستعادة فكرة الدولة، وهيبتها، يمثّل أهم ضمانات استقرار المجتمع بمضمونه المرتبط بأمن الإنسان - أولاً -، كونها حقوقاً مشروعة؛ من أجل القضاء على موجة العنف، والذي يُعتبر أحد أهم علامات عدم الاستقرار السياسي - بجميع مستوياته -.. فمعالجة السياق السياسي، والاجتماعي، والأمني بحكمة هادئة، وموضوعية شاملة، هي أمور مرتبطة ببعضها، ولا يمكن التغافل عتها.

ثم إن من مبدأ السياسة الشرعية، وعين الحصافة العقلية، ألا تنساق بعض القوى، والتيارات - الإسلامية والقومية -؛ لتنفيذ مخططات خارجية، دون إدراك لأبعاد المؤامرة، وما يحيط بمصر من مخاطر إستراتيجية، وألا يستدرجوا إلى ما لا يحمد عقباه، وأن يفصلوا بين الشأن الداخلي، والخارجي، ويساهموا في تعزيز الجبهة الداخلية، ويعملوا على عودة مصر إلى سابق قوتها، ومكانتها؛ لحماية المنطقة - من جهة -، وأداء دورها القيادي العربي - من جهة أخرى -.

drsasq@gmail.com

باحث في السياسة الشرعية

مقالات أخرى للكاتب