Saturday 05/07/2014 Issue 15255 السبت 07 رمضان 1435 العدد
05-07-2014

وجوب شرط الحول وعدمه في ضوء التأصيل المنضبط

الخلاف في اشتراط الحول في الزكاة وإن كان شاذاً ونادراً في زكاة الذهب والفضة وزكاة الأنعام، إلاّ أنه خلاف مشهور في حالة الخارج من الأرض كالطماطم والخضروات ونحوها، من غير الزرع والثمر المنصوص عليه. كما اختُلف في اشتراط الحول في نتاج الأنعام، وفي المال المُكتسب من أجرة وريع ونحوه، كإيجار العقارات وريع المصانع ونحوها.

وتنبع أهمية الخلاف في اشتراط الحول وعدمه نتيجتين مهمتين. الأولى: إيجاب زكاة لم يوجبها الشرع أو نفيها وقد أوجبها الشارع. والثانية: عدم تكرار الزكاة في كل عام لأموال أوجب الشارع زكاتها سنوياً. فالطماطم من الخارج من الأرض، فلا زكاة فيها عند من اشترط الحول، وفيها زكاة عند من لم يشترط الحول، وكلا القولين غير منضبط أصولياً. وصاحب مزارع الأرز مثلاً، متى ما زكي محصوله عند حصاده لا تكون هناك عليه زكاة عند كِلا الفريقين، سواء مثبت شرط الحول أو نافيه، ولو خزن الأرز عشر سنين، يتربص حاجة المسلمين عند نقص السوق ويغلي أسعارها، إلاّ أن يتحول للتجارة ففيه زكاه سنوية عند بعض من يشترط الحول. وجميع هذه الأقوال غير منضبطة أصولياً.

بل وهناك من الفقهاء المعتبرين قديماً وحديثاً من أوجب إخراج الزكاة في أجور العمل والرواتب حين اكتسابها فوراً، مُشبهاً المسألة بزكاة الثمار. فهو بذلك قد جعل من الإنسان الحر مالاً من الأموال كالجماد والحيوان. فالمال لا يولده إلاّ مال، والإنسان ليس بمال.

فلو اكتسب رجل أجراً بعشرة ملايين ريال على عمل قدمه، فعند هؤلاء، فيجب عليه أن يزكيها أول مرة فور اكتسابها، ولا يزكيها بعد ذلك أبداً. (وبعضهم جعلها خمسة بالمئة - هكذا بمتوسط زكاة الزروع -) فأوجب ومنع، افتياتاً على الله. (وكل هذه الفوضى من قياس الشبه الباطل والُمتخبّط. وهو قياس باطل لا ينضبط وقد جاء مذموماً في القرآن، وقد أصبح قياس الشبه اليوم هو عمدة أصول تفقه الفقهاء في تجديدهم للفقه).

وأصل الخطأ حاصل في التأصيل، وفي الخلط بين الشرط والسبب.

فمن اشترط الحول جعل من الحول شرطاً في حكم الوجوب، فلا تجب الزكاة حتى يحول الحول. وبهذا المفهوم لا يعتبر الحول شرطاً بل سبباً كالنصاب (والأسباب تتعدّد بلا إشكال). والصحيح من الناحية التأصيلية: هو أنّ الحول شرط في الأداء، وليس شرطاً أو سبباً في الوجوب، أي شرط جباية أو إخراج. فهو يحمل معنى الواجب الموسع، فتجب الزكاة ببلوغ النصاب ويمتد جواز أدائها لعام.

وهذا واضح ومثبت بالدليل الشرعي. فقد تلد نعجة يوم الجباية فتُكمل النصاب فيأخد جُباة الأمير زكاة مال لم يمض على وجوبه ساعة. وقد تموت نعجة في نفس يوم الجباية فينقص النصاب فلا تؤخذ زكاة عام كامل.

إذن فزكاة الأنعام والذهب والفضة وما يقاس عليها بعلة قابلية النماء، هي واجب موسع تجب بالنصاب وتُخرج أو تُجبى خلال عام وكل عام. والطهارة مثال شرط الأداء: فهي شرط في أداء صلاة الفجر، لا في حكم وجوبها. فحكم وجوبها هو النص الشرعي (وإن شئت فقل بالعلة التعبدية) ويتحقق الوجوب بانشقاق الفجر الصادق فهو سبب وجوب النص بالأمر ( العلة التعبدية). وشرطها قبل شروق الشمس. فهذا واجب موسع .

فمن حالات الواجب الموسع كون وقوعه بين سبب التكليف وشرط الأداء.

وأما الواجب المضيق فهو ما يقع بين سببين كالصيام. فالفجر سبب الصيام والغروب سبب الإفطار. إذن فالسبب هو المتعلق بحكم الوجوب أي بالعلة، لا الشرط ( وقد تتحقق العلة بمجموع أسباب أو بسبب من أسباب أو لا يتبعها إلاّ سبب واحد) .

فلو دخل وقت الصلاة على امرأة فقد وجبت عليها الصلاة فإذا حاضت وهي لم تصلِّ، سقطت عنها الصلاة - ولا تقضي - لعدم توفر الشرط فتعذّر الأداء.

وكذلك إذا ذهب مُلك المال ببيع أو خسارة أو استهلاك أو بتحول لمال آخر خلال العام قبل أداء الزكاة، فقد سقط وجوبها. (وهذا عدل في حال الخسارة.

وهو دافع الاقتصاد لإنتاج في حال بيعه أو تحويله لمال آخر).

فالطماطم مال قابل للنماء ببيعه في سوق المسلمين فيتحول إلى مال آخر أو بتصنيعه. فتجب في الطماطم الزكاة، إلاّ أنّ أداءها موسع لعام. والطماطم لا يصبر لأسبوع، إلا أن تُصنع. فللأمير حق جباية الزكاة حين حصادها بعلة قابلية النماء قياساً على الذهب فيتبعها السبب وهو النصاب. وهذا التأصيل بالعلة المستنبطة لا يُعتبر اجتهاداً مقابل النص. فليس في عدم جباية الرسول لزكاة الخضروات شاهد، فليس هناك نهي. فالاحتماليات كثيرة وأهمها قلّتها وزهد أهل المدينة فيها. فماذا لو كانت الطماطم أو ما في حكمها هي أغلى وأنفس وأكثر منتج لبلد ما، وتتعلق به الأنفس وتتشوق إليه الأفئدة؟ كما تتعلق العرب بالإبل والتمر. أفلا يحق للإمام بعلة قابلية النماء جمع زكاتها ومواساة الفقير والمحتاج؟.

وكذلك، فالزمن شرط للنماء وليس لقابلية النماء. فشرط الحول وهو زمن ليس متعلقاً بالعلة، حتى في أصلها. فلا يتعلق حكمه بحكم وجوب الزكاة. والأموال القابلة للنماء لا تنمو بذاتها بل عند تحوّلها إلى مال آخر. فمتى تحولت دخلت في زمن - حول - المال الآخر.

وبعلة قابلية النماء يرجع إليها - مرة أخرى - كل مال ناتج عن مُتحول منها. أو يكون قد تحول إلى مال نامٍ بنفسه كالأنعام والزروع. فالنقود كانت قابلة للنماء فذهبت قابليتها بتحولها لمساكن ومصانع فلا زكاة فيها. ثم عوائد الإيجارات والمصانع والمزارع تصبح أموالاً قابلة للنماء، إن لم تُنمّ مرة أخرى.

فما أضبط التأصيل بالعلة الصحيحة وما أشمله وما أوضحه بقليل العبارة.

وغالب التأصيل في دين محمد النبي الأمي عليه السلام، هو تطبيق لفهم الرجل البسيط في علة وسبب وشرط ومانع إشعال حطب النار « قَدحُ حَجَري زنذٍ يبدأ النار، إذا ما توفر الهواء، وسلم الحطب من الرطوبة». والتأصيل بالعلة المنضبطة على النص الشرعي يحمي المسلم من التخبط، ويقدم به العذر لله يوم القيامة.

فلم تُعذر الأمم من قبلنا بل قال سبحانه في حقهم تذكيراً لنا وتحذيراً {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ..}، فلا عذر لنا بأن نعتذر : إنا وجدنا فقهاءنا وفقهاء فقهائنا كذلك يقولون.

hamzaalsalem@gmail.com

تويتر@hamzaalsalem

مقالات أخرى للكاتب