21-11-2014

إشكالية المستقبل في الذهنية السعودية

لم أقم بدراسة استطلاعية، ولم أجر بحثاً ميدانياً في هذا الموضوع الهام من وجهة نظري الشخصية ،كما أنني لا أعلم أنه سبق وأن دُرس دراسة علمية متخصصة من قِبل الأكاديميين المهتمين بهذا النوع من العلوم، وجهلي بالشيء لا يعني عدم وجوده، ومع هذا وذاك فإنني ومن خلال المعايشة اليومية والتأمل الواسع والرصد الاجتهادي، أعتقد أن السعوديين إزاء هذه الإشكالية المعقدة أصناف خمسة:

* أناس يعتبرون القادم أمراً غيبياً لا يعلمه إلاّ الله ولا يمكن التفكير فيه، ولذلك فهم يعيشون يومهم ولا يكترثون بما يجري حولهم من أحداث وتغيرات، وليس بمقدورهم النظر فيما قد يكون غداً سلباً أو إيجاباً، فهم مقتنعون بأنهم أعجز من أن يكون لهم دور في تغيير مجريات الأحداث، وأضعف من أن يخططوا للمستقبل، وأعمارهم أقصر مما يظنون، وأولادهم وذريتهم من خلفهم لهم الله.

* وأناس يبالغون في التخوف من القادم المجهول بشكل يثير الرعب في نفوس من حولهم فضلاً عنهم، وقد يسلبهم هذا الخوف لذة التمتع فيما هو بين يديهم في «مضارعهم «، فهم يعيشون «هماً» متراكماً لا تستطيع حمله الجبال الرواس، ومع ذلك هم لا يخططون جيداً للمستقبل، بل يكتفون بالوقوف في طابور الانتظار لساعة الصفر التي ستنقلهم لمحطة سلبية سوداوية - في اعتقادهم -، وغالباً ما يطلق هذا الصنف منا دعواته وسؤاله الله أن يعين الجيل القادم على الحياة المضنية المرهقة التي تنتظرهم، فمستقبلهم في نظر هذا الصنف منا لا يطاق، وهؤلاء الناس غالباً هم من يقف في خندق رافضي التغيير خوفاً منه وخشية من آثاره السلبية فهو لا يأتي إلا بشر.

* وصنف ثالث يتمتع بالتوازن في النظرة ويملك القدرة على التخطيط الأمثل، يعيش بين تجاذبات العمل للدنيا كأنه سيبقى أبداً وللآخرة وكأنه سيموت غداً، وغالباً هؤلاء القوم يتمتعون بصحة نفسية عالية وتفكير عميق وحكمة ورشد.

* أما رابعنا فهو إنسان متقلب متحول متغير يصعد من صعود رتم الأحداث السياسية والاقتصادية ويحمر حين يهبط المؤشر، وينعكس ذلك على نفسيته وسلوكه وجزماً تفكيره، ولذلك فهو متخبط متأرجح متردد، لأنه باختصار لا يملك زمام نفسه وليس لديه رؤية تحدد بوصلة تفكيره.

* والخامس إنسان يعيش المستقبل أكثر من الحال ويخطط له بشكل مبالغ فيه، ولكنه يقف عند حد الكتابة على الورق أو التفكير المجرد، فهو أعجز من أن يقدم على شيء.

إنّ انتظار أمر جلل سيحدث، والتخوف من المستقبل القريب خاصة بعد ثورات ما أُطلق عليه زوراً وبهتاناً مسمى «الربيع العربي»، وجراء تتابع الأحداث وتأزمها في ساحتنا العربية والخليجية منها على وجه الخصوص، أقول إن هذا التخوف يسيطر على ذهنية شريحة عريضة في المجتمع السعودي، ولذلك فهم يعيشون حالة ترقب يصاحبها تشنج وانفعال وتضجر وإهمال، بل إن دافعية العطاء لديهم ضعفت وحماس الفعل الحضاري الوطني قلّ، وربما لغة النقد وعبارات القدح ارتفعت وعلا صوتها وكأنهم يعجّلون بوقوع ما يتخوفون منهم وهم لا يشعرون.

تجلس في جلسة عائلية أو عملية وتفاجأ بمن يجعل الدنيا تسود في ناظريك، يسلبك لذة التمتع في يومك والراحة لحظة نومك بتحليلات واستنتاجات مخيفة ومفزعة، وفي ذات الوقت مدللة ومقنعة، دون أن يفتح لك باباً للتفاؤل ويرسم لك ملمحاً للأمل في غد أجمل ومستقبل مشرق.

إن :

* الثقة بالله والإيمان بأنّ الأمر كله له أولاً وأخيراً، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.

* ثم الثقة بحنكة وكياسة وفطنة وحكمة وتمرس وفراسة وتخطيط ودراية قادة بلادنا حفظهم الله ورعاهم وسدد على الخير خطاهم.

* ومعرفة من نحن وماذا نملك.

* والعلم بحال الآخر، وماذا لديه.

* وتوطين النفس والتمتع بالقناعة والرضى.

* وقراءة التاريخ والتأمل في صفحاته الماضية والاستفادة منها في تغيير ما لدينا من قصور وسد ما عندنا من ثغرات وخلل في الحاضر.

* والشعور بالمسئولية الوطنية الملقاة على عاتق كلٍ منا، ومن ثم الانتصار على الذات وتقديم المصلحة الجماعية على الشخصية.

* والسعي الجاد والحقيقي في عدم توسيع الفجوة بين سقف الطموح وحقيقية الواقع المعاش.

* وعدم المساس والقدح بالرموز من قادة وعلماء ومصلحين حتى لا تضعف منزلتهم في نفوس الأتباع والعامة.

* والجزم بأنّ ليس كل ما يقال حق، والحذر من الانسياق وراء الإعلام الموجّه الذي يؤثر بشكل مباشر في تشويه الصورة الذهنية بطريقة اللاشعورية.

* والتعاون فيما بيننا والشعور بالصف المتراص والجسد الواحد والعمل على تقارب الطبقات الاجتماعية والأطياف الثقافية والنخب السياسية والفكرية و...

* والإكثار من دعاء الرب بأن يحمي بلادنا ويحفظ قادتنا ويقينا شر من به شر.

إنّ هذا كله سيجعل - بإذن الله - مستقبلنا أفضل، دمتم بخير وتقبلوا صادق الود والسلام.

مقالات أخرى للكاتب