Culture Magazine Monday  16/04/2007 G Issue 195
فضاءات
الأثنين 28 ,ربيع الاول 1428   العدد  195
 

الفعل الروائي .. من الملائكية إلى البشرية!
د. عبد الله البريدي*

 

 

سقنا في مقال سابق بعض الحيثيات التي تؤكد خطورة تهميش الوظيفة التشخيصية للثقافة، وأشرنا إلى نتيجة خطيرة تترتب على ذلك؛ تتمثل في اصطباغ الثقافة بنوع من (الحساسية المفرطة) تجاه الممارسة النقدية الجادة أو الصارمة، تماما كالإنسان الذي لم يمس بشرته أحد من البشر فترة متطاولة، مما يجعل بشرته تنفر من الملامسة وتقشعر من مجرد التفكير فيها، وذلك داء يصيب الثقافات إبان تشكلها وتطورها، كما الطفل الصغير المدلل؛ الذي لا يحتمل نقداً ولا يستسيغ تقويماً، ولا يطيق مقارنة بعائلته فضلاً عن تفضيل الآخرين عليهم بوجه أو بآخر، فهم الأخير والأقوم والأفضل والأجمل والأذكى والأكفأ.. وتلك هي مرحلة يعيشها الطفل؛ يتمحور فيها حول ذاته، والثقافة تتمحور حول ذاتها أيضاً حال طفولتها وتصاب بالداء نفسه، ولا شيء يفكها من إسارها غير التشخيص الثقافي الممنهج.. وقد أوردنا مثالاً يؤكد صحة ما سبق، وقد كان ذلك المثال مستجلباً من الفضاء السياسي، مما يجعلنا هذه المرة نستجلب مثالاً من الفضاء الثقافي، فلكل دلالاته وأهميته في استكناه أبعاد ما نرمي إلى استكشافه وتقريره.

المثال الثاني: ويتعلق بفعل ثقافي صرف؛ فعل أذاب - من جانبه - قدراً من تلك الحساسية المعيقة وأسهم بدور فعال في استعادة المجتمع السعودي - كنموذج للمجتمع العربي - لبشريته، ويتمثل ذلك في (الفعل الروائي السعودي)، فالميزة الكبيرة لهذا الفعل - من وجهة نظري - لا تكمن في جوانبه الأدبية أو الفنية، إذ انه لا يزال في مراحله الأولى في ذلك، بل ميزته تتجسد في كسر (زجاج الملائكية) للمجتمع السعودي، فبدأنا نرى مجتمعاً بشرياً له أخطاؤه ونقائصه وعيوبه وسيئاته وأشراره ومفسدوه، وهذه قفزة كبيرة في الوعي بالذات، وثمة أفعال منطقية مفترض أن تترتب على ذلك الوعي في مختلف المجالات، وهذا لا يعني أنني أتفق مع كل الأساليب المستخدمة في بعض الروايات السعودية لكسر ذلك الزجاج، فبعضها اتسم بقدر كبير من العنف أو المبالغة أو التشويه أو الاضطراب في رسم صورة متوازنة لمجتمع بشري، وبعضها تنكر للمدخل النفسي السليم وتجاهل بعض الأبعاد التربوية المهمة في العرض والمكاشفة والمعالجة، لدرجة أن بعضها (يبدو) كما لو كان يحاول أن ُيخرج المجتمع من (الحالة الملائكية) ليس إلى (الحالة البشرية) فحسب، وإنما إلى (الحالة الشيطانية) أو ما شابه ذلك أو قاربه! وربما أمكن تفسير ذلك - على فرض التسليم به - كنوع من ردة الفعل العنيفة على النزعة الملائكية التي رافقت المجتمع السعودي فترة زمنية أكثر مما ينبغي، فكأنهم يقولون (نضربهم بالشيطانية ليصلوا إلى البشرية)، على غرار المثل الشعبي الشهير الذي يقول: (اضربه بالموت يرضى بالسخونة - أي بالمرض)! ولكن الحقيقة تقول لنا ان البشر بشر والملائكة ملائكة والشياطين شياطين، ولا أحد يطيق إزالة الفواصل بين تلك العوالم!

وقد سيق الفعل الروائي السعودي كنموذج، لا أكثر، ولا سيما أن المجتمع السعودي يعكس جانباً من (الحساسية المفرطة) التي كنت أروم استكشافها وتحليلها، وأحسب أن أكثر المجتمعات العربية والإسلامية تتوافر على أقدار من تلك الحساسية في الوقت الذي يفعل (الفعل الروائي) فعله!، ومن ذلك - مثلاً - المجتمع التركي، فهو مجتمع تتلبسه حساسية مفرطة تجاه التشخيص الثقافي الذي يلامس (النظام العلماني)، وقد جاء الفعل الروائي ليسهم في إذابة قدر من تلك العلمانية المتطرفة، من خلال مشاهد ومناقشات ومحاكمات عقلانية لمقوماته ومبادئه وتطبيقاته وفضح لبعض تناقضاته الصارخة، وقد وجدت شيئاً من هذا في رواية (الوردة المسيحية) للروائية التركية (أمينة شنليك أوغلو)، وقد ترجمها بمهنية عالية الكاتب السوري (محمد مولود فاقي). وعلى هذا فيمكن القول ان الفعل الروائي العربي والإسلامي يحتاج إلى دراسات متمعقة؛ وبنفس يتقمص أدواراً تشخيصية بشكل أو بآخر، لاستكشاف بواطنه وظواهره واستيعاب آثاره وتصنيف أساليبه وتقويم جودته الفنية والفكرية في ضوء الإطار الثقافي، ومن الدراسات التحليلية المميزة الحديثة للفعل الروائي السعودي دراسة الدكتور إبراهيم بن علي الدغيري، بعنوان: صورة المجتمع في الرواية السعودية المعاصرة، 1400 - 1424هـ، دارسة تحليلية وفنية (رسالة دكتوراه مقدمة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، 1427هـ).

وثمة قضية إشكالية ذات طابع فلسفي لا بد أن نقف عندها قليلاًً، وهي أن التشخيص وظيفة للثقافة، والتشخيص كوظيفة متوجه للثقافة، فالثقافة إذن لا تمارس وظيفة لتشخيص غيرها وإنما لتشخيص ذاتها، وهذه إشكالية كبيرة! فكيف تشخص الثقافة نفسها بنفسها.. وكيف تقيّم أدائها بأدواتها .. وكيف تحاكم تاريخها بسجلاتها وأقلامها؟!

هنا نظفر بخيط رفيع ل(التحيز)؛ يجب التفطن له، فالمشخص للثقافة مدرك نصيبه من التحيز لا محالة؛ السلبي منه والإيجابي ، الطبيعي منه وغير الطبيعي، المقبول منه وغير المقبول، قل ذلك التحيز أو كثر، وسيكون لنا وقفات متعددة حول مفهوم التحيز في سياق التشخيص الثقافي ومنهجيته وتمظهراته وآثاره، ولكن دعونا نعود إلى أصل الإشكالية السابقة لنتساءل: ألا يمكن للإنسان أن يتعلم الطب ويحذق فيه، بلى، ألا يسعه حينذاك أن يطبّب نفسه، فيشخص مرضه ويتعرف على أسبابه، ويصف الدواء، ألا نتخيل ذلك؟ بلى نتخيله وهو أمر حاصل في الواقع، غير أن الطبيب لا يستطيع تطبيب نفسه في مجالات لا يحسنها، ولاسيما في الأمراض الخطيرة التي تتطلب تشخيصاً دقيقاً باستخدام أدوات وآلات معقدة، أو تلك الحالات التي تستلزم تدخلاً جراحياً وهو ليس بطبيب جراح؛ كما أنه يتعذر عليه تطبيب نفسه حتى وإن كان في مجال تخصصه حين يكون مصاباً بالحمى وارتفاع شديد في درجة الحرارة؛ بشكل يفقده صوابية التشخيص ودقته!

إذن يمكن للمثقف الذي تولد في رحم الثقافة أن يشخصها، ولكن في أوضاع تتشابه مع تلك التي لامسناها بتحليل ضمني في المشهد الرمزي السابق؛ فالمثقف وإن تكوّن من نفس المفردات التي تتشكل منها ثقافته، إلا أن مزج تلك المفردات يختلف، فهو مزيج فريد، وهذا يجعلنا نقرر بأن المثقف لا يماثل ثقافته تماماً وإن كان متولداً منها، فهو ليس من جنسها التركيبي، لا بسبب اختلاف المفردات التكوينية لهما، وإنما بسبب اختلاف المزج فيما بينهما، فالحديد الأقوى يقطع الأضعف، والخشب الأثقل يحمل الأخف، مع أنهما من نفس الجنس، ولكن اختلاف المزج بين المفردات التكوينية فيما بين الحديد الأقوى والأضعف، والخشب الأثقل والأخف؛ أدى إلى تكوين أشياء مختلفة في بعض سماتها، الأمر الذي يؤهلها لأداء وظائف متمايزة عن الأشياء التي تنتمي إلى نفس الجنس، وهنا ترتفع الإشكالية أو تخف، وأياً كان الأمر، فإن لذلك متطلبات كثيرة.

ومن أهم تلك المتطلبات تمرد المثقف المشخص على (التفكير الجمعي)، وهذا لا يعني البتة أن يتنكر له، ولا أن يلعنه - كما يفعل البعض من المثقفين العرب، وإنما يعترف به؛ ويدرك إيجابياته وقيمته في تشكيل الهوية، وفي (التنميط الإيجابي) للتفكير بإلباس المجتمع ل(نظارة حضارية)؛ ُيبصرون بها ويقيّمون ويخططّون وينفّذون ويحبون ويكرهون! وهذه إيجابية للتفكير الجمعي - تماماً كما التفكير الروتيني مفيد في حياتنا اليومية - حيث يجهّز التفكيرُ الجمعيُ المجتمعَ برأي عام (تلقائي) و(مبدئي)، كما يبرمجُ الفعلَ الاجتماعيَ تجاه بعض القضايا والمشكلات والأخطار التي تهدد المجتمع، وفعالية التفكير الجمعي وجودة برمجته تقلّل من حجم (الجهد الثقافي)، إذ لا يحتاج المجتمع أن يبذل جهوداً ثقافية كبيرة تجاه كل قضية أو مشكلة أو خطر يطرأ من أجل صناعة رأي عام أو برمجة الفعل الاجتماعي، حيث يتشكّل ذلك الرأي أو الفعل تلقائياً بموجب التفكير الجمعي لا الجهد الثقافي، وهذا يجعل المجتمع يصرف جهده الثقافي في ممارسة نقدية واعية لمدى صوابية ذلك الرأي العام التلقائي ودرجة عقلانية تلك البرمجة الاجتماعية (المبدئية). وعلى هذا فمشخص الثقافة يتعامل بعقلانية مع التفكير الجمعي فيحتويه ويتأبى على الخضوع له، فهو يتفهمه ويهضمه، غير أنه لا يترك له مجالاً لأن يبتلعه أو ينمّطه، كلا فالمثقف هو من يكسر نمطيته ويذيب جموده ويوجه مساره ويدخل مفردات جديدة في نسقه الفكري والوجداني، مع ما يتطلبه ذلك من العراك الثقافي مع التفكير الجمعي؛ متجسداً ببعض مفرداته أو رمزياته؛ بجوانبها الفكرية والمؤسساتية.

beraidi2@yahoo.com


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة