الاقتصادية عالم الرقمي مجلة الجزيرة نادي السيارات الرياضية الاصدار الدولي الجزيرة
Monday 17th May,2004 العدد : 59

الأثنين 28 ,ربيع الاول 1425

أحمد خالد البدلي .. رفيق الدرب
محمد سعيد الشعفي

تمتد معرفتي بالأخ الصديق أبي مالك الدكتور أحمد خالد البدلي إلى أكثر من خمسين عاماً، إذ التقيت به في القسم الداخلي بجبل هندي، عندما التحقت بمدرسة تحضير البعثات، والتحق نفسه بالمعهد العلمي السعودي، وفي القسم الداخلي نشأت بيننا وبقية الإخوة الطلاب علاقات مودة، فالقسم الداخلي آنذاك يضم مئات الطلاب الوافدين من خارج مكة المكرمة، الذين التحقوا إما بكلية الشريعة، أو بمدرسة تحضير البعثات، أو بالمعهد العلمي السعودي، وقد خصصته الدولة لأمثالنا وهيأته بكل وسائل الراحة، وفي هذا القسم كنا نعيش كأسرة مترابطة، وبقيت علاقاتنا مع زملائنا قوية، حتى بعد أن تفرقت بنا السبل، وفي القسم عشنا أحلى أيامنا، وفيه نضجت مداركنا وتفتحت أذهاننا، واتسعت معرفتنا بمن حولنا، وكنا نقيم الندوات، ونقدم المسرحيات، ونشترك في التمثيل، وأذكر أنني اشتركت مع الأخ أحمد في تقديم تمثيلية، حضرها كبار وزارة المعارف آنذاك منهم معالي الأستاذ ناصر المنقور، ومعالي الأستاذ عبدالوهاب عبدالواسع وغيرهما، وقد وفرت لنا الوزارة كل مستلزمات المسرحية تشجيعاً لنا.
وكان أبومالك كثير الحركة لا يهدأ، يحب ممارسة كرة القدم، يكثر من المشاوعة، وصاحب مقالب، وفي نفس الوقت يحب القراءة، وكانت له محاولات في الكتابة إذ أذكر أنه ألقى بحثاً في المسامرات الأدبية عن ديكارت، التي كانت تعقد في فناء مدرسة تحضير البعثات والمعهد العلمي السعودي بصفة دورية، كما أن له محاولات إذاعية في إذاعة المملكة العربية السعودية، إلا أنه بينما كان يلقي نشرة أخبار الساعة الثانية والنصف على الهواء، طلب منه أن يتوقف ليذيع خبراً عاجلاً، ويبدو أنه لم يستطع قراءته لأنه كتب بخط رديء فازداد ارتباكا، ولذا قرر التوقف بعدها.
وبعد أن أمضينا أياماً سعيدة في مكة المكرمة، جاء وقت الحصاد، وأكرمنا الله بالنجاح في الثانوية العامة، لننتقل بعدها إلى مصر لمواصلة دراستنا الجامعية حيث التحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية بجامعة القاهرة، بينما التحقت أنا بقسم التاريخ، وكانت القاهرة متقدمة كثيراً فانبهرنا بما رأيناه، ولم نكن نتقابل إلا قليلاً لاختلاف التخصصات والهوايات، لكن بعد تخرجنا من جامعة القاهرة، وجدنا أنفسنا مرة أخرى نعين في جامعة الملك سعود، ونحتل مكاتب مجاورة في كلية الآداب مع بقية زملائنا أمثال: أحمد الضبيب، عبدالرحمن الأنصاري، عبدالعزيز الفدا، محمد عثمان الصالح، ولصعوبة وجود مساكن مناسبة وقريبة قررنا استئجار فلة في البحر الأحمر (الملز) واشترك معنا الأخ فهد النصار.
وبعد مضي بضعة أيام اكتشفنا بأن أوزاننا تسير في زيادة مطردة، على الرغم من أننا نذهب إلى الجامعة مشيا على الأقدام، وكذلك نعود بنفس الطريقة، ونمارس الرياضة، إلا أن ذلك لم يفد كثيراً، مما أوحى لنا بفكرة محاربة النوم بعد الغداء، ولكي نشغل الوقت أكثر اشترينا معدات النجارة، وأخذنا في صناعة أسرة، وطاولات، وكراسي، بالإضافة إلى توزيع أعباء البيت بيننا، ولكنني لم استمر طويلا في هذا المسكن، لأن أختي أم جابر قد حضرت للإقامة معي.
وأثناء ذلك كنا نراسل الجامعات البريطانية، فقبلنا في مختلف الجامعات، وعندئذ كان لابد من السفر إلى بريطانيا لمواصلة دراستنا العليا، فقررت والأخ أحمد أن نسافر معاً، ووضعنا برنامجاً تم على أساسه أن نأخذ أوروبا بالتدرج، حيث بدأنا باليونان، ثم إيطاليا، ثم سويسرا، وأخيراً لندن، وفي هذه الرحلة تعرفنا كثيراً على بعضنا البعض، وتوثقت الصلة بيننا أكثر فأكثر، وكان التفاهم والانسجام جيدجداً طوال الرحلة الطويلة، ولم يحدث أن اختلفنا قط، وبالمناسبة فقد دون مشاهداته وملاحظاته في مذكراته الشخصية، واحتلت الرحلة جزءاً من هذه المذكرات.
وفي لندن وصلنا حوالي الساعة الرابعة عصراً، في جو مشمس، لم نر ضباباً، وقد دهشنا لأن الروايات التي نسمعها بأن لندن بلد الضباب، وأن الشمس لا ترى أبداً، وحجزنا من المطار، وحتى الآن لا أذكر كيف استطعنا التفاهم سواء مع مسؤولي الجوازات عند تعبئة البيانات أو عند مكاتب حجوزات الفنادق، لأن لغتنا الانجليزية ضعيفة جداً جداً، وبالمناسبة وجدنا الفندق على مستوى عال، لكن ميزانيتنا لا تمكننا من البقاء فيه أكثر من ليلتين،على كل كانت الساعة السادسة عند وصولنا إلى الفندق، وعلى الفور، وبعد معرفة غرفنا، نزل الصديق أحمد لبهو الفندق للاستفسار عن مكان المطعم لتناول طعام العشاء، واختيار طاولة للجلوس عليها، فجاء أحدهم يطلب منه مغادرة المكان، فاعتبر أن ذلك تصرف مهين عنصري، خاصة وقد قرأنا عند تصفحنا في الصحف للبحث عن سكن، أن الكثير لا يقبلون الملونين، وقد فهمنا ذلك خطأ لأنه لم يحن الوقت بعد لتناول الطعام.
وفي اليوم التالي ذهبنا إلى مدرسة الدراسات الشرقية لمقابلة بعض المسؤولين، حيث ذهب إلى قسم اللغة الفارسية، بينما ذهبت إلى قسم التاريخ، والتقيت الأستاذ برنارد لويس، وقد زودتنا الجامعة بعناوين عدد من العائلات التي تقبل طلابا للسكن معهم، فكان أخي أحمد حظيظاً إذ وجد قبولاً لدى امرأة مسنة، ولكنه لم يحافظ على النعمة كما يقولون، إذ خرج عن التعليمات، فبينما كان يتناول فطوره، قام وفتح الثلاجة وأخذ منها قطعة جبن، ولسوء حظه أن العجوز أتت من الخارج وشاهدته يأكل جبناً، فما كان منها إلا أن أعطته إنذاراً بمغادرة منزلها، لأنه ارتكب خطأ جسيما إذ أخذ ذلك بدون أن يستأذن منها. حاول كثيراً أن يدفع أضعاف قيمتها إلا أنها أصرت، ولم أشعر وأنا أقيم في فندق صغير، إلا وأبو مالك يطرق الباب، فسعدت لرؤيته لأنني كنت أتصور أنه جاء لزيارتي، ولكن كان يبحث عن سكن، وهكذا عدنا من جديد، ثم قررنا بعد أن فشلنا في وجود عائلات تقبل بنا، أن نستأجر شقة نحن والأخ محمد الباز، وكان لابد أن نوزع أعباء المنزل، فاختار أبو مالك أن يقوم بغسيل القدور والأطباق، إلا أنه كان مزاجياً، مرة ينظفها ومرة أخرى يتمرد علينا، وبمرور الوقت اكتشف أن بقاءه في لندن مضيعة للوقت، ولذا أخذ يراسل الجامعة في نقل بعثته إلى إيران، وأخيراً جاءت الموافقة قبل نهاية العام الدراسي بقليل، فقررت الانتقال إلى جامعة ليدز للانضمام الى الإخوة أحمد الضبيب وعبدالرحمن الأنصاري، ولم أسمع عنه منذ مغادرته، إلا بعد خمس سنوات، فقد سمعت أنه تخرج ووصل أرض الوطن، وباشر عمله، وبعد وصولي الى أرض الوطن، قابلت الأخ أبا مالك، الذي كان يبحث عن سكن لأنه ينوي أن يتزوج، وصادف أن إحدى الشقق في العمارة التي أسكنها وسعادة أخي الدكتور عبدالرحمن الأنصاري، قد فضيت، فتم استئجارها ونشأت بيننا وعائلاتنا علاقات حميمة.
وشاركنا رحلاتنا الأولى التي كان يقوم بها قسم التاريخ لاكتشاف المواقع الأثرية والتاريخية في الفاو وفي العلا، أخص بالذكر رحلتنا التي قمنا بها 1389هـ إلى كل من القصيم فحائل، فالعلا، فتيماء التي استغرقت حوالي خمسة عشر يوماً، قطعنا فيها الكثير من الفيافي والقفار، ومنها حرات هتيم التي أثرت تأثيراً كبيراً في إطار السيارات، حيث تعطل جزء كبير منها، مما اضطرنا إلى أن نبقى في العشاش، وهي محطة يرتاح فيها المسافرون في الطريق بين المدينة المنورة وتيماء، وتقع من ناحية أخرى على الطريق العام عند المدخل المؤدي إلى مدينة العلا، وقد وقع الاختيار على أبي مالك بأن يأخذ تلك الإطارات إلى المدينة المنورة لإصلاحها أو شراء غيرها إذا لزم الأمر.
هذه بعض من ذكرياتي مع الصديق العزيز أبي مالك الذي قرر أن يترجل، وأن يتفرغ للاستجمام والقراءة والكتابة، وحبذا لو استطاع الاستفادة من وقت فراغه، وذلك بالرجوع إلى كتبه ومراجعة ملاحظاته التي دونها على كل كتاب يقرؤه لعله ينشرها، ثم الانتهاء من كتابة مذكراته التي بلغت عدة مجلدات، أما أخلاقه فهو دمث الخلق، وفي، كريم النفس، يأبى الضيم، مشهور بالصراحة خفيف الظل، لا يمل الجلوس معه، روحه مرحة إلى أقصى حد، يروي ويؤلف أحيانا النكات، ربما أن عيبه يكمن في طيبته، وهو إنسان حساس وعاطفي لكنه بعض الأحيان لا يستشف منه ذلك، لأنه يخلط الجد بالهزل، ومن المواقف الطريفة التي أذكرها اكتفي بسرد طرفتين:
1 كنا في رحلة إلى القصيم، وفي بريدة كان أبو مالك يبحث عن شراء دخان، فوقع بصره على بقالة فاتجه إليها ليسأل صاحبها عن حاجته، فما كان من ذلك الرجل إلا أن حمل ساطوراً وظل يلاحق الأخ أحمد ليضربه، ولكن الله سلم.
2 ذهبت وإياه إلى السفارة الباكستانية في لندن، وكانت آنذاك تتولى أمور الرعايا السعوديين لأن العلاقات مقطوعة على أثر حرب السويس، وكانت لغتنا الانجليزية ضعيفة جداً، وعندما وقفنا أمام المسؤول قال ماذا تريدون ففهمنا أنه لا يستطيع أن يقدم لنا أية مساعدة فانصرفنا ونحن نكيل له الشتائم.
وأخيراً، فإنه يعز عليَّ أن أفارق أبا مالك، الذي قرر التقاعد، وأدعو له بطول العمر وحسن الخاتمة، وأن يمتعه الله بالصحة والعافية، وأرجو أن أراه كما عودنا أكثر نشاطاً وحيوية.
الصفحة الرئيسة
أقواس
شعر
فضاءات
نصوص
تشكيل
المنتدى
كتب
ذاكرة
مداخلات
الثالثة
مراجعات
اوراق
ابحث في هذا العدد

ارشيف الاعداد
للاشتراك في القائمة البريدية

للمراسلة


توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت

Copyright 2003, Al-Jazirah Corporation, All rights Reserved