Culture Magazine Monday  20/10/2008 G Issue 257
الملف
الأثنين 21 ,شوال 1429   العدد  257
 

أبو عبدالوهاب: حق الشراكة فيه
عبدالرحمن الشبيلي

 

 

تكاد علاقتي بالمحتفى به في هذا العدد، وهو الصديق والأديب الشاعر، والدبلوماسي، تمتد إلى ما يجعلني أدّعي شراكة فيه مع أولاده وأسرته، وهو ما يُسعدني ويصب في مصلحتي، وتؤكده مشاعر الأخوة المشتركة والحميمة بيننا، منذ أن تعارفنا قبل ما يزيد على أربعة عقود.

إن مما يحلو لمن يكتب عن الشخصيات المحتفى بها، أن يؤرخ لبداية العلاقة وقصتها وكيف استمرت، وهو ما لن أخرج عنه في كتابتي هذه التي تأتي بسيطة منسابة، كما هي طبيعة الصداقة التي جمعتني بهذه الشخصية العزيزة المكرّمة صحفياً اليوم.

لكنني أبدأ أولاً بتقديم وافر الامتنان للمجلة الثقافية وللقائمين عليها، التي لم يعد بمقدورنا اللحاق بإيقاعها المتسارع في تكريم الرواد من الأدباء والمثقفين، وهو إيقاع محمود يثلج الصدر، لكونه مطلباً قديماً يتكرر من كل وسائل الإعلام، ومن بينها الصحافة الثقافية.

بدأت علاقتي بالأستاذ محمد الفهد العيسى منذ أن كان حبيس إقامة اختيارية فرضتها عليه ظروف زوبعة أثيرت على بعض قصائده، لما تضمنته - حقيقة أو مبالغاً فيها - من جرأة (نواسيّة) لم تكن معهودة في حينه، وإلى الآن.

كانت تلك القضية حديث المجتمع الثقافي في منتصف الثمانينيات الهجرية (الستينيات الميلادية) وكان ينزل في حي الملز، في منزل مجاور للإذاعة في شارع الفرزدق بالرياض، وفي ظني أنه إذا ما صح ما نُسب إليه من نصوص، فإنه يستحق ما نال من (مرمطة)، دون تبرئة المدعي بهذه القضية من حِدّته في إثارتها ونبشها.

وقد استفاد التلفزيون خلال عزلته هذه من معرفته بالألحان والأوزان الموسيقية، في محاولة لتدوين التراث والفنون الشعبية من كل أنحاء المملكة، كالخماري والدحة والسامري والصوت والمزمار والعرضات وغيرها، مع تبيان الفروق الإيقاعية بينها، ومقارنتها مع ما هو معروف من ألوان الألحان الحديثة والمقامات، إن كان ثمّة من علاقة بين أحدها.

وأحسب أن معرفة الأستاذ العيسى بتلك التفاصيل كانت متقدمة، في مجتمع نجد بالذات، لم يكن يجاريه فيها سوى طارق عبدالحكيم، الذي يُعدّ - مع مطلق الذيابي وأبو علي الزامل - صائغ الأغنية السعودية الحديثة، وأب الموسيقيين والفنانين غير التقليديين الذين تكاثروا في مطلع الثمانينيات الهجرية.

وأذكر أنني غادرت مبتعثاً للدراسات العليا في منتصف عام 1387هـ (1967م) ومكتبة التلفزيون تحتضن عشرات الحلقات التي كان الأستاذ العيسى يكتب نصوصها عن تلك الفنون، راجياً أن تكون تلك الأشرطة قيد الحفظ والصون الآن.

في تصوّري، أن اختيار الأستاذ العيسى للعمل الدبلوماسي في عهد الملك فيصل، بدءاً من موريتانيا (بلد المليون شاعر) ثم قطر والكويت والأردن، والبحرين لاحقاً، كان حلاً يتناسب مع روح هذا الشاعر الفنان الجريء، الذي ينسى كلما كتب القصيدة أنه يعيش في مجتمع متحفظ صعب، مع أن بين أيدينا نصّاً قرآنياً صريحاً بأن الشعراء (يقولون ما لا يفعلون).

أقول هذا الكلام، وهو الذي كان كثيراً ما يعهد إلي، عندما تزاملنا في مجلس الشورى وإلى يومنا هذا، بقراءة نصوصه تمهيداً لطباعتها، فأجد أن شاعرنا ما زال (ابن الأربعين) القديم لم يتغير ولا أظنه، مع أنه طيلة معرفتنا به عمودٌ من أعمدة مسجده المجاور، الذي قد لا يصله إلا على ذات أربع كهربائية.. وإذا قدّر لي أن أطلب منه، بحكم صداقة العمر، شيئاً أن يكتب - كما فعل أبو العتاهية من قبله - في أغراض شعر التوبة، بقدر ما كتب في ضده (من شعر الغواية) فالرجل - والحمد لله - يحوز كل القدرات الذهنية والشعرية، ويصرف في لقاء ربه كل يوم أكثر مما يمضي مع أسرته ومجالسيه.

ثم لا يفوتني، وأنا استذكر عشرة العمر الطويلة مع الصديق الغالي (أبو عبدالوهاب) مدّ الله في عمره على زيادة عمل صالح، أن أسجل في سيرته المتجددة شكري للتلفزيون، الذي استضافه قبل نحو عام، في مقابلة توثيقية مطولة، فتح فيها قلبه للكاميرا والمايكرفون، بكل شفافية ومكاشفة صادقة.

- ثم أثني على دراسته القيمة التي نشرها عام 1415هـ (1995م) عن تاريخ الدرعية، وما زالت تحتفظ بقيمتها التوثيقية، وهي من تقديم حمد الجاسر.

- الأمر الثالث، أن هذا الإنسان الذي لا تكاد الابتسامة والنكتة تفارقانه، قد مرت به مصائب قاسية، كان من بينها فقد ابنه الأكبر (عبدالوهاب) وابنته الكبرى (فوزية) اللذين توفيا في (عز) الشباب.

- الأمر الرابع، أن هذا الرجل، الذي تبسّطنا في مداعبته في مطلع هذا المقال، يمثل نموذج الوفاء في حفظ الود، تصوروا أن هذا الحبيب، لا يتردد، وهو يستند على عضد أحد أبنائه، أن يفاجئ محبيه، ولو عند الباب، ليشاركهم أفراحهم وأتراحهم.

هذه - بإيجاز - بعض علامات، استحضرتها الذاكرة، من بين المحطات الكثيرة، المضيئة في سيرته.

- الرياض


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة