Culture Magazine Monday  21/04/2008 G Issue 244
فضاءات
الأثنين 15 ,ربيع الثاني 1429   العدد  244
 

إبستمولوجيا
د. مصلح النجار

 

 

قال أحد العارفين:

المعرفة والسرور لا يجتمعان في أحد في الدنيا أبدا، والمعرفة والحزن لا يجتمعان في أحد في الآخرة أبدا. وسأنظر في الشطر الأول من هذه المقولة، في ضوء واقع العلاقة المعرفية بين الشعر العربي القديم، والغناء العربيّ الحديث.

طلع علينا أحد الإعلانات التلفزيونيّة لنوع من أنواع الشوكولاتة المحشوّة بالبسكويت - بتوظيف جزء من بيت شعر من قصيدة الملك الضلّيل امرئ القيس المعلّقة (مكرّ مفرّ مقبل مدبر) في لحن محدّث، يليق بأغاني الأفراح، والأغاني الشبابيّة، في مرحلة الشباب المبكّر، يلبسون بنطلونات جينز، ويسرّحون شعرهم، بطريقة غريبة عمّا تمثّله هذه القصيدة من مرجعيّة، على الأقلّ. هل كان امرؤ القيس يحسب أنّ هذا البيت من معلّقته سيتحوّل إلى دعاية Kit-Kat؟ وماذا كان سيقول لو أنّ شركة الإعلانات التي تولّت كِبْرَ هذا الإعلان - طلبت إليه منه ذلك.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى طلع علينا فيلم مصريّ عنوانه (صايع بحر) بتوظيف آخر لهذا البيت من الشعر، فنرى فيه الممثلين ريكو وأحمد حلمي يغنّيان مع الفرقة:

مكرّ مفرّ مقبل مدبر معاً

كجلمود صخر حطّه السيل من علِ

ثم تكتمل الأغنية، بمواءمة سحريّة بين هذه المعلّقة، وقول حافظ إبراهيم:

أنا البحر في أحشائه الدّرّ كامن

فهل سألوا الغوّاص عن صدفاتي؟

ألم يسبق لرواة الشعر أن ضمّنوا بيتا من قصيدة في ثنايا قصيدة أخرى، حين تشابهَ وزن القصيدتين؟

لقد كان بيت امرئ القيس المذكور مشهدا سينمائيّا عبقريّا، وهو يستحقّ منّا، ومن كلّ من يقدّر الصورة البصريّة- أن نمجّده، ولكن ْ يصعب علينا أن نقرّر موقفا واضحا من هذه الظاهرة، وليس سهلا أن يميّز المشاهد العربيّ بين ما هو تكريم للتراث، وما هو محاولة للنَّيل منه.

إنّنا ننادي كلّ يوم بحضور تراثنا في حياتنا المعاصرة، وننادي بألا ينسلخ الجيل الجديد عن منجزنا الثقافيّ، وبأن يكون هذا المنجز قاعدةً للانطلاق إلى مستقبل الأمّة، وآفاق إبداعها، ولكنّ مشهد (الكت كات)، و(صايع بحر) كليهما لم يكونا في سياق الفخر، بل لإثارة مفارقة واضحة بين سياقين: معاصر، ورجعيّ، بما لا يشعر بالاحترام المنشود، حين نتكلّم على ذواتنا، ونوظّف عناصر ثقافتنا.

وأخيرا، تحيّة إلى امرئ القيس، وإلى حافظ إبراهيم، ولكلّ من يمكن أن تُغنَّى أشعارهم في إعلانات الشوكولاتة، أو في أفلام عن البحر و(صيّعه)، وهنيئا للمسرورين بسرورهم، وللعارفين بمعرفتهم.

***

لإبداء الرأي حول هذا المقال، أرسل رسالة قصيرة SMSتبدأ برقم الكاتبة«7446» ثم أرسلها إلى الكود 82244

muslih@hu.edu.jo - عمّان


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة