Culture Magazine Monday  28/04/2008 G Issue 245
فضاءات
الأثنين 22 ,ربيع الثاني 1429   العدد  245
 
هل ستنجح السينما عندنا؟!
تعلو الأشياء بصحة جذورها
سهام القحطاني

 

 

قد يقول قائل إن مسألة النجاح والفشل مسألة نسبية، وهو كذلك في كل أمر لا يملك معايير ثابتة لتقويمه، إضافة إلى أننا تعودنا على تحديد حاصل النجاح أو الفشل لأهمية القيمة من عدمها، وذلكم أمر غير عقلاني أو موضوعي، وأقرب للذاتية، لأن القيمة ليست معياراً، ويجب ألا تكون كذلك، ويمكن اعتبارها كنقطة مفاضلة تقوي ناتج التقويم ولا تؤثّر فيه، بمعنى تحديد أيهما أكثر ناجحاً، فهي تزيد نجاح الناجح ولا تُنجح الفاشل، لأن القيمة نسبية وفق طبيعة السلم القيمي، في حين أن المعيار ثابت، والتوحيد بين مفهومي المعيار والقيمة الذي نتبعه في عملية تقويم المنتَج إحدى مشكلات الممارسة النقدية لدينا، ولا شك أن هناك أسباب مختلفة للطبيعة العاطفية التي تغلب على ممارساتنا النقدية، قد أخصها بحديث مستقل، ومنها فيما يتعلق بهذا المقام (العرف النقدي) الذي تعودنا على ممارسته في تقويم الأشياء التي تمثّل لنا إرهاصات وبدايات، ذلك العرف الذي يجبر الجميع بأن يطبل ويهلل ويمجد تلك الإرهاصات، ويهمش سلبياتها وضعفها وفشلها، بحجة أنها بدايات، ويباح للبدايات ما لا يباح لغيرها،وقد يرى البعض جواز تلك الممارسة النقدية العاطفية الحماسية، لسعيها لتشجيع البدايات ودفعها للأمام، لكن ما لا قد ندركه أن الدفع الشديد قد يقلب العربة فيحطمها بدلاً من تقدمها! فأخطر ما يواجهنا هو الحد الفاصل بين الهدم والبناء؛ لصعوبة التفريق بينهما.

وأعتقد أن البدايات هي أكثر المراحل التي تحتاج إلى تقويم صارم وتوجيه مقنن وموضوعية مطلقة في الحكم على أهميتها ومستواها،لأنها مرحلة تأسيس، ومتى ما التزمت مرحلة التأسيس بأقصى معايير الجودة ضمناً استمرار جودة المنتَج، والعكس صحيح، لأن عشوائية الإرهاصات لا تُكون أساساً ولن تسهم في صناعة منتج بمعايير الجودة الفنية التي هي من أبرز علامات نجاح المرحلة التأسيسية.

ولذلك أعتقد أن بدايات السينما السعودية بالشكل الذي بدأنا نلاحظه وننتعه لا تدل على خير يحمله مستقبلها، لأننا أصبحنا نصفق قبل أن نقوّم، لا يتعلق الأمر باستخفافي بالبدايات، وفي المقابل لا تمنح البداية مبرراً للسذاجة والهشاشة التي يتصف بها حاصل المنتج، وإذا تنازلنا عن جودة الإنتاج من البدايات لمبررات نعلقها على عدم توافر مصادر الإنتاج المادية والفكرية والفنية، سنظل نتنازل عن جودة الإنتاج حتى في المراحل اللاحقة ولن نغلب من إيجاد مبررات لكل مرحلة، فالبداية الضعيفة لا تضمن استمرار قوي، مع وضع قلة الخبرة في الاعتبار، لكنها لا تبرر سذاجة المنتج وضعفه.

فالبدايات بلا شك تُقدر و(التقدير) قيمة وليس معياراً، ولذا يجب ألا يشغلنا التقدير عن البحث عن الجدية والمنهجية وتوافر معايير الجودة لهذه البدايات، لتهيئتها لتصبح مرحلة تأسيس لفن وصناعة وفكر جديد على المجتمع سيساهم في تغير وتغيير كثير من مرجعيات وأشكال العقل الجمعي، وليس مجرد تحصيل حاصل.

فهل الأفلام الموجودة الآن التي تتحرك ضمن هوية (السينما السعودية) مستوعبة كل ما قلته من ضوابط التأسيس ومدركة للتغير والتغيير الذي ستقوده (السينما) عبر ما ستنتجه من خطاب مختلف وأحياناً متضارب مع مجموع الخطابات لدينا؟

وفي المقابل هل ستصبح (السينما) لدينا مشكلة؟

من الحكم التي تعلمناها من المسرح السعودي، أن استمرار التجربة لا يُنتج صناعة فن، كما أن استمرار التجربة ليس علامة من علامات النجاح، فحتى السيئ بالتكرار يستمر، لكنه لا يتطور ولا يعلو، فالأشياء لا تعلو إلا بصحة جذورها، وأتمنى ألا تسير السينما على طريقة المسرح، وإن كنت لا أظن أنها تملك خياراً آخر إلا ذلك الطريق، أي التحول إلى مجرد تجربة ستستمر و لن ترقى إلى مستوى صناعة فن، نحن نريد صناعة سينما ولا نريد سينما فقط.

وهو أمر لن يتم إلا إذا وفرنا لها ما يضمن استمرارها مع تطورها لتنتج صناعة فن، وأول ضمانات نجاح صناعة السينما عندنا وجود (تخطيط إجرائي) تتكفل به المؤسسة الثقافية الحكومية عبر إنشاء هيئة خاصة بصناعة السينما، من وظائفها التخطيط لبناء دور سينما في المدن الكبرى للمملكة كخطوة أولى، والحقيقة أنني لا أستطيع منح أنفسنا حق (الثقافة السينمائية) ولا يوجد في البلاد أي دار سينما، فحقيقة الشيء تُستمد من وجوده، ودور السينما هي الإثبات الأبرز لجدية وجود صناعة سينما في المجتمع، بل السينما لا تستمد وجودها الرسمي إلا من خلالها ودونما ذلك هو ضرب من أحلام اليقظة، فالسينما فن جماهيري، يستمد تطوره من خلال تفاعل الجمهور معه، وهي بذلك تمثِّل إحدى مكونات الخطاب الاجتماعي وإحدى حوافز التغير والتغيير الاجتماعيين، وهذا أمر مهم أقصد ارتباط السينما بسلوك الفرد وفكره، فالسينما تعلمنا نمطاً جديداً من التفكير والسلوك وهو ما يتطلب من القائمين على صناعة السينما من تهيئة المواطن لاستقبال السينما شكلاً ومضموناً، لذلك قلت إن السينما تمثّل أحد حوافز التغير والتغيير الاجتماعيين، مما يحمّل النص السينمائي مسئولية قيادة ذلك التغير والتغيير.

وغياب النص السينمائي من المشكلات التي ستقابل صناعة السينما لدينا، لأن النص الأدبي يختلف عن النص السينمائي، وبذلك فنحن أمام خيارين إما كتابة نص خاص للسينما ولا يوجد لدينا كتّاب في هذا المجال، أو تحويل النصوص الروائية إلى نصوص سينمائية، وأيضاً لا يوجد لدينا كتّاب يحترفون هذه المهنة، وخصوصاً أننا لم نصل إلى النضج الروائي الذي يمكن النص الروائي لدينا للتحوّل لنص سينمائي، ولذا سنجد أن النص التلفزيوني والوثائقي أو النص الروائي المرئي سيغلب على السينما لدينا.

ومسألة أخرى أظنها خطراً سيهدد بدايات السينما لدينا وهي السعي إلى إيجاد إمكانية لتعويض ناقص هذه الصناعة كما يحدث الآن من خلال التجارب السينمائية ذات الجهود الشخصية، فالمجهود الشخصي يثري التجربة المدعومة رسمياً، وهو بدون ذلك الدعم لا يغني ولا يسمن من جوع، لأن التجربة الشخصية بمفردها لا تستطيع فرض شكل فني على المجتمع، والتعويض عن وجود السينما داخل السعودية بفرضها خارجه، أو في عروض خاصة في الأندية الأدبية، لا تعوض غياب دور السينما، ولا تحقق فرضها، كما أنها لن تفلح في فرض السينما داخل المملكة، فنحن نحتاج إلى حركة جهرية لطرح مشروع هذه الصناعة على المجتمع بصورة واضحة وصريحة، وانتزاع اعتراف صريح من المؤسسة الرسمية بدعم هذه الصناعة والمساهمة في إتمامها، أما الهروب فلا يضمن التواجد، حتى وإن عرضت الأفلام السينمائية السعودية في أعظم المهرجانات الفنية العلمية، ولن يهيئ استعداد المواطن لقبول صناعة سينمائية بكل متطلباتها ونتائجها في مجتمعه، ولا أدري هل هذه المسلمة تغيب عن هواة السينما لدينا الآن، أم أنهم يدركونها ولكنهم يهدفون إلى إيجاد صناعة للسينما، بل بمجد شخصي، وقيمة خاصة كهواة يحركهم الحماس والاختلاف، ومبلغ حلمهم أن يشاركوا في مهرجانات من الدرجة الثالثة، وأن يشدّ المشاهد السعودي إن وجد لها مشاهد رحاله إلى البحرين أو الكويت!

ومن الضمانات التي تُيسر صناعة السينما عندنا، توفير التقنيات الفنية بداء من ورش السيناريو والحوار مروراً بالإضاءة والديكورات والإخراج، ومن أجل توفير تلك الإمكانات التقنية لا بد من إنشاء معهد لفنون السينما، أي التهيئة التقنية لإتمام صناعة السينما، والاستعداد لتقبل كل التغييرات المصاحبة نتيجة وجود الصناعة السينمائية، بما فيها فتح السوق السعودية للأفلام العربية والعالمية في دور السينما - إن وجدت - دون إبراز عائق (الخصوصية)، لكن العمل وفق الأسلوب اليومي (خليها على الله) و(بالبركة) لن يؤدي إلى صناعة سينما.

ولعلي أدّعي أن الاحتياج دون توفر قدرة لا ينتج أي شيء، ومفهوم الإنتاج في حد ذاته قد يكون معضلة تحتال على نوع ومستوى الحاصل.

الأمر الآخر الذي لا يقل أهمية ومتتم لصناعة السينما وجزء من التخطيط الإجرائي لصناعة السينما وجود (الناقد الفني) المتخصص فهو بمثابة المرشد الروحي لهذه الصناعة ومن أهم إغناءات هذه الصناعة، وإنتاجه مرهون بوجود معهد للفنون السينمائية، وإلا لوقعنا في فوضى نقدية لهذا الفن مثلما نعيش فوضى نقدية أدبية.

إن البدايات الصحيحة تضمن جودة المنتَج وتطوره وبقاءه والبداية الصحيحة لصناعة سينما عندنا تبدأ من هيئة خاصة لصناعة السينما تابعة للمؤسسة الثقافية الحكومية، وما عدا ذلك فهو مجرد (فوضى فنية)، أو أظن ذلك.

****

لإبداء الرأي حول هذا المقال، أرسل رسالة قصيرة SMS تبدأ برقم الكاتبة«7333» ثم أرسلها إلى الكود 82244

- جدة


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة