Culture Magazine Thursday  30/04/2009 G Issue 281
فضاءات
الخميس 5 ,جمادى الاولى 1430   العدد  281
ذكرياتي مع السيد (أمين مدني)
علي محمد العمير

 

فوجئت ذات يوم من أيام عام (1391هـ) بالساعي الخاص برئيس تحرير جريدة البلاد الأستاذ (عبد المجيد شبكشي) وكنت - حينذاك - أعمل سكرتيراً للتحرير، وأشرف على القسم الأدبي الثقافي، وأكتب زاوية يومية.. كما أكتب صفحة كاملة أسبوعياً بعنوان (كتب وكتاب).. فوجئت بالساعي يقول لي: الرئيس يبغاك!!

وذهبت إلى الرئيس في مكتبه فوجدت عنده شخصاً نحيل الجسم، بادي الوقار، حاد النظرات.. قدمني له الأستاذ شبكشي.. ثم قدمه لي، وهو يضيف قائلاً:

لقد جاء الأستاذ خصيصاً للتعرف عليك، ولإهدائك - يداً بيد - كتابه (تاريخ العرب ومصادره) فتأثرت كثيراً.

ثم تأثرت أكثر وأكثر عندما تجاذبنا أطراف الحديث، ظهر لي منه أنه يتابع باهتمام مقالي الأسبوعي على مدى صفحة كاملة تحت عنوان (كتب وكتاب) فضلاً عن كتاباتي الأخرى.

وقال: إنه كان يظن أنني أكبر سناً مما أنا عليه!!

ثم أغدق على شخصي الضعيف الثناء العاطر المستطاب، الأمر الذي أحرجني وأخجلني وأربكني علم الله!!

وقد أدرك الأستاذ (الشبكشي) مدى حرجي وارتباكي، فقال لي:

(يكون في علمك - يا علي - أن الأستاذ لا يلقي الكلم على عواهنه، وليس هو ممن يجاملون، أو يدارون في الأمور الأدبية بخاصة.. بل وفي جميع شأنه بصفة عامة)!!

وهنا زاد ارتباكي أكثر فأكثر.

ولكن هكذا تعرفت - في ذلك اليوم - لأول مرة على أستاذنا الكبير (أمين مدني) رحمه الله رحمة واسعة.

نعم.. لقد قرأت له، وسمعت عنه قبل اللقاء، ولكنني لم أتصور قط أنه على ذلك القدر من الدماثة، والخلق الرفيع، والأستاذية الحقة. وقد أهداني كتاب (التاريخ العربي ومصادره) فأهداني بالتالي فكرة موضوع لصفحتي الأسبوعية (كتب وكتاب) وكنت أعاني الكثير في سبيل البحث عن الكتب الجيدة المناسبة لها.. أقصد الكتب المناسبة للاستعراض والنقد الحقيقي!!

وهكذا لم أمهل نفسي حتى قرأت الكتاب من الجلدة إلى الجلدة - كما يقولون - ودونت ملاحظاتي المتواضعة.. ثم كتبت عنه فصلاً ضافياً، أثنيت فيه على الكتاب، وعلى صاحبه، ونقدته أيضاً في بعض جوانبه نقداً يخلو من أية مجاملة، أو أي تأثير شخصي، رغم تأثري فعلاً بشخص المؤلف ودماثة أخلاقه.

ويعلم الله أنني كتبت ما كتبته من نقد، وأنا لا أتوقع أي رد من الأستاذ المؤلف حيث كنت قد قلت في نفسي:

من أنا حتى يهتم بالرد علي مثل (أمين مدني) ولكني فوجئت - في الأسبوع نفسه - بمقال ضاف بقلم الأستاذ الكبير يرد فيه على نقدات الشاب (علي محمد العمير).

كان المقال يعبق بعبير أخلاق العلماء كأروع ما تكون هذه الأخلاق!!

وقد نالني من الثناء في ذلك المقال ما يعلم الله أنني كنت أقل منه بكثير في رأيي عن نفسي، وبعد ذلك الثناء العاطر، تناول المقال نقداتي الواحة بعد الأخرى، فيؤيد - حيناً - ما ذهبت إليه من رأي، ويصوب لي في حين آخر ما ظن أنه فاتني إدراكه بدقة.

ولا تسلني - أيها القارئ الكريم - عن مدى فرحتي بكل ذلك.. فقد كنت في ريعان الشباب، وكنت في حاجة إلى مثل هذا النوع من التشجيع المخلص النبيل من أديب رائد كبير مثل السيد (أمين مدني).

كان ذلك هو بداية التعارف.. ولكن ما اعتبرته أنا مجرد تعارف، اعتبره الأستاذ الكبير بداية صداقة حقيقية رغم فارق السن، والمقام، والعلم، بيني وبينه.. فكنا إذا اجتمعنا يعاملني معاملة ند لند، وأشعر تماماً بإكباره لشخصي الضعيف حيث يبثني الكثير من همومه الفكرية، والتاريخية، ويطارحني الحديث في مسائل عديدة على غاية من التعقيد والدقة.

فإذا أبديت رأيي في مسألة ما - كمجرد مشاركة مني في الحديث - طرب لذلك وافترّ ثغره عن ابتسامة خفيفة رقيقة كأنما يريد أن يقول: كنت أعرف أنه سيكون لك رأي جيد في الموضوع، وكانت ابتسامته تلك تدير رأسي غروراً فهي العلامة منه باستصوابه لرأيي!!

لم نكن نلتقي كثيراً.. اللهم إلا أنه كان في آخر حياته يكثر - بعض الشيء - من المجيء إلى (جدة) وينزل في دار نجله الأستاذ (إياد مدني).. وكان كثيراً ما يقول لي الأخ (إياد مدني): (الوالد يسأل عنك) أو (الوالد ينتظرك) أو نحو ذلك.. فكنت أذهب إليه فوراً، وأنعم بمحبته، وحديثه، وأدبه، وعلمه.. ثم لا أخرج من عنده إلا وأنا راض عن نفسي - على قلة أو ندرة ما أرضى عنها -!!

كان حديثه معي - رحمه الله - يجعلني أستشعر الثقة بنفسي إلى حد بعيد، وكان معظم حديثنا عن موضوعات أدبية، أو تاريخية، أو دينية.. وكان - رحمه الله - وإذا تحدث لا يذكر أي إنسان - إذا جاء ذكره - بسوء قط!!

وأذكر أنني تحرّشت به - ذات مرة - فذكرت اسم أديب سعودي كبير لم يكن على وفاق معه.. فما هالني إلا وقد شرع يثني عليه!!

ثم غيّر مجرى الحديث!!

وتلك هي أخلاق العلماء الفضلاء حقاً!!

وقد كنت أعلم أن ذلك الشخص قد أساء إليه.. فلم يخرجه عن طوره، ولا هو جعل ذلك سبباً للنيل منه في أحاديثه الخاصة، وإن كان لم يرحمه في مساجلته، أو مقارعته الحجة بالحجة، والرأي بالرأي بقسوة شديدة، ولكن على مستوى النشر فحسب.. أما على مستوى المجالس فلا يذكره إلا بخير!!

كانت علاقتي به - رحمه الله - قد وصلت إلى مدى بعيد من المحبة، والصفاء والنقاء.

ورغم كل ما أكن له من حب وإجلال وتقدير فإنني - بعد علمي بوفاته - لم أكتب حرفاً واحداً في رثائه.. لا عن عجز إلى هذا الحد.. بل لأنني لم أستطع ذلك - علم الله - فقد كانت تخنقني الغصّة كل ما حاولت الكتابة عنه. وذلك هو شأني مع كثير من الأصدقاء الذين سبقوني إلى العالم الآخر، ومنهم - على سبيل المثال - الصديق الغالي الأستاذ (عبد العزيز الربيع) رحمه الله.. فإنني لم أكتب عنه إلى الآن حرفاً واحداً، وإن كنت أزمع الكتابة عنه بتوسع إن شاء الله.

وقد أعددت ملفاً خاصاً يضم ذكرياتي مع العالم الجليل السيد أمين مدني- رحمه الله- لعله يرى النور قريباً، وأكتفي - في خاتمة هذا المقال- أن أشير إلى أبرز مؤلفاته:

1 - التاريخ العربي وبدايته، مطبوع للمرة الثانية، ويقع في (422 صفحة) وقد طبع عام 1285هـ طبعة أولى ثم عام 1401هـ طبعة ثانية.

2 - التاريخ العربي ومصادره، مطبوع عام 1391هـ، ويقع في (640 صفحة).

3 - التاريخ العربي وجغرافيته، مطبوع عام 1391، ويقع في (586 صفحة).

4 - التاريخ العربي وشعوبه.. مخطوط.

5 - التاريخ العربي ودوله.. مخطوط.

وجميع هذه الأجزاء الخمسة ضمن سلسلة عامة بعنوان (العرب في أحقاب التاريخ).

6 - الاستثمار المصرفي، وشركات المساهمة في التشريع الإسلامي، وقد طبع عام 1398هـ طبعة أولى، ثم طبع عام 1400هـ طبعة ثانية، وقد ألف هذا الكتاب بناءً على طلب من (جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية).

7 - الثقافة الإسلامية وحواضرها.. وقد طبع عام 1980م (وقد ألف هذا الكتاب أيضاً بناء على طلب من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية).

8- رحلة الهند.. مخطوط.

9 - رحلة تهامة.. مخطوط.

10 - دراسات نحوية.. مخطوط.

11- من أحداث المدينة في ستين عاماً.. تحت الطبع الآن.

وبإلقاء نظرة واحدة على عناوين هذه الكتب نستطيع الاستدلال على تنوع وغزارة العلم أو المعرفة عند الأستاذ (أمين مدني) رحمه الله.. كما نستطيع الاستدلال أيضاً على مدى الجهود الهائلة التي بذلها في موضوعات على هذا القدر من الصعوبة والتنوع!!

وقد كان بودي أن أنقل بعض آراء كبار العلماء في فضله، ومؤلفاته، وسيرته، لولا أن الشمس في رابعة النهار لا تحتاج إلى دليل!!

فليرحمه الله رحمة واسعة ويجزه الخير كل الخير عما بذله في سبيل خدمة العلم والمعرفة، وبخاصة خدمته للتاريخ العربي، والإسلامي.

* * *

* مجتزأ من ملف بهذا العنوان نشر بعضها في (صحيفة البلاد) ومجلة (الحرس الوطني) وسيصدر في كتيب خاص.

جدة

 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة