Culture Magazine Thursday  25/02/2010 G Issue 299
الملف
الخميس 11 ,ربيع الاول 1431   العدد  299
 
فجر أنتَ لا تغيب: قراءة في ديوان
سعد البواردي

الصديق الشاعر العواجي لا يتوقف مداده.. وإنما يمتد ويمتد طارحاً من خلال أجنحة مشاعره وشعره صوراً، وأخيلة من الحياة.. يرصد بها رؤيته حول الكون، والإنسان.. والحب، والهجر.. والحنين. والأنين.. في تقاطع تارة.. وفي تباين أخرى وفق رصده للحركة القائمة التي تجتذبه نحوها مرة.. ويلاحقها مرة أخرى، وفي كلتا الحالتين يتم اللقاء عبر منظوره. ومنظاره الشفاف..

من بين تلك المعطيات الشعرية ديوانه الجديد (فجر أنتَ لا تغيب).. ماذا عن فجره الذي آثر أن يظل ثابتاً في كونه، أو كيانه دون غياب..؟!

الصباح كما ندريه امتداد لروح الفجر:

صباح مشرق الثغر

يحاكي بسمة الزهر

ويرسم فوق أخيلتي

أفانينا من الشعر

أي فجر.. بل أي صباح ذلك الذي يحاكي شَعرها الخمري؟!

يولد الحب كما يولد الصباح.. كلاهما بارقة وجود لا عتمة فيه ولا ظلمة:

وعلمني بأن الحب

عمر يانع ثاني

يفوح المسك من فيه

وتزهو فيه ألحاني

جميل هذا الإشراق.. والاستشراف بميلاد حلم الحب.. ولكن الحب يا شاعرنا أيا كان الإيغال في وصفه يملك شئنا أم أبينا روحاً ورياحاً.. صباً وعتباً.. موالاة ومجافاة.. حتى ولو داعبناه دون كلل.. ولاعبناه دون خوف.. وأطبقنا من حوله الأحداق.. إنه أحياناً يأخذنا حيث لا ندري.. ويبقى إيمان المحبة هو الأقوى:

أنر دربي بنور الله

أعرف درب منجاتي

إنه يسترجع لحظة الماضي.. ماض ما قبل إطلالة الفجر:

صباح قبله شعري

يغط بنومه يحلم

ولا يدري بما يجري

ويحلم أنه يعلم

فلا الإشراق يوقظه

ولا من نومه يسأم

إلى أن جاءت اللحظة.. لحظة لهيب عشقه في عيني معشوقته ليكتب قصة حب واثق لا طيوف للوهم فيه:

صباح ليس تحجبه

ظلال سحابة عبرت

تفر طيوفها وجلاً

إذا ما شمسه انتشرت

وإن هلت مدامعها

على وجناتها انحدرت

كأن خيوط وابلها

قناديلا إذا انتثرت

كثير يا شاعرنا الرومانسي.. أخشى من خيوط وابلها.. ومن القناديل المنتثرة من لهب الحريق الذي يلتهم القلب قبل الجسد..

شاعرنا في ديوانه.. ومع فجره الذي لا يغيب.. ومع حبه المشتعل يأبى بنَفَسه الطويل إلا أن يمضي من حيث بدأ راسماً لنا لوحة شعرية قزحية الألوان، إنه يتحدث بلسان القلب المفتوح:

فيرسم لوحة تحكي

صفاء ليس يجهله

ويصحو الكون مبهوراً

كأن لا شيء يشعله

كيف يا شاعرنا؟! فجر حبك له الدوام.. ليكن.. ولكن ما حكاية هذا الكون الذي استفاق من نومه.. متى نام؟! أشعر بكثير من الإغراق في الوصف.. دعهما سوياً ينامان أو يصحوان.. حتى لا نجحف في حق واحد منهما..

شاعرنا أحب الفجر.. وازداد حباً بالصباح.. وها هو يستقبل ولادة الإشعاع.. أي الوطن:

أحب ولادة الإشعاع

في عينيكَ يا وطني

صباحاً يمسح الإجهادَ

من عيني ومن زمني

فأمضي غير مكترث

بما حولي من المحن

يا عزيزي.. بل نكترث.. ونخاف.. ونحسب ألف حساب وحساب للمحن والأخطار من حولنا وإلا ضاع الوطن.

ويتساءل شاعرنا في مقطع شعري جميل من قصيدته الخماسية الطويلة التي هي الديوان بأكمله:

وإن سألتْ فلول الشك

يوماً أيها أهوى؟

ضياؤك أم نداء الأرض

أيهما غداً أقوى؟

أجبتُ هما معاً حبي

وسر الصبر والتقوى

هما نبعان يمتزجان

في نهر من النجوى

جميل هذا المقطع.. وهذا التوصيف.. والتوظيف للصور الجميلة.

شاعرنا عاد مكترثاً وهو يرسم في يده لوناً للبسمة.. ونهاراً يمسح بضوئه وجه الليل كي يبصر الإنسان وجوده:

أعلِنْ في وجه ظلال التيه

حروباً ضد قوى الشيطان

وأزل يا فجر طيوف الشك

بضوء يُقبل كالطوفان

ويعيد الصحو لسيرته

والحب يعلمه الإنسان

في خماسيات ديوانه يحط ويسافر.. يرحل ويهاجر.. يحب ويهجر.. له مع كل محطة لقطة لا شأن لها بما قبلها وما بعدها:

أسافر في عيون الفجر

حراً من قذا القهر

وأصعد فيه فوق الأرض

أنْشدُ لفحة الطهر

فهذا اللغو موبوء

بفيروس من العهر

لا أدري لماذا اختار مفردة اللغو؟ لعله أدرى..

شاعرنا أعطى للفجر فسحة إشراق جديد:

غداً تشرق يا فجراً

تعري طغمة التضليل

فيهرب تحت وطء الضوء

خفاش هناك كليل

ونغلق مسرح التهريج

ننسى عصبة التمثيل

ونبني قلعة للحب

جيلاً قلبه قنديل

له عقل به يدري

رموز النص والتأويل

لعل شيئاً من العتمة خيمت فوق أفق شاعرنا فجرَّت في دواخله روح تمرد في وجه الظلام والظلاميين كي لا يغيب الفجر.. على ضوء النهار ووهج شمسه تدب روح الحياة في أوصالها.. تزهر الخمائل.. وتزغرد الطيور.. ويتحرك دولاب الحياة..

أفِق يا طائراً ما زال

يرقد في خميلته

ويحلم في غدٍ قد حلّ

يرفل في أشعته

يقاسمني بزوغ الفجر

كي أسلى ببسمته

وأنسى كل ما في الأمس

من أوهام قسوته

النسيان وحده يا شاعرنا لا يكفي ما دام للوهم قسوة في حياة الناس..

من خماسية إلى أخرى نقتطف باقة من شجرة شعرية في حديقة شاعرنا العواجي الذي بذرها وسقاها ورعاها وقدمها لنا طبقاً مختلف المذاق.. فيه الحلو وفيه المر.. فيه الصبر وفيه الصبار.. فيه الشوق وفيه الشوك:

لكَم يا صبح أرقني

ضباب الفكر والرؤيا

لقوم لا يرون النور

رغم شعاعه الأقوى

وهُم في الصحو يرتحلون

بين الشك والشكوى

وهم في النوم يختلفون

بالأحلام والنجوى

هلاميون يختصمون

لا يدرون ما الدعوى

دون أرق.. البقاء يا عزيزي للأصلح لا للأسلخ.

لدى شاعرنا عقدة مزمنة يعانيها.. يرفضها بكل حواسه.. يرددها في مجمل خماسياته.. العقدة من الجهالة والجهلاء.. من الأدعياء ومن خفافيش الليل.. وغربان النهار:

شجون الحب يا وطني

وأحلام الثرى العُذري

أخاديد مرصعة

بأوردتي مدى الدهر

وتلك العصبة الجوفاء

لا تدري بما تدري!

بأبراج معلقة

بأهداب الخوا الشعري

كأن الكون يرقبهم

وهم صِفرٌ على صِفرِ

هذه المرة شاعرنا العواجي أكثر وضوحاً وصراحة.. بل وصرامة:

أمبهورون حتى الآن

من ضوء الهوى الغربي

برغم الدس والإذلال

رغم فداحة الكرب

فأين الأمس؟ أين اليوم؟

أين معالم الدرب؟

أجِب يا فجرُ.. بي خجلٌ

يعيث اليوم في قلبي

معالم الدرب واضحة وجلية لمن يبصر ببصيرته.. لا ببصره وحده.. أين هي البصيرة في عالم مسكون بعمى الألوان؟!.

شاعرنا أعاد الاعتبار إلى فجره رغم الضباب.. والهباب.. بخطوات الواثق وبصوت العاشق خاطبه:

أجل يا فجر لم تغرب

برغم الليل والمحن

تضيء بداخلي.. آويكَ

يا فجري عن الشجن

لأنك حقل أحلامي

يقاوم هجمة الزمن

لأنك سر إصراري

بوجه الضعف والوهن

لأنك ضوء إيماني

إلى أن أكتسي كفني

إلى هذا الحد من الإصرار والعزيمة جاء واقع شاعرنا المحلق الدكتور إبراهيم العواجي وهو يعبر جادة الكلمات الشعرية معبراً بها عن خلجات نفسه راسماً من ديوانه الشعري (فجر أنت لا تغيب) ومن خماسيات ديوانه ملامح لأفق مشبع بالضوء وبالعتمة.. وبالJعوادم.. والعديمة أحياناً.. كان واضحاً.. وكان أكثر ثقة من أن فجر الحياة أقوى من فجور الظلام.

183 صفحة من القطع الصغير الرياض ص. ب 231185الرمز 11321 فاكس 2053338
/td>

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة