Culture Magazine Thursday  01/12/2011 G Issue 354
قراءات
الخميس 6 ,محرم 1433   العدد  354
 
(العالم هذه اللحظة)
طارق بن سعود السياط

إلى رحمة الله تعالى، انتقلت جارتنا العزيزة، في نفس سويعات النهار التي قتل فيها الزعيم الليبي. وقبل سنين، لم يخطر في بال أي طرف أن هكذا تزامن سيأخذ مكانه ذات يوم.

ومنذ زمن، كان صديق ستيني يضطجع على السرير الأبيض في إحدى مصحات المدينة، يصارع مرضاً لم يفلت منه حياً، في الوقت الذي كان صديق ستيني آخر يذرع ردهات المطار الدولي بانتظار رحلته التي ستقله نحو الشرق البعيد لدواعي الترويح. وكان هاتفي المتنقل يتلقى رسائل الصديق المسافر الباعثة على الطمأنينة، بالضبط إبان عيادتي للصديق المريض الراحل ذاك.

ويتصادف الناس عند إشارات المرور، وعلى متون الجسور، وفي أماكن الانتظار العامة، والمحطات، والمطارات، ثم يسعون كل لحال سبيله، في فراق من الأرجح أن لا يكون إلا أبدياً لا يلتقون ثانية بعده. وربما يقضي أفرادٌ حياتهم متجاورين في بناية، أو حي، أو منطقة عمل، ثم يغادرون إلى باطن الأرض دون أن يرى بعضهم بعضا لو مرة واحدة، رغم دنو المسافات الفائق.

وعلى ذكر البنايات، لا سيما الشاهقة منها، يقطن في فجواتها المتلاصقة جنباً إلى جنب، أو المتراصة في طبقة فوق أخرى، والمسماة شققاً، عدد من الخلائق الذين في رحى وحداتهم السكنية تلك تدور قصص غاية في التفاوت. ففي حين تكون إحداها سعيدة في زمن ما، تبدو أخرى حزينة في ذات الزمن. وهكذا دواليك. من جهة أخرى، ففي هذا التزامن المثير للاهتمام، لا أحد قط من أولئك، يعلم شيئاً البتة عن القصص الأخرى التي تزامن حكايته وزمنه في الجوار.

تُرى، كم عدد الأشخاص الذين يمرون بساحتنا، أو يجاوروننا، أو يوافوننا لوهلة ثم يتلاشون؟ ما نبأ قصص التزامن التي تدونها الشوارع، والبنايات، والمحطات، والمطارات، والأماكن: شطر غفير منها في العلن، وآخر غزير خلف الكواليس، بعضها ناء، والآخر أدنى ما يكون؟

إن الذي يدور رحاه في الوقت نفسه على الطاولات المختلفة في مقهى - مثلا- أنموذج ضئيل، وإنما معبر، لما هي عليه الحياة من تزامن مثير. وفي الحين الذي يمنحنا فيه التزامن طمأنينة الرضا بالخسائر - ربما -، يبعثر في حين آخر سلامنا الداخلي - ولا ريب -، ساعة أن يرغمنا على التفكير ملياً بما لم يقع، وكان من الأجدى - أو حتى من الممكن- له الوقوع.

تماماً مثل الخطوط المتقاطعة بلا نهاية في كل صوب، قُدُما تمضي الحياة. عددٌ متوال من حكايات التزامن التي تأخذ مكانها في الوقت عينه في كل شطر نولي وجهونا تلقاءه. إنها حكايات التزامن الهائلة التي يبث فصل منها مرات ومرات كل يوم على الشاشة، اسمه (العالم هذه اللحظة).

ts1428@hotmail.com المملكة المتحدة

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة