Culture Magazine Thursday  06/01/2011 G Issue 328
الملف
الخميس 02 ,صفر 1432   العدد  328
 
طواش الخير
بشرى عبدالله بن علي

حين نتحدث عن جمعة الماجد، فإننا أمام مأزق كبير يحتم علينا ابتكار لغة خاصة، نستمد تفاصيلها من الشمس والهتون والرياح!

وحين نتحدث عن إنجازات ترتبط بالإنسان وبالأرض وبالروح، يكون للماجد حضوره المزاحم للسحاب، المتاخم لشواطئ الروح الشفيفة الممتلئة عبقاً نادراً.

من هذه العناصر الثلاثة (الإنسان/ الأرض/ الروح) نلج العوالم السرمدية لرجل قل أن تجود به أرحام الضياء.

الماجد: ارتباط الإنسان بالجذور

منذ كانت ولادته في الشندغة بدبي، وهو يقيم علاقته الحميمة مع البحر ورائحة اللؤلؤ.

كانت الرحلات البحرية المعاندة لرياح القدر أكبر معلِّم له في فهم الحياة بتقلباتها وتنوع أمزجتها، وكانت الكتاتيب منهل العلم وفضاء أبجديات الكتابة وإبحاراً مع علوم القرآن، ومنها بدأ يشق طريقه ليضع بصمته المميزة في الحياة، ويحقق المعادلة الصعبة في الجمع بين العلم والتجارة/ كسب القلوب وكسب المواقف.

بدايته مع بيع القماش أكسبته خبرة، ساعدته على تكوين ذهنيته الفذة، ليصبح اليوم مورداً حقيقياً للثقافة والتراث، هكذا تكبر النفوس وتتعب في مرادها الأجسام، تطمح فيرتبك الزمان محققاً أسمى ما يطلبه الإنسان.

طواش الخير، لقب عرف به الماجد لرائحة البحر العالقة في سيرته الزاخرة، فالطواش هو جامع اللؤلؤ، والماجد جمع اللؤلؤ ببعديه المادي والمعنوي، تمثل المادي في لؤلؤ الأصداف ومن ثم الثروة، وتمثل اللؤلؤ المعنوي في جمع الثقافة والمعرفة الذي أغرم بهما حد الولع..

لم تتوقف به الرغبة لحمل هموم الثقافة عند الحد الذي يجعله يكتفي بمشروع واحد، بل امتدت مساعيه ومشاريعه ومبادراته على جميع المستويات المحلية والعربية والعالمية، مترجماً بصيرته النافذة، ورؤيته الثاقبة.

امتداد الأرض واختزال الأمكنة

إن الإدارك العميق بأهمية حرث الأرض وبذرها بالشباب المقبل على بوابة المعرفة بنهم، شكلت هاجساً راود الماجد حتى ترجم الحلم على أرض الواقع، بتأسيس لجنة باركها الشيخ المؤسس راشد بن سعيد آل مكتوم، وكان مبتغاها جمع التبرعات من المحسنين في دبي، حيث استطاعت اللجنة تنفيذ مشروعين لمدرستين ثانويتين الأولى مدرسة (جمال عبدالناصر) للذكور، والأخرى مدرسة (آمنة) للبنات في ديرة.

امتد عطاء الماجد في جذور الأرض والمكان، ليؤسس المكتبة الوطنية بدبي، لتظل شاهداً على قدرة الإنسان على توثيق عرى المعرفة بالأمكنة والأزمنة.

وجاء عهد الثمانينيات ليشهد توثقياً لمرحلة مهمة ساهم في دفع عجلة الحركة التعليمية في الإمارات انبثقت من خلالها المدارس الأهلية الخيرية لتعليم الفقراء من الطلاب غير المواطنين على نفقته الشخصية، كما أنشئت كلية الدراسات الإسلامية والعربية في دبي، التي سعى لمعادلة شهادتها من جامعة الأزهر الشريف، ومن كلية دار العلوم، ومن قبل وزارة التعليم العالي بدولة الإمارات العربية المتحدة، مخصصاً هذا الصرح المتفاني في عطائه لأبناء الوطن، وإخوانهم من دول مجلس التعاون الخليجي. وحين كنت أحضر المناقشات العلمية التي تنفذ في قاعات رسائل الدراسات العليا، أصاب بالدهشة والإكبار والاعتزاز برجل كالماجد بذل في سبيل العلم والمعرفة والثقافة من ماله ووقته وجهده ومتابعته الكثير، دون أن ينتظر جزاءً أو شكوراً.

كنت أذهل وأنا أستمع إلى زميلاتي اللاتي يبدأن بوصف ما لا يوصف من العطاء الخفي، فالكتب والمواصلات والدراسة والرحلات العلمية داخل الدولة وخارجها تمتد لتشمل بعض الدول العربية والإسلامية، إضافة إلى المسابقات الثقافية والأدبية التي تحث الطلبة على اكتشاف مواهبهم وصقلها وتحفيزهم ليكونوا فاعلين بعطائهم، راصداً لها الجوائز المادية المحفزة، واهتمامه بالتنمية الذاتية من خلال توفير الدورات التدريبية المتخصصة وغيرها من العطاءات التي لا تنضب، لأتمتم في نفسي وأقول: كم أنت عظيم أيها الماجد!!

جذور الروح وظلالها

امتدت سماء عطاء جمعة الماجد لتغطي مساحات رحبة من مدائن الروح، فجاءت اهتماماته التي تنصب في تغذيتها المتمثلة في رفد العلم والمعرفة والثقافة، حيث جادت نفسه بما رحبت لنشر نهم المعرفة والعلم، فجاءت مشاريعه المنهمرة بكل ما يخدم الثقافة، مؤسساً مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث بدبي، تلك الوجهة المهمة للباحثين، والصرح الثقافي البارز الممرد من نمنمات التراث والذي تستحثك لزيارته الرغبة المتوقدة في نفسك للمعرفة والبحث.. لتجد أنفاسك تلتقط أنفاسها في سباق تتابع فريد تكون فيه المتسابق أمام ميدان شُرِّعت أبوابه.. وأهم ما يميز المركز اهتمامه بالثقافة والتراث ولا سيما حفظ وصيانة المخطوطات النفيسة وجلبها وتحقيقها وتوفيرها للباحثين، ولم يكتف الماجد بهذا الإنجاز بل فكر في تطوير جهاز لمعالجتها وإنقاذها من التلف والتآكل، وكان له ذلك، وأثمرت جهوده في هذا المجال، فتم تطوير جهاز الماجد للترميم الآلي، وذلك بالاعتماد على خبرات المركز نفسه، وامتدت يده الكريمة لتهدي الجهاز لـ14 دولة، وبذلك يحقق ما أثبته في مقولته الخالدة حين قال: «إن الباحث الذي قضى نصف عمره لتأليف كتاب، وجاب مشارق الأرض ومغاربها، وتعرض للمشقات والعقبات، ألا يستحق الآن ونحن بهذه الصحة والقوة والمال، أن نسعى جاهدين للمحافظة على هذا التراث القيم العظيم الذي يمثل نتاج أولئك الباحثين خدمة لهم ولأهل العلم؟»، فكان له ما أراد لأن صاحب العزيمة لا يهدأ ضجيج الإرادة في نفسه إلا بوصوله إلى قمة مبتغاه، فما بالك برجل يحمل مع الإرادة هدفاً منسوجاً بخيوط الشمس ومُزن العطاء!

شاعرة إماراتية – الشارقة

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة