Culture Magazine Thursday  13/12/2012 G Issue 389
فضاءات
الخميس 29 ,محرم 1434   العدد  389
 
حطي كلمن
100 ساعة من العزلة
خلود العيدان

 

مع الاعتذار لأرسولا، أورليانو وأركاديو أبطال رواية (مئة عام من العزلة) لغابرييل غارسيا ماركيز إلا أني لم أقاوم العبث بالعنوان للحديث عن تجربة عزلتي كما أحب تسميتها وإن كانت عزلة (افتراضية) اتخذت قرار المضي بها بعد أن تنبهت أن هاتفي الذكي يدعي الذكاء! وأني لا أستطيع الوثوق دوماً بخياراته في الحياة.

عالم بأكمله يسكن هواتفنا الذكية، يبدأ بالأحاديث الجانبية مروراً بمجموعات الأصدقاء، العائلة والعمل وبالطبع الحوارات فيها لا تهدأ ما بين أخذ ورد، تصويب وركل، تمرير وتصوير، اجتماعات وجماعات والكثير مما أجهل كيفية تصنيفه ووصفه عبر تطبيقات المحادثات الفردية والجماعية، والتي لا شك تشي بنا بجدارة وتخبر الجميع متى نطل عليها ومتى نهجرها رغم كل محاولاتنا باسترضائها لتبقينا في الظل ولا تحرمنا أحقية الوجود دون دفع ضريبة بالمشاركة أو بالرد شئنا أم أبينا! وبالطبع لا يكتمل الحديث عن جنون التواصل دون ذكر تويتر وأبناء عمه انستقرام وفيسبوك وبقية أفراد القبيلة، فإن لم تكن نشطاً هنا ستكن نشطاً هناك!

ماشياً، جالساً، في الحافلة، في المحاضرة وحتى بحضرة قهوة وأحاديث والدتك المقدسة ستجد نفسك مع هاتفك أكثر من غيره! وسيكون حالك أسوأ من حال عاشق في حداد على حبيبة فارقت الحياة إن لم يسعفك الوقت وفرغت بطارية هاتفك وأنت بعيد عن أي مصدر طاقة.

ولكن رغم ذلك يظل (كل هذا) الجنون أحد اختياراتنا والتي تصمت بمجرد إغلاق الهاتف أو قرارنا البسيط جداً بإغلاق حساباتنا في تلك التطبيقات الملحة والثرثارة والممتعة وإن استمريت في وصفها فحتماً سأقع في دائرة التناقض فأنا أحبها ولا أحبها. أياً كانت مشاعري تجاهها فقد وقعت تحت تأثير مناوشات عقلي بشأن حريتي بالاختيار وبفضل جنون التواصل الدائم والذي لا يكل ولا يمل عزمت على اعتزال كل الخدمات التي يقدمها هاتفي الذكي لبضعة أيام.

ليست بالتجربة العظيمة لأعلن النتائج مرقمة وتحتضن نسب نجاح وإخفاق، ولن أرفق رسماً بيانياً يسخر من اللحظات التي كدت فيها أقطع عزلتي بسبب حمى اعتياد تصفح ما يجري في العالم، ولكني سأصف تجربة بسيطة جداً ذكرتني بتفاصيل صغيرة قد تعني لي ولا تعني لغيري، تفاجأت بأني لم أغفُ منذ زمن وبجانبي كتاب ولم أستيقظ على رائحة الأحداث في فصوله، تنبهت أني لم أصمت دقائق احترام لضوء الشمس بمجرد استيقاظي منذ مدة ليست بالقليلة فيدي تمتد عادة لهاتفي لأقرأ ما الذي جرى في الكون أثناء نومي.

تنبهت أن طريقي اليومي بالشجر والمطر والحجر يحوي تفاصيل لم أعرها اهتماماً، فعيني تتابع وتقرأ وتكتب. لا أعرف إن كان الإحساس بالهدوء وبصفاء الذهن في تلك العزلة القصيرة كان نفسياً أم أنها حقيقة. أياً كان إلا أني لم أكمل بضعة أيام إلا ونفسي تسول لي أن أكسر العزلة، وبالفعل كسرتها بعد ما قاربت مئة ساعة، وفتحت أبواب كل التطبيقات من جديد سعيدة بإجازتي القصيرة ومتحمسة لأكون جزءا من كل هذا الجنون الذي بت أؤمن أنه جزء من طريقة حياتنا وليس عارضاً (افتراضياً) كما نحب أن نسميه، فالتواصل العائلي فقدته ومصادري في عملي لم تكن معي كما اعتدت، وصعّبت على رفيقاتي متعة التخطيط لرحلات ونشاطات أو حتى نقاشات سريعة.

بضعة أيام من العزلة أسرت لي أن جمالية التواصل بأن لا يكون ملحاً ولا دائماً، وبأنه وبالرغم ذكاء هاتفي الذكي إلا أنني لا بد سأستأذنه بعزلة كل حين. عزلة قصيرة أصالح بها ما بقي لي من عاداتي القديمة وأصافح تلك التفاصيل الصغيرة التي ستفوتني غداً.

kimmortality@gmail.com - @kimmortality - بريطانيا
لإبداء الرأي حول هذا المقال أرسل رسالة قصيرة SMS  تبدأ برقم الكاتب 8337 ثم إلى الكود 82244

 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة