Culture Magazine Monday  28/05/2007 G Issue 200
فضاءات
الأثنين 11 ,جمادى الاولى 1428   العدد  200
 

ذات العواد الفكرية وإبدالاتها 2
د.صالح زيَّاد

 

 

2-1-5 الحق الاجتماعي: تفيض مقالات العواد بإشارات عديدة إلى المحرومين والتعساء، فضلاً عن مقالات صحفية مستقلة من مثل (مؤسسة للبؤساء) و(دار اليتامى) و(الأيدي العطوفة) و(الزواج الإجباري) و(الحياة شركة اجتماعية)... إلخ. وهي موضوعات ذات طابع إنساني، يحضر فيها الإنسان للاحتجاج به، والإخبار عنه، أو توجيه الحديث إليه؛ فهو ذات يؤول إليها العواد، لتمثل الرغبة في التكافل والتعاطف والعدالة الاجتماعية، والنفور من الظلم والأنانية والبؤس والإقصاء.

وبالرغم من أن للفرد حضوراً ملموساً في اهتمام العواد، وهو يحمِّل الجماعة صراحة وزر القيود المفروضة عليه معنوياً ومادياً، إلا أنه لا يكترث للفرد بالمعنى النرجسي المعزول بل بالفرد الاجتماعي الذي يزيد في الأمة، ويرضي الإنسانية، (فتخلق في قلبه جنة بشرية تمشي معه إلى حيث يشاء ومعها الرضا والسكينة والاطمئنان والعطاء)، والفرد بهذه الصفة الاجتماعية الإنسانية هو المؤهل لامتياز الشخصية، فالشخصية الممتازة - لدى العواد - تملك (الشعور بالواجب، والشعور بالتبعة، والشعور بالخير، والشعور بحاجيات البشر).

ويصف العواد (فقدان الضمير) ب(المرض الاجتماعي المدمر) ويقرر أن: (الضمير المستجيب للخير هو الضمير الذي يثني الناس على أصحابه، وهو الميزة المحمودة لذاتها من ميزات الإنسانية). وحفاوة العواد بالضمير الاجتماعي والإنساني هي الوجه المقابل للازدراء والتحقير الذي يصبه على المتصفين بما هو على الضد من صفات كتابته أو ما يسميه بالكتابة العصرية، وهي صفات يجتمع أبرزها في التملص من المسؤولية وغياب الضمير، في مثل: الخاملين، والمترفين، والمنافقين، أو الكاتب الجبان، والخيالي، والذليل النفس... إلخ.

ولا تنفصل لغة العواد المسلحة بالعاطفة الاجتماعية ومنطق العدالة والحق، عن الإشادة، في مقالاته الصحفية، بالمحسنين وذوي التضحية والعطاء، أو عن التعيين والوصف لوقائع نموذجية للظلم الاجتماعي وانعدام الإنسانية، خصوصاً تلك المتعلقة بالمرأة، في تعليمها وعملها وزواجها , أو ما ينشأ في الهامش الاجتماعي من مآسي العجزة والأيتام واللاجئين والفقراء. فكتابة العواد عن ذلك كله متصلة بالرغبة التي تجاوز فردية الكاتب إلى الصفة الإنسانية، فتؤول ذات العواد إلى ذات مجردة يمثلها الإنسان بالمطلق.

2-2 الزعيم: تحمل دلالة الزعيم معنى الفردية التي تؤول في مقابل الجماعة - الأتباع، إلى علو في المرتبة، وامتياز في المواهب والطاقات، واقتدار على صناعة الإيديولوجيا أو تمثيلها، والجهد والتضحية، ورغم أن ولادة الزعيم ترتبط - من وجهة اجتماعية - بالجمهور، لأنه - كما يرى فرويد - يولد على سرير حاجة الجماعة إلى رمز للحماية. فإن الرغبة في التأثير على الآخرين حافز ذاتي للتسلط والزعامة، وقد تولّد، في التاريخ الأدبي، من إحساس الأدباء بالامتياز الإبداعي ومن إعجاب الجمهور بهم، ما أضفى على الأديب صفة القيادة الاجتماعية، وبلغ هذا، من الوجهة الفردية الوجدانية، في الرومانسية - مثلاً - مبلغ التأكيد على قيادية الشاعر واتساع إدراكه لروح الحياة وجوهر الإنسان والمثل العليا، مضافاً إلى ذلك قدر جارح من الاحتقار لعامة الناس وترداد الوصف لهم بالدهماء.

ولا يحضر (الزعيم) في مؤلفات العواد، حضوراً محايداً أو مستقلاً، بل يغدو ذاتاً أخرى يؤول إليها العواد، لتمثِّل لديه الرغبة في التأثير وفرض الرأي والقيادة والتحكم، مع الرغبة في توحيد الجماعة المحلية والوطنية والقومية، أو الجماعة الأدبية وراء فكرة النهضة و(الأدب الحي) و(الكتابة العصرية)، وما يرافق ذلك - في كل رغبة تسلط - من شهية العزة والوجاهة والمجد، وهي رغبات مضادة لنفور الزعيم - كما هو نفور العواد - من التبعية والفوضى والذلة والتلاشي.

وتبدو ذات (الزعيم) في مؤلفات العواد، من خلال مكرورة الوصف لدوره التجديدي في الشعر والكتابة، بأنه دور القيادة والتصحيح والتوجيه ل(الجيل الجديد)، وحكاية البطولة المنفردة أمام احتشاد منافسيه، وفي مكرورة الثناء والتمجيد لمن مدحه من السياسيين أو الأدباء أو المصلحين والمحسنين بصفات تجتمع في الإجلال لمدلول الزعامة والقيادة. كما تتجلى ذات العواد في (الزعيم) من خلال الإعجاب المترقرق في ثنايا عرضه لسير من نتمثل فيهم من الزعماء الفردية والتعالي والاستبداد بالسلطة أو طلبها، مثل: موسوليني، وهتلر، والمتنبي، وفي الموقف ممن يسميهم (الدهماء) و(المتوحشين) من عامة الناس ومن الشعوب الفقيرة والجاهلة.

وسنتخذ من حديثه عن الزعماء الثلاثة وعن (الدهماء) و(المتوحشين) ما يمثل على الزعيم البدل الذي يغدو ذاتاً تتجلى من خلالها ذات العواد في مجموع الرغبات التي لا تليق بغير الزعيم في مدلوله المجرد، وذلك فيما يلي:

2-2-1 موسوليني:

يبدو، بدهياً، أن الحديث الترويجي عن دكتاتور كموسوليني، حديثاً غير ثقافي، إجمالاً، وغير أدبي أو شعري خصوصاً. فالفاشية ضد الثقافة وضد الشعر والأدب؛ لأنها - ككل دكتاتورية أو عنصرية - ضد الإنسان، أي ضد فرديته وحريته وتألقه بالحلم والإرادة. وإذا استصحبنا ذات العواد الإنسانية فضلاً عن الشعرية والأدبية، الذات الحية المتوهجة بالتجدد والعقل والتأكيد على الإنسان، فإن العجب سيزداد.

تُرى بم يحدثنا العواد عن موسوليني؟ ولم يحدثنا عنه؟!.

يبتدئ حديث العواد عن موسوليني بأن: إيطاليا - الآن وما بعد الآن - ترفع رأسها فاخرة بزعيمها العظيم، الرجل الفذ زعيم الفاشيت الذي خلق في إيطاليا روحاً جديداً لم تعرفه نهضاتها السياسية الاجتماعية. ويذهب، بعد ذلك، للحديث عن النظم الروحية والأدبية والاجتماعية والسياسية التي أوجدها مما تشمله تعاليم الحزب الفاشي. ويلح على النظر إلى الفرق بين إيطاليا قبل موسوليني ومبادئه وبين إيطاليا الحديثة (فقد رفعها بنسبة 70% مما كانت عليه)، ويقتطف للقارئ طائفة من كلماته وآرائه عن الفاشستية، قبل أن يختم بتفاصيل سيرة حياته، من ولادته، وتعليمه، وعمله في الصحافة، ومطاردته بعد نقده للحكومة، إلى انضمامه للجيش، وتكوين جيش من الجنود العاطلين ومن العمال الذين اعتنقوا أفكاره، والزحف به إلى روما والاستيلاء عليها.

وفي ثنايا ذلك كله ينثر العواد العديد من صفات التبجيل والإعلاء، من مثل: الرجل العظيم، الفذ، خالق إيطاليا الجديدة، السياسي العبقري، كبير النفس، قوي الشكيمة، واسع الأمل، بعيد الطموح، بارز الشخصية... إلخ.

موسوليني - إذن - صنع السلطة والوحدة والنهضة من خلال شكل عرقي للنضال القومي. وهو نضال قومي يحيل على إيمان راسخ بالمجد الذاتي للأمة، والعظمة العنصرية في دمها وثقافتها وتاريخها، وقد كان هذا الشكل من النضال، لدى الأجيال العربية في العصر الحديث، شكلاً مقدساً ونبيلاً. وظل الطراز الأميز من الزعماء، في عيونهم وقلوبهم، من يرفع شعارات القومية، ويردد بألفاظ مختلفة معاني مقولة موسوليني الشهيرة (أسطورتنا هي عظمة الأمة)، وذلك في ظل عامل التضخيم النوستالجي للماضي، والراهن المأزوم بالتخلف والضعف، وفي غياب الآفاق النظرية الواضحة لأي شكل معقول، إنسانياً، من أشكال المستقبل.

إن العواد أحد الكُتَّاب والمفكرين العرب الأحرار الذين التقوا - طوعاً أوكرهاً - مع الفاشية، أو مع غيرها من الإيديولوجيات الشمولية التي تلغي الحريات والنخب والبرلمانات، وتدمر قيم الحداثة والعقل والواقع، وترسخ فكرة الثورة والإنقلابية وسطوة الأحادية والقمع، وتقصي الحوار والانفتاح والتعددية، وراء خيال البطل الوهمي وفي سبيله، بطل (الثورة العربية الكبرى) أو (السيرة الهلالية) المتجدد بيوتيبيا الوحدة والسيادة والنهضة والتنوير، التي حلموا بها وعملوا لها - محقين - بقدر ما بكوها واستبكوا عليها. هذا (البطل - الزعيم) هو الذات الأخرى للعواد التي تستبطن فكره وتستظهره، لكي تعلن الرغبة في بطولة من النوع الذي تهتف له الأمة!.

الرياض


 
 

صفحة الجزيرة الرئيسية

الصفحة الرئيسية

البحث

أرشيف الأعداد الأسبوعية

ابحث في هذا العدد

صفحات العدد

خدمات الجزيرة

اصدارات الجزيرة