مفهوم الجهاد في الإسلام
د, عبدالله فهد اللحيدان
|
ان معظم الكتابات التي ظهرت حول مفهوم الجهاد في الاسلام في زماننا المعاصر قد اتخذت صبغة دفاعية عن
الاسلام، تجاه النظرة الغربية الخاطئة لمفهوم الجهاد، لقد ترجم بعض المستشرقين كلمة الجهاد الى الحرب
،( وهي تلك الحروب التي ترتبط في عقلية الغرب وفي تراثه وتاريخه بتلك الحروب التي Holly Warالمقدسة )،
تشنها الفرق المسيحية المختلفة لاكراه واخضاع الفرق الاخرى لأسلوبها في التفكير والمعتقد,, لقد اصبحت
تلك الحروب سيئة السمعة في العقلية الغربية المعاصرة,, وقد رأى بعض الكتاب المسلمين ان ترجمة كلمة جهاد
الى حرب مقدسة يسيء الى الاسلام، لذلك بذلوا جهدا كبيرا لنفي اي اهداف دعوية عن الجهاد,, وفي تعريفهم
الحديث للجهاد قصروا الجهاد على الحرب الدفاعية التي يخوضها المسلمون للدفاع عن دينهم وارضهم
واموالهم,, ومثل هذه الحرب الدفاعية مقبولة في العقلية والذهنية الغربية المعاصرة، اما اي حرب تشن لنشر
الدعوة فهي شيء مرفوض في هذه الذهنية ,, لقد كان كثير من الكتاب المسلمين يضعون في اعتبارهم التجربة
الغربية مع الدين في العصور الوسطى عند حديثهم عن الجهاد في الاسلام، وكذلك عند حديثهم وكتابتهم عن
كثير من المفاهيم الاسلامية، مما اضطرهم في احيان كثيرة لتغيير بعض معاني المفاهيم الاسلامية
وتعديلها لتكون مقبولة في الغرب,, وباعتقادنا ان نقل المفاهيم من حضارة الى حضارة صعب للغاية,, ومثال
على ذلك مفهوم العلمانية او بالاصح العالمانية او الدنيوية الذي شاع في الغرب مع بداية عصور النهضة
وبالذات في العصور الحديثة,, ان هذا المصطلح له دلالات معينة خاصة بالديانة المسيحية والتاريخ الاوروبي
الوسيط ونقله الى العالم الاسلامي غير وارد فالدين الاسلام والتاريخ الاسلامي مختلفان تماما عن التاريخ
الاوروبي,, فالاسلام لم يعرف اصلا الدولة الثيوقراطية والتي جاءت العلمانية ردا ونقيضا لها,, وكذلك
عانى مفهوم الجهاد من صعوبات مماثلة عندما ترجم ونقل للغرب,, ان نقل المفاهيم والمصطلحات من حضارة الى
اخرى ينبغي الا يتم من خلال دراسة عميقة شمولية لايضاح جذور المفهوم ومعانيه لغويا واصطلاحيا
وتاريخيا,
قلنا ان بعض المسلمين الحريصين على سمعة الاسلام قد قللوا وحددوا من مفهوم الجهاد ليصبح الحرب الدفاعية
التي يشنها المسلمون دفاعا عن دينهم واوطانهم واموالهم,, وهؤلاء رغم ان دافعهم في ذلك هو حبهم للاسلام
ومحاولتهم تبرئته من سمعة الحروب المقدسة سيئة السمعة في الغرب، الا انهم لم يوفقوا في تغطية كافة
معاني مصطلح الجهاد في الاسلام,, وكنتيجة لتساهلهم ومحاباتهم للغرب، ظهر فريق آخر معارض لهم تشدد جدا
في فهم الجهاد لدرجة انه جعله مساويا لمفهوم الحرب المقدسة عند المسيحيين والتي تشن لاكراه الناس على
الاهتداء الى معتقد ديني معين,, كما حصل من قبل عندما ادى ظهور التيار العلماني في العالم الاسلامي
الى ظهور تيار متطرف جعل الدولة في الاسلام دولة ثيوقراطية لا دور للعقل والمصلحة فيها، لقد ادى ظهور
التيار العلماني الذي ينادي بترك النصوص الشرعية وعزلها من الحياة السياسية او في احسن الاحوال الى
اعادة تفسيرها لتتمشى مع الحياة الحديثة الى ظهور تيار متطرف لا يقبل بأي دور للعقل في التشريع ويتعسف
في استخدام النصوص وتحميلها ما لا تحتمل لتحكم كل ماظاهر الحياة,
ان كل هذا الصراع الفكري والسياسي صراع مفتعل ومستورد لا اصل له في حضارتنا وتاريخنا,, ان الخروج من
هذا الصراع يتطلب التأصيل الشرعي لجميع المفاهيم الاسلامية بلغة مناسبة للعصر,, وهذا يتطلب جهداً
مضاعفاً من علماء الامة ومفكريها, ان جمود العلماء والمفكرين هو الذي ادى بالبعض للعلمانية وادى بالبعض
الآخر للتطرف الديني والاحتماء بالنصوص من هجمة التيار العلماني,
ان الجهاد بالتأكيد لا يعني الحرب المقدسة التي عرفت في التاريخ الغربي وكانت تعني اجبار الناس على
اعتناق معتقد معين او قتلهم,, مثلما حصل مع المسلمين في الاندلس، فبعد سقوط الاندلس تعرض المسلمون هناك
لخيارين لا ثالث لهما وهما اما اعتناق المسيحية او القتل,, ولقد تم قتل الآلاف من المسلمين في الاندلس
بعد دخول المسيحية اليها، الا ان آلافا اخرى فروا الى المغرب بما فيهم اليهود الذين خشوا القتل ففروا
مع المسلمين الى المغرب حيث يتمتعون بالحماية كأهل كتاب,, وبذلك تم القضاء على المسلمين في الاندلس
قضاء شبه نهائي بعد ان كانوا موجودين هناك لاكثر من ستة قرون,, بينما نلاحظ ان المسيحيين واليهود
وغيرهم من اتباع الديانات الاخرى لم يتعرضوا لمثل هذا المصير بعد الفتح الاسلامي لبلاد الشام ومصر
والعراق وفارس وشمال افريقيا، بدليل وجود هذه الفرق هناك حتى اليوم, ان غرض الجهاد هو ليس اجبار الناس
على اعتناق الاسلام، فالقرآن الكريم واضح في ذلك لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي البقرة آية
،256 ثم أي دين هذا الذي يدخل فيه الناس قهرا وهل مثل هذا الدين يمس القلب او الوجدان، ثم ان هؤلاء
الذين يدخلون قهرا وتحت تهديد السيف لن يلبثوا ان يرتدوا عندما تضعف قوة الدولة او تنهار,, لكن ايضا
يجب على المسلمين شن الحرب من اجل نشر الدعوة الاسلامية,, وهنا قد يبدو ان هناك نوعا من التناقض لكنه
تناقض سيزول عندما نرجع الى التاريخ الاسلامي الاول, لقد بادر الرسول صلى الله عليه وسلم الى بعث
الرسائل الى ملوك واباطرة العالم في زمنه عليه الصلاة والسلام داعيا اياهم الى دين الاسلام، فمنهم من
لم يرفض الدعوة وان كان لم يقبلها علنا، ولكنه اوجد ملجئا آمنا للمسلمين وترك لهم حرية الدعوة الى
دينهم ولم يضطهد احدا بسبب اسلامه ولم يخطط لايقاع الفتنة في الدولة الاسلامية مثل النجاشي في الحبشة
لذلك لم يجهز المسلمون الجيوش ابدا لغزو الحبشة وجميع من اسلم من اهل الحبشة اسلم بالدعوة والقدوة,,
وهناك من رفض الدعوة الاسلامية وقتل مبعوث رسول الله عليه الصلاة والسلام، بل وحاول اشعال الفتنة في
الدولة الاسلامية لذلك كان واجبا على المسلمين حرب هؤلاء, ومثال على ذلك كسرى الفرس الذي عندما حاصرته
الجيوش الاسلامية ظن ان هؤلاء الاعراب قد قتلهم القحط فقاموا بغزو جديد لفارس، فوعدهم باعطائهم ما
يشاءون من الاموال، لكن رد المسلمين كان انهم لم يأتوا لمال بل قدموا لاخراج الناس من عبادة العباد الى
عبادة رب العباد,
وتلخيصا لمفهوم الجهاد في الإسلام، اقول ان للجهاد في الاسلام ثلاثة اهداف:
،1- الدفاع عن المسلمين في حال تعرضهم للعدوان,
،2- نشر الاسلام، اذا وقفت بعض الدول ضد الدعوة,, فهناك دول ديكتاتورية ترفض قبول الدعوة الى الاسلام
وتعذب وتضطهد من يسلم من ابنائها,, لكن اسقاط تلك الحكومات لا يعني اجبار الناس على الدخول في الاسلام،
فالدخول في الاسلام لا يتم الا عن طريق الاقتناع الشخصي، لكن على المسلمين ازالة العقبات والعوائق التي
تمنع الافراد من ممارسة حقهم في عبادة الله الواحد الاحد,
،3- رفع الظلم حتى ولو كان هذا الظلم واقعا على شعب او دولة غير اسلامية فالمسلمون كانوا وما زالوا اول
من يحارب الظلم والعدوان والعنصرية,
ولا شك ان مفهوم الجهاد في الاسلام اشمل من مجرد الحرب، فعندما عاد صلى الله عليه وسلم من اخر غزواته
قال عدنا من الجهاد الاصغر الحرب الى الجهاد الأكبر او كما قال صلى الله عليه وسلم، والجهاد الاكبر هو
مجاهدة النفس الامارة بالسوء على الخضوع للحق والخير ونبذ الشر والفسوق والظلم والعدوان,
|
|
|