مرزوق والمرآة قصة قصيرة
|
مع درج السلم الطويل المكتظ بالناس نزل مرزوق يعدو بشدة, تتطاير الأوراق وتتساقط من يديه، فيعود
ليلتقطها بشكل يزيد الأمر تعقيداً وحدة,
لقد غضب مرزوق في ذلك اليوم وهو في مكتبه من كثرة العمل ومن سيل المعاملات الذي لا يتوقف والذي يصاحبه
ضجيج أصحابها وخصوصا ان جميع زملائه في المكتب كانوا يتمتعون بإجازاتهم, فلم يكن هناك في المكتب إلى
جانبه سوى الفراش حمدان رفيق الدرب، الذي يعمل في إعداد الشاي والقهوة والذي قلّ ما يحرص على طلب
اجازته,
وحينما غضب مرزوق راح حمدان ببساطته يحاول جاهداً وبكل وسيلة أن يهدئ من غضبه، ولكنه لم يفلح في ذلك
فتركه لشأنه,
ويصادف مرزوق بعد نهاية العمل بعض معارفه في ذلك السلم المكتظ وفي الطريق خارج المبنى ولكن محاولاتهم
في تهدئته ذهبت أدراج الرياح, ولم يكن ليتوقف لشيء سوى لإشارة الطريق التي يقف عندها على مضض وهي تنظر
إليه بعينها الحمراء,
وفي الدار راح مرزوق يقلِّب أثاث الدار كيفما اتفق ولم يثن عزمه محاولات زوجته المتكررة لتهدئة غضبه
فسارعت لتغلق على نفسها باب الحجرة,
وفجأة سمعت زوجة مرزوق ضحكاته تتعالى في الدار,, فأطلت برأسها لتراه وهو يقف عند المرآة يحدق فيها وهو
لا يتمالك نفسه من الضحك, فقد استطاعت المرآة أن تفعل ما لم يفعله الآخرون مع مرزوق, ممن لقيهم في
طريقه بتهدئته وإخراجه من ثورة الغضب,
إن مرزوق لم يتمالك نفسه من الضحك أمام المرآة حينما رأى صورته على سطحها وهو عابس الوجه مقطب الجبين
متغير اللون منتفخ الأوداج، فهان عليه الأمر عندها,, وراح يضحك ويضحك ثم يبتسم تلك الابتسامة العريضة
التي تعرفها منه زوجته, وتنشرح أساريرها حينما تراها تعلو وجهه, وتعرف ساعتها أنها ستسمع منه كثيراً من
حكاياته المسلية ودعاباته المرحة,, التي تضفي على الدار كثيرا من معاني الإنسانية,
وحينما راح مرزوق ينظر إليها بعينين متوسلتين لتصفح عنه سارعت لتقول له ولكن على شرط أن تعيد ترتيب ما
أفسدته في البيت,
ويظل مرزوق يضحك وهو يقوم بإعادة ما أفسده في الدار ويصلح وضع الأثاث ثم يقوم بنقل تلك المرآة التي
أصبحت مهمة في جانب حياته ليضعها في مدخل الدار بحيث يراها أول ما يدخل,
وتضحك زوجته لضحكه وهي تعد سفرة الطعام، ليجتمعا حولها وكأن شيئا لم يحدث,
حسن بن سعيد الدوسري
،***
،** هذه هي القصة الثالثة عن المرايا التي ننشرها للصديق حسن بن سعيد الدوسري,
هنا يقع الأخ حسن على فكرة جيدة، ولكن معالجته لها لا تقف على نفس مستوى الفكرة,, يريد أن يقول إن
الإنسان قد يتمادى مع فكرة أو لحظة انفعالية أو سلوك ويفشل كل الناصحين في رده عن سلوكه أو قناعاته، بل
ربما يكون للنصح رد فعله السلبي الذي يدفع بصاحب ذلك السلوك إلى التمادي فيه والإمعان، كذا بطل قصة
الأخ حسن هنا الذي أصبحت ثورته وانفعالاته مصدر ارهاب للآخرين للساعي في المكتب وللزوجة في البيت
وبينهم كل من يعرفه، لكن هذا البطل لم يستطع أن يدرك فجاجة سلوكه أو فظاعة غضبه كما حاول أن يطلعه عليه
الآخرون إلا في اللحظة التي خرج عن ذاته ووقف مع الآخرين يتفرج على نفسه كأنما يرى شخصا آخر ويرتاع,,
عندئذ ينخرط في الضحك,, المرآة هي التي أعطته هذه الفرصة، فرصة الخروج عن ذاته ليرى نفسه بالضبط كما
يراه الآخرون، يرتاع أو يجن، فيكون ذلك الضحك الهستيري خروجاً له من هذا الموقف,
الفكرة يمكن أن تشكِّل أساسا جيداً لقصة ربما احتاجت معالجة مخالفة لما كتبه الصديق حسن الدوسري، فهكذا
نرى أن الفكرة هي لحظة تأمل أو موقف صغير لا تصنعه أحداث ولا يسهم هو بدوره في صناعة حدث,, إنه موقف
غالبا بلا أي مساحة زمنية، طوله بطول تلك المدة التي تستغرقها إطلالة إنسان على وجهه في مرآة، ولكن
الصديق حسن الدوسري يقدمه لنا من خلال سرد طويل بدأ بنزوله الدرج وتساقط الأوراق ولملمتها بذلك الشكل
الغريب واستعراض عمله في المكتب والمراجعين وزملائه الغائبين والطريق والمنزل,,, إلخ,,
سرد يشغل زمن يوم كامل أو ربما أكثر ويبدو شديد الفضفضة على فكرة اللحظة أو موقف اللحظة الذي اتخذه
موضوعا للقصة,
كيف كان من الممكن بغير هذا السرد أن يعرِّفنا الأسباب والملابسات التي أوصلت بطل قصته إلى تلك الحالة
من الغضب والغليان من غير أن يسرد علينا ما سرد؟ قد لا نكون معنيين بإجابة فهذا تحديدا هو الموقف الذي
كان ينبغي أن يواجهه كاتب القصة قبل أن يبدأ في الكتابة، واختيار الحل المناسب هو الذي يميِّز كاتباً
عن كاتب، وكمثال: ماذا لو أن الأخ حسن بدأ قصته بتلك اللحظة الهستيرية للضحك لينتهي إليها مرة أخرى مع
نهاية القصة بعد أن يكون قد روى لنا كل ما روى؟
الصديق حسن، مثلما أشرنا قبل ذلك، يملك حساً خاصاً يدله على موضوعات جيدة وفريدة، لعلنا نبهنا إلى ذلك
مع قصته زياد والمرآة وقصته الأخرى دارنا الطينية ، وما ينقصه لكي يكون قاصا مميزاً ليس الكثير،
وكمثال فإن الجملة الأولى في بداية القصة بانطلاقها المباشر والجسور إلى قلب القص هي إشارة إلى تلك
الموهبة,
|
|
|