في أدب المهجر كتابات وآراء ظالمة!،
|
ظهرت في الآونة الاخيرة كتابات وآراء تحاول تشويه وتقليل الاثر الذي تركه ادب المهجر بل تمادى البعض
الى الزعم بانه لايوجد ما يسمى أدب المهجر وان كل ما كتب عنه انما هو تزييف وبعضه كتب عن جهل!،
ويتساءل البعض: اين المهجر في ادب المهجر؟ لأن ادبهم - في رأي هؤلاء النقاد - لم يعكس ولو ملامح باهتة
من صورة البيئة الجديدة التي عاشوا فيها وغابوا في ترابها فكأنها لا مرت عليهم ولا مروا عليها!،
ويقولون: إن شعر المهجر وادبه ما هو إلا شعرنا وادبنا قد هاجر مع المغتربين ليعود مرى اخرى الينا
بأثوابه وأطواقه وتكسر حليه فنبته في المهجر ما أكسبه شيئا وان خسر التجربة الكبرى في اللقاء مع
البيئات الجديدة وفي التجربة التي عاشها وفي التفاعل مع الآداب الاخرى!،
واما مشكلات المهجر نفسه وقضاياه وعواصفه فما مرت لمهجري ببال او قافية كأنما هي تجري في كوكب آخر!!،
ثم ينتهي حكمهم الى ان ادب المهجر قد مات كما لابد ان يموت رغم بصيص بعض الجمرات انطفأ القنديل لانه
كان مستعار الزيت كان بلا بجذور وكان غريبا في منبته,, انه ادب مشرقي نبت جغرافيا بسبب هجرة اصحابه
بعيدا عنا ثم عاد على الاشرعة,,
ثم جاءت نصيحتهم محاولين ارتداء ثوب الحكماء قائلين:
فلنطو هذا السرادق العالي المنصوب فقد آن ان نكف عن هذا التمجيد,
ولا ندعي الاتيان بجديد حينما نذكر هؤلاء الذين اتخذوا من شعار (خالف تعرف) سبيلا للشهرة وذيوع الصيت
فشعراء المهجر لم يكونوا في رحلة ترفيهية او استكشافية ليعودوا بعدها بتقرير مدون به كل ما شاهدوه
وسمعوه وتأثروا به بل انهم اضطروا للنزوح الى المهجر بعدما وجدوا اوضاعا اجتماعية وسياسية واقتصادية،
لا تلائمهم في اوطانهم ولا ترضي طموحهم ولست في حاجة الى الاسترسال في ذكر الاسباب التي دفعت بهؤلاء
الشعراء الى ترك الوطن على الحب الغريزي له,
فلقد عاش اهل الشام في اواخر القرن التاسع عشر ومستهل القرن العشرين تحت رقابة مكبلة للحريات وبخاصة
المفكرون منهم ويقول سليمان البستاني: (كان الوشاة ينذرون ولو بصفحة من كتاب تتحدث عن الحرية ليزج
بصاحب الكتاب في السجون)!،
اما الصحف فقد كانت تلقى الامرين فكم من جريدة ألغيت او اوقفت زمنا محدودا لأنها نشرت خبرا يتحدث عن
الحرية او الاستقلال لأنها كلمات يجب على الصحفيين الابتعاد عنها,,
لذلك آثروا الابتعاد بالهجرة عن القبضات الحديدية التي كانت تحكم بلادهم تحت الحكم العثماني,
وتمت الهجرة الى الوطن الجديد واجتمع لهم من تجارب حياتهم فيه ومن موجبات هذه الحياة ما لم يتحقق
لغيرهم من شعراء الشرق وبخاصة تأثرهم بالنمط الجديد من حياة مجتمع متحضر ولقد تجمعت هذه التجارب
والخبرات والعواطف وتبلورت لتمنح شعرهم خصائص معينة عرفوا بها واهمها روح الرومانسية والرمزية
والواقعية,,
والمعروف ان تراث كل امة في تجارب شعرائها مع الطبيعة من اصدق الشواهد على عمق الصلات التي قامت وبين
ابنائها والكون,
واذا كنا نفتقد هذه الشواهد فيما ألممنا به من شعر عربي قديم فإن شعراء المهجر في هذا العصر قد اعادوا
بناء الصلة بيننا وبين الكون على اساس من التعاطف مع مشاهد الطبيعة واستكناه اسرارها!،
وعلى ضوء من هدي الصدق النفسي والفني الذي تحروه في كل تجاربهم وفي شتى مناحي شعرهم استطاعوا أن يرهفوا
ذواتنا امام مشاهد الطبيعة وان يمهدوا لنا سبل استشعار الحياة الدافئة في كل مظاهرها وان نتحرق شوقا
الى معانقة الوجود,
لقد بهرتهم الحياة الامريكية القائمة على العلم ومنجزاته ومن هنا كان تفاخرهم بروحانية الشرق وهجومهم
على المادية كما استطاعت هذه الزمرة في البيئة الحرة التي عاشت فيها بعيدا عن الرجعية الادبية ان ترتفع
بالنثر العربي اوجا عاليا من السمو والرقي وهو نفس الاوج الذي وصل الي الشعر وهم لا يفرقون بين الشعر
والنثر من حيث الاداء الفني فيعدون النثر الذي اعتمد على العاطفة والخيال واناقة الاسلوب شعرا وهي نفس
النظرة الحديثة التي تنظر الى الجوهر لا الى القشور!!،
ومما لاشك فيه انهم نجحوا في بث روح جديدة في جسم الادب العربي وانتشاله من وهدة الخمول والتقليد الى
حيث يصبح قوة فعالة في الحياة الادبية، فاذا كان البعض لا يرى هذا الاثر ويتساءل: اين ادب المهجر
فالعيب ليس في ادبائه وشعرائه بل العيب فيمن يسأل لأنه بهذا السؤال فد كشف عن مدى الجهل بالشاعر
والاديب المهجري المتمرد على جميع الرجعيات وعاد الى ذاته ولم يتخذ الشعر صناعة بيانية بل آمن به رسالة
انسانية تعبر عن الخير والحق والجمال وتهدي الناس الى سبل الحياة الرحبة المتفتحة وآمن بنفسه رسولا
لبني وطنه نائيا بمواهبه عن مواطن الهوان فلا مدح كاذبا ولا فخر اجوف ولا هجاء وضيعا بل هو القلب
الانساني - الوثيق الصلات بجوهرة الحياة - ينفتح على الجود في محبة واشراق ويعطي في نبل وسخاء!،
فهل يلام شعراء المهجر على وفائهم عندما يعبرون عن اوجاع وآمال اوطانهم الحبيسة في اعماقهم ام يكون
اللوم عندما يتنكرون لبني جلدتهم ويرتدون اردية غير ارديتهم ويتحدثون بألسنة غيرهم التي تأثروا بها
ويقطعون الصلة بينهم وبين اوطانهم بكل همومها وافراحها واتراحها؟
لابد ان نكون منصفين عندما نقرأ وعندما نكتب وعندما نعطي لأنفسنا الحق في الحكم على الآخرين!!،
محمد أحمد الصايغ
،***
،** يسعدنا ان يتواصل معنا اصدقاء الصفحة من المملكة او من خارجها كصديقنا محمد الصايغ الذي يكتب الينا
من احدى مدن الدلتا بالقليوبية من بنها في جمهورية مصر العربية في كل ما يشغلهم من قضايا او اطروحات
نقدية أو فكرية، ومن هذا الحس أفسحنا مكانا لهذا المقال عن ادب المهجر الذي يتصدى فيه صاحبه لبعض ما
اثير حول الذين كتبوا في المهجر ويتصدى للدفاع عنه وكان من الافضل انه اشار تحديدا للذين تصدى لهم
بالاسم وبإشارة مرجعية لاشك كانت ستكون بالغة الاهمية والافادة والحق ان ما كتبه الصديق قد اجتهد فيه
بشكل جيد لإيجاد الاسباب الحقيقية التي دفعت ببعض الادباء الى الهجرة اساسا والتي كان من الطبيعي ان
تحل حضور الوطن الأم محل معاناتهم مع بيئاتهم ولا سيما ان حنينا دائما كان اقوى من مشاعر المعاناة
والتعامل مع البيئة الجديدة,
التي عاشوا فيها,
شكرا للصديق محمد الصايغ ونرجو ان يستمر تواصله معنا وبخاصة اننا في الجزيرة قد نشرنا له العديد من
الكتابات (كما اكد هو ذلك في خطابه),،
،
|
|
|