Wednesday 17th February, 1999جريدة الجزيرة 1419 ,الاربعاء 1 ذو القعدة


صندوق الدنيا
د,عبدالله ناصر الفوزان

تلك الصناديق العظمية الصغيرة الحجم لا تمتلىء ابداً,, إنما تختزل وتحول ما في داخلها الى خلاصات ثم
خلاصات الخلاصات,, لقد ظل الملك حسين في كل ساعة او ربما في كل دقيقة خلال تلك السنوات السبع والأربعين
التي قضاها في الحكم يلقي في الصندوق الصغير - مثل غيره من امثاله - بالمعلومة تلو المعلومة والحكمة
تلو الحكمة وبأشكال متغايرة متلاحقة من تجارب الحكم والسياسة التي تهتم بكيفية التعامل مع الناس في
الداخل والخارج ومع الدول والزعماء وبكيفية إبداء المشاعر واتقاء العواصف,, والكثير الكثير من
الكيفيات,, وحاول ان تحسب ان شئت ثم تأمل ضخامة الارصدة,, إنه صندوق النفائس,, ذلك الذي يبدأ فارغا فوق
عنق كل انسان ثم يظل يتلقى الاحجار الكريمة دقيقة بعد دقيقة وساعة بعد ساعة ويوما بعد يوم وسنة بعد
سنة، ويصهرها ويختزلها ويحولها الى خلاصات، فإذا عظم رصيد خلاصة الخلاصات حصل ما حصل فاضطررنا نحن
الاحياء المحتاجين لمثل هذه الكنوز لدفن الصندوق بكل نفائسه في اعماق الارض تحت التراب ,
تلك الجموع التي انتحبت في شوارع المدن الاردنية لا يمكن ان تكون قد انتحبت من اجل شكل طال تعودها عليه
فما اكثر الاشكال التي تظل قائمة عشرات السنين ثم تنصرف فجأة فلا يأبه لفقدها احد، وإنما تنتحب لأنها
ستفتقد ذلك السلوك,, تلك الحميمية,, ذلك الاسلوب,, تلك الكلمات,, ذلك التصرف,, تلك التحركات,, ذلك
الإحساس,, تلك المعالجات,, ذلك الصوت,, او حتى ذلك الحب,, اي ذلك الإرث الكبير الذي ظل (صندوق الدنيا) ،
يجمعه ذرة بعد ذرة ليكون المرشد والبوصلة,, فهي اذاً تحزن لأنها تشعر بأنها فقدت ثروة لها احتاجت الى
تلك العشرات من السنين لجمعها,
لم يكن ذلك الصندوق الصغير الذي انتحبت من اجل فقده الجموع الاردنية هو الاول ولن يكون الاخير، فما
اكثر الصناديق التي تظل عشرات السنين تجمع النفائس ثم نضطر للتنازل عنها ليحل محلها صناديق اخرى جديدة
قد تكون فارغة وقد تكون بين بين لنعاود معها الرحلة نفسها,, وسيظل ذلك التفاوت في الحزن باقيا بقدر
تفاوت مستوى النفاسة والكفاءة وحالة البديل، فقد يكون الخوف من الفراغ محدودا لمحدودية الفارق وقد يكون
الخوف كبيرا لحاجة البديل الى العديد من السنين قبل ان يمتلك من الخلاصات ما يكفي لمعرفة كيفية التعامل
حتى مع الرياح العادية اليومية,, فالجماهير حين تحزن فهي تحزن من اجل نفسها,, تلك النفس التي ربما تشعر
بالوحشة الشديدة,, ربما تشعر بالوجل,, ربما بالأسى,, ربما بالاضطراب,, وهذه المشاعر او على الاصح الخوف
منها يؤدي للحزن,, وربما للانتحاب,
ليس هناك افتقاد يستدعي الدموع لا دخل له بما في الصندوق العظمي الصغير بما في ذلك افتقاد (ديانا) الذي
انهمرت من اجله دموع مدرارة,, وكذلك افتقاد حيوان أليف,, وغير ذلك من الحالات التي نقول عنها إنها
إنسانية,, فما في الصندوق الصغير هو الذي يشكل اللمسات والهمسات والنغمات والابتسامات والآهات تماما
كما يشكل الصرخات واللعنات ويخلق ردود الافعال حولها,, والدموع الصادقة هي نتاج لتواصل ايجابي بين
طرفين اي بين صندوقين,, والمشكلة اننا نضطر - في الغالب - لدفن تلك الصناديق في اوج نضجها ثم نبكي
عليها,, ودع عنك الدموع الزائفة فما أكثر دموع التماسيح,
backtop
الاولــــى
محليـــات
مقالات
الفنيـــة
ملحق البنوك
الاقتصـــادية
المتابعة
منوعــات
عزيزتي
المحرر الأمني
الرياضية
العالم اليوم
مئوية التأسيس
الاخيــرة

الكاريكاتير


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][البحث][الجزيرة]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved