يارا عبد الله بن بخيت حكايتي مع السحبلة المسكونة بالجن المصير
|
في يومي الاثنين والسبت الماضيين تحدثت عن حكايتي مع السحبلة المسكونة بالجن، وكيف كنت أبتز والدتي
بالتهديد بقتلها اذا لم تمدني بالفلوس التي أطلبها, ثم كيف رفعت تكاليف الابتزاز حتى اصبح الأمر لا
يطاق بعد أن قررت ان أطلب ريالا كاملا بدلا من خمسة قروش أو أربعة قروش، وريال في ذلك الزمن يعتبر ثروة
فدخلت البيت وأنا أنتظر السحبلة ان تخرج من مكمنها, وعندما خرجت أخذت نعال الزنوبة وصرخت مناديا على
أمي لكي تعطيني ريالا أو سأقتل السحبلة,
كانت السحبلة في بداية جولتها, وأمامي وقت كاف لمزيد من الزمجرة والتهديدات ومتابعة المفاوضات ولم
تستطع والدتي تفهم هذا التغير, لأنها كانت متدينة وكبيرة في السن ولم تعرف أطماع الجيل الجديد الذي عرف
الشاورما والمكرونة وحلويات القباني وبدايات الدجاج المشوي والطبيلة, تلك الأمور التي كانت تتطلب مصادر
دخل جديدة حتى وان جاءت عن طريق الابتزاز, ولكن والدتي في الوقت نفسه من الجيل القديم الصلب, وهذا ما
نسيته عند رسم خطة الابتزاز المطورة, فتواجهت في لحظة خاطفة من تاريخ البشرية ارادتان لجيلين مختلفين
الأول مليء بالايمان والصلابة والآخر مليء ببواعث الطمع, فأي غلطة في حسابات الصراع بيني وبين أمي
ستدفع ثمنها السحبلة الأنيقة التي تجول ببراءة دون ان تعرف ان هناك نعال زنوبة ستعصف بحياتها بعد قليل,
ولكن ما هي نتائج هذه الميتة: أبصار ستختطف، وعقول ستغرف، وسعابيل ستذرف، وسيضج العالم السفلي، وستثور
مخارب الرياض وحياييله، وستعصف الظلمة بنهارات صبي في التاسعة من عمره كان يمكن ان يكون كاتبا في يوم
من الأيام, وربما دسوا خشته في مغاريب عب شارع الشميسي الجديد, أو خفسوا به، أو تم تسليمه للمندوب
السامي في شلقا، أو أخذوه على جذع نخلة الى عُمان مباشرة وغيبوا شمسه, فالقضية مفتوحة على كل
الاحتمالات والسحبلة في تلك اللحظة اصبحت في وسط بطن الحوي وهدفا سائغا لنعال الزنوبة المشرعة, فما ان
سمعت أمي كلمة ريال حتى هبت من رقدتها وانتصبت على قدميها, فالصراع هذه المرة يتطلب مزيدا من القدرة
على المناورة, وربما التدخل بالأيدي, ولكني كنت اقرب منها للسحبلة وأي خطأ في الحساب من جهة والدتي قد
يؤدي الى مصيبة, فقد كنت في غاية الغضب والتوتر, واختلطت علي المشاعر, فقد احسست في تلك اللحظة فعلا
بحجم الصراع, وإنني في حال التراجع عن مطلبي لن افقد مصدر رزقي الصغير موضع التهديد وانما كرامتي ايضا,
فأمامي فرصتان فقط, اما ان تتنازل أمي وتنقدني الريال أو اقتل السحبلة لأن الخيار الثالث كارثة بكل
المقاييس حيث سأخسر كرامتي الى الأبد, وستموت أمي وهي تحتقرني لأنني سأكون في نظرها تيسا يبعبع ولا
يقرع ,
لم أشعر اثناء المناورات والمفاوضات ان كل شيء اصبح على حافة الهاوية, ففي لحظات الضعف التي تطل بين
فينة وأخرى كان الطمع يتدخل يغذيني بروح التحدي والصمود, ولكن أمي في المقابل لم تكن تخلو من أسباب
التحدي وشراسة المواجهة خصوصا انها لم تكن تملك ما يكفي للدخول في مرحلة حرجة من مراحل الابتزاز, ومن
الواضح انها قررت وضع حد نهائي لهذه اللعبة, ولم تكن ترغب التوصل الى اتفاق يرضى عنه طرفا الصراع،
لأنها قالت بكل حزم وقوة: سم بالرحمن وتعوذ من الشيطان ترى سأتركك هذه المرة يخفسون بك, قالت ذلك وهي
تركض الى باب السوق وهي تنادي عسى ان يأتي أحد ويساهم في حل هذه القضية, فعرفت ان هناك عناصر اخرى
ستدخل في العملية, ولابد من اتخاذ قرار حاسم الآن, فارتفعت قبضة يدي الى أعلى نقطة يمكن ان تصل اليها
وعيناي مسلطتان بكل عنف على السحبلة,
فالتمعت عيناها ببراءة الحيوان الذي لا يعرف خرافات البشر, ولا يعرف اطماعهم, ولم تحاول الفرار من
مصيرها لأنها تعودت ان تمر من هنا كل يوم فتوثقت العلاقة بيننا وبينها على أساس ان الانسان كائن طيب لا
يؤذي من لا يؤذيه, ولم تعرف ان الذي كان يحميها هي حفنة من الخرافات, ليست الطيبة واحترام الطبيعة
واحترام مخلوقات الله, فهوت يدي اليسرى فجاءت الضربة الأولى نجلاء وحاسمة فانفجر رأسها, وكانت آخر
علاقة لها بالحياة ان التف جسدها وحاس قبل ان يهمد الى الأبد,
أما الطبيعة فلم تعبأ أبدا بمشاعري المرعوبة, وقررت تسوية الأمر بينها وبين هذا الكائن الذي غادر
الدنيا, فانقضت اسراب الذباب المحلقة ووضعت خراطيمها على كل الأماكن التي مزقتها النعال الزنوبة من جسد
السحبلة الناعم الأنيق، في اللحظة التي عادت فيها أمي كان الأمر قد تمت تسويته نهائيا وزالت كل أسباب
الصراع بيني وبينها, فملف القضية انتقل بالكامل الى يد مشيخة الجن التي تتخذ من مخربة في العجلية مقرا
لها, وعندما شاهدت أمي السحبلة غارقة في أشلائها صعقت ولكنها على الفور استعادت سيطرتها على الموقف,
وربما كانت تتوقع ان السحبلة لا يمكن ان تموت هكذا بنعال زنوبة اذا كانت جنية بالفعل فهدأت اعصابها
ورفعت يدها الى السماء وذهبت في غيبوبة الدعاء الصادق ان الله يحميني (رحمها الله وأسكنها جنات
النعيم),،
الآن بعد سنوات طويلة كلما تذكرت تلك الحادثة يطوف بي حزن طفيف على كائن مسكين ذهب ضحية قضايا لا يخصه
منها شيء، أسباب لا يعرفها إلا البشر أساسها الخرافات والصراعات والابتزازات والطمع,
|
|
|